; أيام في عسير | مجلة المجتمع

العنوان أيام في عسير

الكاتب د. محمد بن موسى الشريف

تاريخ النشر السبت 15-سبتمبر-2007

مشاهدات 69

نشر في العدد 1769

نشر في الصفحة 62

السبت 15-سبتمبر-2007

 مناخها لطيف ممطر صيفا بارد شتاء.. ويسكنها بضعة ملايين وعاصمتها «أبها».

 أهلها كرماء للغاية ويحسنون استقبال الضيف.. حتى فقرائهم أسخياء بالفطرة يجودون بما لديهم.

 منطقة ذات جذب سياحي لدول الخليج وتعد المصيف الأول في السعودية.

 تضم قمما جبلية ترتفع قرابة ٣٥٠٠ متر فوق سطح البحر والبرد يتساقط فيها صيفًا.

لهم عادات توارثوها كابراً عن كابر... فهم لا يزوجون إلا لقبائلهم وعشائرهم.

عسير تقع في الجزء الجنوبي الغربي من المملكة العربية السعودية، وتمتد من الحدود مع اليمن جنوبًا إلى قرب الطائف شتاء، وفيها بضع شمالًا، وهي بلاد جبلية وعرة، ذات مناخ لطيف ممطر صيفًا، بارد بضعة ملايين من السكان، وعاصمة عسير هي «أبها» والمنطقة ذات جذب سياحي لسكان المملكة وعدد من دول الخليج، وهي المصيف الأول في المملكة 

ويوجد في عسير قمم جبلية ترتفع قرابة ٣٥٠٠ متر فوق سطح البحر والبرد يتساقط فيها صيفًا!! وقد شرفت المنطقة باستقبال أبي بدر عبد الله المطوع سنوات عديدة قبل موته يرحمه الله تعالى، واتبعه في ذلك عدد من الكويتيين وأهل الخليج وهذا أمر مبشر بالخير الا وهو وجو مصيف في الجزيرة العربية يكون بديلاً عر المصايف الخارجية.

كرم أهلها

وقد ذهبت للمنطقة عشرات المرات وجئتها لأول مرة سنة ١٤٠٣هـ / ١٩٨٣م. وأذكر أنني عجبت عندما رأيتها لأول مرة. حيث يسير المرء في المدن والبلدات والقرى مسافات طويلة ولا يكاد يرى امرأة في الطريق، أما كشف الوجه فنادر، والنادر لا حكم له، وأذكر أنني كنت إذا دخلت مسجداً لصلاة الظهر فإن بعض أهل المسجد يبادرونني بالحديث سائلين أن أتغدى عندهم في بيوتهم، وهم لا يعرفونني لكن سحنتي تدل على أنني غريب عن المنطقة فيلحون لهذا على استضافتي، وكنت أعجب من هذا لأنه لا عهد لي به من قبل، وإنما كنت أقرأ ذلك في كتب الأدب وأخبار العرب فقط، والقوم في الجملة أهل عصبيات وحميات يتعصبون لقبائلهم وعشائرهم عادة قدماء العرب ولا جرم في هذا، فالمنطقة كانت لقرون معزولة تقريبًا عن العالم الخارجي، وهم لا يزوجون - في الغالب الأكثر – إلا من كان منهم.

عصبية قبلية

وقد حدثني الشيخ الفاضل العلامة السوري عبد الرحيم الطحان – وفقه الله تعالى، وكان مقيمًا في المنطقة لسنوات عديدة، وكان يدرس في فرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وهو ممن خبر القوم وعرف طبائعهم – حدثني أنه خطب في إحدى الجمع عن موضوع الزواج وتيسيره، وأنه ينبغي إذا تقدم من يرضى دينه وخلقه لخطبة امرأة ألا يرد بغض النظر عن نسبه ومن أي قبيلة هو هذا إذا كانت له قبيلة أصلًا، ولما انتهى من الخطبة استوقفه واحد من أهل المنطقة في السوق

وقال له: إن خطبتك حسنة وكلامك طيب لكن والله لو جاءني من يريد خطبة ابنتي من غير قبيلتي فلن أرد عليه إلا بالبندقية!! وقد أخبرني أيضًا - حفظه الله - أنه قد نوى الزواج بإحدى مديرات الكليات ممن جازت الثالثة والثلاثين وهي عزباء فكلم شخصًا من قبيلتها ليخطبها له فقال له يا شيخ لا تفعل، ونصحه بالكف، فقال له: وإذا صنعت فماذا سيكون منهم؟! إن أقصى ما سيقع أنهم سيرفضونني أو يرحلونني خارج البلد، فقال: أخشى عليك ما هو فوق ذلك!! وإنما سقت هذا لأدلل على بقاء العصبية فيهم على وجه ظاهر إلى يوم الناس هذا.

عادات توارثوها

وهم أهل كرم وحسن استقبال للضيف وإكرام لوفادته، ولهم في ذلك عادات توارثوها كابرًا عن كابر، وخلفًا عن سلف لا سبيل لتغييرها ولا لنقضها، وأذكر أنني جئت عند أحدهم مرة فأحسن إلي وأكرم وفادتي جزاه الله خيراً، وأحضر بعض الوجهاء ليأكلوا معنا، وفي أثناء الطعام شعرت بأنه متضايق من صنيع بدر مني ولا أعرف سببه فصبرت حتى قمت للغسيل فبادرني قائلًا: ماذا صنعت؟! فقلت: ماذا جرى؟ فقال: ألم تر فلانًا وفلانًا وهما يرمقانك وأنت تأكل بكلتا يديك؟ وماذا في هذا؟! فقال: والله لولا علمهم بأنك ضيف لقاموا عن الطعام استقذارًا لصنيعك إذ 

كيف تضع أصابع يدك اليسرى في الطعام؟! فاعتذرت بأنني لا أعرف عوائدهم وأن هذا أمر سائغ عندنا في الحجاز، بل هو كذلك في كل دول العالم التي زرتها، ثم سلكت مسالك الحذر في طعامي بعد ذلك حتى لا أنغص على المضيف فقراء أسخياء.

ومن عجائب ما أذكره ها هنا أنني كنت أنزل من الجبل إلى السهل للمشاركة في توزيع صدقات بعض المحسنين، وكنت أذهب مع أهل المنطقة العارفين بدروبها ومسالكها وهم جماعة من الجبل لهم معارف في السهول، فنزلنا مرة واحتجنا للوقود في منطقة وعرة غير ممهدة فاستوقفنا سهليًا تهاميًا عرف واحدًا منا فسألناه عن الوقود فقال: هو حاضر موجود لكن والله لا سبيل إليه حتى تتعشوا عندنا - وكانت الشمس مائلة للمغيب.

فرجوناه أن يعفينا، فأبى والله إلا أن نأتي إلى مكانهم. فذهبنا وكنا خمسة فيما أذكر فأتونا بالزبيب والحليب، وفطن واحد منا للقوم فأسرع إلى مكان إعداد الطعام فوجدهم قد ذبحوا ثمانية من صغار الماعز!! هذا ونحن خمسة، وأتونا بها محنودة، وأتونا بطعامهم الشعبي الذي هو البر مع العسل والسمن، وهو طعام لذيذ يصعب رده أو تفضيل شيء عليه، حتى

ذكرنا واحد منا في غمرة لانشغالنا بالطعام الشعبي أنه لا بد أن تذوق شيئًت مما عزهم الذي طبخوه وتعبوا في إعداده.

 وأذكر أننا إذا جئنا لقوم لتعطيهم الزكاة أخرجوا سخلة أو نحوها وذبحوها هذا وهم فقراء معدمون ، وقدموها لنا لنأكل ولا يشاركوننا زيادة في إكرامنا، فإذا قمنا عنها أقبلوا عليها إقبال من لم يذق اللحم منذ زمن طويل، وهذا الأمر - أي في بطون الكتب الكرم على هذا النحو - لا تعرفه في المدن وليس لأكثرنا به عهد، وهذه الصفات في ما تبقى من عادات العرب الجيدة التي لا يعرفها أكثر الناس ولم يطلعوا عليها إلا ذكريات دراسية وكنت أدرس في جامعة الإمام محمد ابن سعود الإسلامية فرع أبها طالبًا في كلية الشريعة، ومن الأحداث التي لا تنسى اسي دعيت يومًا في بيت أحد وجهاء المنطقة فوجدت الدكتور عبد الفتاح الحلو وهو أحد المحققين المصريين والباحثين في التراث العربي، فحدثا عن رحلة قام بها سنة ١٣٨٧ هـ / ١٩٦٧م إلى عدن مبعوثًا من الجامعة العربية لحصر مخطوطات البلد قال: مخرجنا إلى ظاهر عدن إلى مغارة في جبل، فدخلنا فإذا بالمخطوطات ملقاة في المغارة مهملة، فإذا أمسك بالمخطوط تفتت بين يديه، وعدن على ساحل البحر وفيها رطوبة عالية، وآثار الدماء في المغارة، قال فسألنا عن هذه الدماء فقيل لنا إنها دماء العلماء الذي قتلوا في الفوضى التي أحدثها الشيوعيون في المنطقة، فقد كان العلماء يقتلون، ويسحلون أي يسحبون على وجوههم في الشوارع بعد ربطهم بالسيارات، وهكذا صنع الشيوعيون في ذلك البلد الأمن، وخربوا كثيرًا زمن معالمه ومعاهده وغيروا من طباع أهله وعاداتهم حتى من الله بالفرج، وعاد الجنوب اليمني لاحتضان الاسلام من جديد ولله الحمد 

الأخوة الإسلامية

وأنا لا أستطيع أن أختم مقالتي هذه دون أن أشكر سعادة أخي الدكتور الفاضل عوض القرني الذي كان وكيلًا لشؤون الطلاب وأحسن استقبالي جدًا لما جنته طالبًا للدراسة. واستضافني في بيته أسابيع طويلة على مدار سنوات عديدة، وكانت تلك الاستضافة من المشجعات على إكمال الدراسة، وتجاوز صعوبات عديدة في المنطقة، فجزاه الله خير الجزاء، وكذلك صنع أخوه الدكتور الفاضل مناع القرني ولقد استفدت منهما وتعلمت الكثير. فجزاهما الله تعالى خير الجزاء، فهما أهل للشكر وأهل للثاء، ولقد رأيت من لطفهما وإكرامهما ما حقق عندي عمليًا نظريات الأخوة الإسلامية والنخوة العربية التي كنت أقرأها في بطون الكتب ولا أراها في دنيا الناس إلا قليلًا.

الرابط المختصر :