; خواطر في جوار المسجد النبوي آه لو توقف الزمان.. عند مغرب رمضان | مجلة المجتمع

العنوان خواطر في جوار المسجد النبوي آه لو توقف الزمان.. عند مغرب رمضان

الكاتب د. عادل شلبي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-2001

مشاهدات 72

نشر في العدد 1434

نشر في الصفحة 55

الثلاثاء 16-يناير-2001

هناك، وفي أروقة المسجد النبوي وبعدما نودي في سماء مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن الله أكبر، الله أكبر، ليفطر على إثرها الصائمون.. تجلت أسمى آيات الحب والإخاء.

الكل يدعوك لمائدته لتشاركه الإفطار، فهذا يدعوك بكلام طيب، وهذا يلح عليك في الطلب وذاك ينتفض ليحتضنك، ويقبلك لعلك ترضى أن تشاركه، وهذا يعرض عليك شايًا، وذاك يحييك بقهوة حتى المناديل الورقية لم تنس لتنظف يديك، ولا تتأفف فالكل يدعوك والكل يصر والكل يلح، فتشعر بالحب يدفئك، وبالحضن يضمك.

الكل سواسية هنا: (مصري تركي إندونيسي هندي... إلخ)، فأي جنسية تطعم، وأي جنسية تطعم شعرت أنه لا فرق بين عربي وأعجمي، أو بين أبيض وأسود، أو بين غني وفقير، بل إن الغني صاحب المائدة يتذلل ليعطي الفقير الذي ربما كانت المرة الوحيدة التي يقول فيها لا، لأنه متأكد أن ذلك الغني الآن بالذات، وفي مثل هذه الظروف سيعاود الإلحاح عليه، بل وسيدالله وإنها لفرصة له أيما فرصة، فقد ذابت الفوارق المادية والأدبية والنفسية، وتحطمت الحدود الجغرافية، والعصبية، والعرقية، والبيئية وتطايرت جوازات السفر والإقامات، والتأشيرات وخيم الحب، والإخاء بدلًا من الفرقة، والشحناء، تمنيت ساعتها أن يتوقف الزمن عند أذان مغرب رمضان، وأن يتمدد المكان لتضم مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كل مسلمي العالم، ليعيشوا في رخاء وعزة ومنعة وحب وعطاء، وعندها -والله - سينام الحمل الوديع بجوار الذئب وسيبحث صاحب المال عن محتاج للزكاة فلا يجده.

 تذكرت تلك الأيام الخوالي عندما نزل بهذه المدينة أشرف خلق الله، ومعه أشرف الصحاب وخير المهاجرين ضيوفًا على أشرف وأحب وأصدق الأنصار.. عندما شهدت هذه البقعة من العالم ما لم يشهده غيرها من البقاع من أعظم وأصدق مثل لأقوى وأنبل تجربة حية من التآخي والود والحب الصادق، عندما قال الأنصاري لأخيه المهاجر: هذه داري، وهذه أموالي لك نصفها، وهاتان زوجتاي اختر أجملهما لأطلقها لك فتتزوجها.. فيأتي أبلغ رد مناسبًا لأسخى عرض عرفه العالم قائلًا: بارك الله لك في بيتك ومالك وزوجك فلا حاجة لي في هذا، بل (دلني على السوق) فقط دلني على السوق ليس أجيرًا ولا عبدًا مملوكًا، بل حرًا تاجرًا له كل الحقوق وعليه كل الواجبات.. فلا غرو إذن أن نرى ما تراه الآن فهؤلاء الأشبال من تلكم الأسود، وما أشبه (الساعة) بالبارحة.

انتشيت وأنا أرى هذه الصورة أمامي، وتمنيت ساعتها أن ترى الدنيا كلها هذا المشهد الرائع، ورجوت -من كل قلبي- أن يصبح العالم كله مغرب رمضان، وتصبح الدنيا كلها مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، عندها سترتجف قلوب أعداء الإسلام وينكمشون إلى حجمهم الطبيعي، ويسود العالم رحمة الإسلام وحب وعطف المسلمين، بدلًا من حروب ومؤامرات أعداء الإسلام الطاغين المسيطرين والمتسلطين.

 سبحت في دنيا الخيال، وبنيت أعظم الآمال، لكن إبليس اللعين -الذي يستكثر علينا السعادة، حتى لو كانت مجرد أمنيات أو أحلام- وسوس إلى ليجذبني إلى خارج حدود الزمان ونطاق المكان لأرى الواقع المرير في غابة الأمة الإسلامية، فهؤلاء مفتحة لهم الأبواب، وأولئك توصد في وجوههم كل الأبواب.. فهذا عربي، وهذا أجنبي، وهذا يستغل هذا، وهذا يحقد على هذا، وهذا يتعالى على هذا، وهذا يستحل دم هذا، وهذا يأكل حقوق هذا، وهذا يتخاذل عن نصرة هذا!

فاجأني صوت المؤذن مقيمًا لصلاة المغرب فأفقت من الأحلام، واستعذت بالله من وساوس الشيطان، وعدت محدقًا في قدسية المكان، وروحانية الزمان، حتى لا تضيع مني هذه اللحظات متمنيًا من الله تعالى أن يتوقف الزمان فعلًا عند هذه اللحظات ليصبح العمر كله مغرب رمضان، ويتمدد المكان فعلًا ليضم كل المسلمين، وتصبح كل المدن مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.. عندها فقط سنستحق أن تنتسب إلى هؤلاء المهاجرين وأولئك الأنصار.

إذا ذهب يومك ذهب بعضك

إذا كان غير المسلمين يعتبرون أن الوقت كالذهب لنظرتهم المادية النفعية الدنيوية إلى الوقت، فلا داع لبعض المسلمين أن يقول قولهم، فإن الوقت عندنا لا نحسبه بالذهب، فهو أغلى من الذهب، وقد قال الشاعر:

دقات قلب المرء قائلة له             إن الحياة دقائق وثوان

وقد كانت رابعة العدوية المرأة المسلمة التقية الورعة مدركة لقيمة الوقت وأهميته للإنسان في هذه الحياة، فقالت ناصحة للإمام سفيان الثوري، وهو من هو في الورع والتورع إنما أنت أيام معدودة، فإذا ذهب يوم، ذهب بعضك ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكل، وأنت تعلم فاعمل.

والمؤمن ليس مضياعًا لوقته، بل هو حريص عليه في اكتساب مهارة، أو كد شريف، أو تعلم علم مفيد، أو تعليم الآخرين، أو محاسبة النفس ومراقبتها، أو الاجتهاد في العبادة خاصة عند الصحة والفراغ والشباب، أو المسارعة في الخيرات حتى يملأ صحائفه من الحسنات.

يحكي وهب بن منبه من حكم نبي الله داود عليه السلام قوله: وجدت في حكمة داود ينبغي للعاقل ألا يشغل نفسه عن أربع ساعات:

 ساعة يناجي فيها ربه.

 وساعة يحاسب فيها نفسه.

 وساعة يخلو فيها وإخوانه والذين ينصحون له دينه، ويصدقونه عن عيونه.

وساعة يخلي بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويحمد، فإن هذه الساعة عون لهذه الساعات، وفضل بلغة، واستجمام للقلوب.

وللإمام ابن القيم -رحمه الله- فائدة في أهمية الوقت وعدم تضييعه فقال تشبيها السنة شجرة، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، والأنفاس ثمرها، فمن كانت أنفاسه في طاعة الله فثمرة شجرته طيبة فذهاب يوم بغير عمل صالح سيكون حسرة وندامة، والفطن من يصوم نهاره، ويقوم ليله، ويتلو من القرآن الكريم، ويدعو لنفسه وللمسلمين.

أما الغافل فهو يضيع وقته، ويذهب شبابه وصحته، وفراغه في اللهو واللعب، والجلوس بالساعات الطوال بين القنوات حيث المسلسلات والأفلام.... إلخ، وكذا الجلوس في الطرقات بالأيام والأسابيع دون الاستفادة من نعم الله عليه فيما أحل وأمر، فينتبه فجأة وقد بلغ من العمر عتيًا، أو يفاجأ بملك الموت قد جاء لقبض روحه، فيتحسر على ما أضاع من أوقات في الحياة بغير طائل، ولا ينفع حينئذ الندم.

حاتم حسن مبروك السودان

الرابط المختصر :