; خواطر حول الهجرة | مجلة المجتمع

العنوان خواطر حول الهجرة

الكاتب محمد عبدالله الخطيب

تاريخ النشر السبت 31-مارس-2001

مشاهدات 50

نشر في العدد 1444

نشر في الصفحة 56

السبت 31-مارس-2001

 

ونحن ندلف إلى عام هجري جديد، تبرز أمامنا خطوات سيد الدعاة صوب المدينة، وقلبه يخفق بالدعاء الذي سجله القرآن: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا  (الإسراء:8).

ففي اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول من السنة الثالثة عشرة للبعثة وصل سيد الدعاة إلى مشارف المدينة، إذ قام أهلها باستقباله بعد أن انتظروا طويلًا، وبدأوا من حينها العهد الجديد الذي كتب لهم فيه شرف وضع أسسه على تقوى من الله ورضوان، وبدء بناء مرحلة الدولة التي ستصنع حضارة راقية تشرف الإنسان وتضعه في الموضع اللائق به، وقد قام البناء تحميه العقيدة والقوة للدفاع عنه، وصيانته من عبث العابثين، وبهذا تحقق ما جاء به الإسلام على يدي المبعوث رحمة للعالمين بناء الإنسان وبناء الدولة، وإقامة الحضارة، وتلك هي الدوائر المتكاملة التي يعمل لها هذا الدين.

إن النبي -صلى الله عليه وسلم-كان على يقين جازم بأن حركة الإنسان في الحياة لا تصل إلى هدفها، إلا حين يرفع بصره وفؤاده ومشاعره إلى السماء يتلقى عنها، وينزل على توجيهها، وينفذ أوامرها، إن هذا التوجه صاحب الرسول-صلى الله عليه وسلم- وهو يرسم الخطط، ويحدد الغاية، ويأخذ بكامل الأسباب التي توصله إلى هدفه.

يقول د. عماد الدين خليل إن الإسلام جاء لكي يعبر عن وجوده في عالمنا من خلال دوائر ثلاث يتداخل بعضها في بعض، وتتسع صوب الخارج، لكى تشمل مزيدًا من المساحات:

- دائرة الإنسان

- دائرة الدولة.

- دائرة الحضارة

ولقد اجتاز الإسلام في مكة دائرة الإنسان ثم ما لبثت العوائق السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية، أن صدته عن المضي في الطريق، صوب الدائرة الثانية حيث الدولة، لأنه بلا دولة ستظل دائرة الإنسان التي هي أشبه بنواة لا يحجبها جدار، ستظل مفتوحة على الخارج المضاد، بكل أثقاله وضغوطه، وإمكاناته المادية والروحية، ولن يستطيع الإنسان الفرد أو الجماعة التي لا تحميها دولة أن تمارس مهمتها حتى النهاية.

التربية والهجرة: إن التربية السليمة التي صنع الرسول-صلى الله عليه وسلم- الأمة المهاجرة والمجاهدة من خلالها أساس في تكوين الأمم، وهي أمر لابد منه لكي تكون القلوب عامرة، والنفوس راشدة والمجتمعات فاضلة، والتربية الأصيلة هي التي ترقى بالنفوس إلى مقام الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

 إن رقابة الله على الضمير البشري في سلوكه كله ليله ونهاره، هذه الرقابة هي التي ينشأ عنها الخوف والرجاء، والصبر والشكر والتوكل والمحبة والورع والتوبة، ومعرفة المعاصي القلبية التي هي أخطر من معاصي الأبدان كيف نغسل النفوس من حب الظهور

 على الدعاة المصاحبة الوجدانية لسيد الدعاة التأمل الدقيق في أبعاد حياته.. والتأمل في واقع الدعوة وأهمية التأسي بالرعيل الأول

 والرياء والأنانية والحقد وطلب الإمارة كيف نقطمها عن الصراع على المغرب الخسيسة، وعن الذهول في طلب الدنيا عن الآخرة؟

هذه الحقائق كلها إذا فقدناها، فإن هيكلًا تشريعيًا كبيرًا لا يغني مكانها، وإن الصبر والتحمل لا يمكن أن يكون إلا في نفس قد قوي فيها الإيمان بالحق، وسيطر عليها حب الله، وإن الشهوات والصبر نقيضان لا يجتمعان، فصاحب الهوى سريع التقلب والتفلت، وذو الإيمان صبور مجاهد هاجر لما نهى الله ورسول عنه، ويستطيع كبح جماح نفسه، ويستطيع أن يقول في الشدائد مكانك تحمدي أو تستريحي يستطيع ذلك في جميع المواقف، وفي شتى الميادين. ولا نظن الأمر أتى بجديد في عصرنا هذا على معنى أن التيار الإسلامي عندما يتحرك لإيجاد الأرضية الصالحة التي يتحرك عليها الإنسان المسلم يجد أمامه الجنادل والأهوال والأسوار الهائلة التي تحجبه عن الانطلاق وأداء رسالته، وهذه العوائق هي هي ذاتها التي اعترضت صاحب الرسالة أول ما قام يدعو وما كان أحد يصدق أن شعبًا كشعب الجزيرة العربية، يمكن أن يحمل رسالة عظيمة إلى العالم كله، لكن مع عظمة الداعية ومثابرته وتلطفه وتنفيذه لأمر الله وانتظاره وصبره وتعلقه بالله مع كل هذا بدأ الأمر يتغير تطبيقًا لقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (الصافات:171-172).

فإذا كان التيار الإسلامي اليوم تحيط به أسوار وتكتنفه ضوائق فذلك لا يجوز أن يكون دافعًا لليأس، لأن اليأس يعني السقوط والتوقف والاستسلام، لكن على الداعية أن يفقه الظروف من حوله، وأن يحسن تخير الموقع الذي يمكن أن يكون أكثر فاعلية من خلال هذه الظروف، وعليه أن يبدأ بإصلاح بيئته، وإعدادها إعدادًا صحيحًا لتكون منطلقًا إلى ما بعدها، وكلما أصلح جزءًا من الأرض التي يقف عليها انتقل إلى آخر.

وجوب الاهتمام بالسيرة

لا شك أن المسلمين حين يهتمون بالسيرة وهي الحركة المباركة لسيد الخلق-صلى الله عليه وسلم- الله، ومن معه من صحابته، وهم أطهر جيل وأصدق جيل عرفته الدنيا، بعد رسل الله سيجدون أنهم في أمس الحاجة إلى هذا الزاد العظيم الذي يقف نبراسًا للأمة في أوقات محنتها وشدائدها، خاصة حين تضعف وتتكالب عليها الشعوب، وكيف أن هذه السيرة ترتفع أمام المسلمين بأحداثها، تعزيهم وتبصرهم وتصبرهم وتمسح عنهم جراحهم.

إن وقوف المسلمين اليوم - خاصة الدعاة على قدر كبير وخطير من دروس هذه السيرة ليس مرهونًا إلى حد كبير لا بالمعاناة والمصابرة والمجاهدة فحسب، فهناك أمر لابد منه في جميع العصور – إنه محاولة المصاحبة الوجدانية لسيد الدعاة والتأمل الدقيق في سائر الأبعاد الأخلاقية والتربوية والتشريعية والاجتماعية والنفسية، وكذا التأمل في ضوء واقع الدعوة الإسلامية الراهنة، وحاجتنا الدائمة إلى التأسي بالرعيل الأول: في عمله في فترة الدعوة والدولة. وفي سلوكه مع الآخرين في الحرب والسلم، وفي المنشط والمكره، وفي الأخذ والعطاء، وفي وقته في الحرص على حرية المسلمين وغير المسلمين، في الإنصاف حتى من أنفسهم ولا مجال هنا لبسط وجهة النظر في أن القرآن الكريم يمثل التربية الكاملة والمستمرة في وقت واحد، ولكن ينبني عليها هذا القول بأن السيرة النبوية الشريفة تمثل هذه التربية الكاملة بصورتها العملية التطبيقية، فهذه السيرة منهج للبشر ولا يصح لنا أن نقرأها، كقصص دارج، أو أحداث انتهى زمانها، وهذا ما يحدث اليوم للأسف الشديد.

الدعوة والحركة

لقد عاش سيد الخلق الله في صحراء، حرها شديد، ومسافاتها شاسعة، وطرقها محدبة ومياهها قليلة، وسائر ما فيها من ملابسات الشظف والخشونة، وهذه الجزيرة هي مهد الدعوة الإسلامية والبيئة التي شهدت الأحداث من لدن ولادة النبي-صلى الله عليه وسلم- في مكة، إلى حين انتقاله إلى الرفيق الأعلى في المدينة. ولقد تعلمنا من الهجرة كيف يرتبط تاريخ الدعوة إلى الله بالحركة حركة الإنسان الفرد وحركة الجماعة، وحركة الأمة المسلمة كلها، إن المثل العليا دائمًا هي الهدف الذي يسعى إليه أصحاب الفضائل، برغم وقوف القوى المنحرفة لمنع الجادين والمخلصين من تحقيقه في عالم الواقع.

وفي الهجرة يجب ألا ننسى أبدًا طبيعة اليهود، وحقد اليهود، وما جبلوا عليه، وما حكاه لنا العليم الخبير في القرآن عنهم، وما ذكره النبي -صلى الله عليه وسلم-من مواقفهم مع أنبياء الله ورسله، من نكثهم للعهود، وقتلهم للأنبياء، وعداوتهم للمؤمنين، ومن أنانيتهم وأطماعهم، وإجرامهم الذي لا حد له، يجب أن نذكر دائمًا خداعهم ومكرهم، وعدم التزامهم بأي شيء إلا إذا كان موافقًا لأهوائهم، ونياتهم التوسعية.

ولقد طرد من الجزيرة أعداء الإنسانية من مثيري الحروب والفتن من يهود وغيرهم، وانتهى من الجزيرة الأمراض من ربا وأوثان وأصنام، وسعد الناس بعبادتهم لربهم، وطاعتهم له، ودخل الناس في دين الله أفواجًا والحمد لله رب العالمين.

اللهم إننا بهذه الكلمات نبرئ ذمتنا أمامك ونعذر إليك، فما بعد اليوم من مستعتب، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿فَلِذَ ٰلِكَ فَٱدۡعُۖ وَٱسۡتَقِمۡ كَمَاۤ أُمِرۡتَۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَاۤءَهُمۡۖ وَقُلۡ ءَامَنتُ بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَـٰبࣲۖ وَأُمِرۡتُ لِأَعۡدِلَ بَیۡنَكُمُۖ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمۡۖ لَنَاۤ أَعۡمَـٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَـٰلُكُمۡۖ لَا حُجَّةَ بَیۡنَنَا وَبَیۡنَكُمُۖ ٱللَّهُ یَجۡمَعُ بَیۡنَنَاۖ وَإِلَیۡهِ ٱلۡمَصِیرُ (الشورى:12) 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 128

65

الثلاثاء 05-ديسمبر-1972

تركيز.. لا تكاثر!!

نشر في العدد 1085

68

الثلاثاء 25-يناير-1994

المجتمع التربوي 1085

نشر في العدد 1125

52

الثلاثاء 15-نوفمبر-1994

المجتمع التربوي (1125)