العنوان خواطر من وحي القرآن
الكاتب الدكتور أسامة نصوح السباعي
تاريخ النشر الثلاثاء 19-أبريل-1977
مشاهدات 96
نشر في العدد 346
نشر في الصفحة 19
الثلاثاء 19-أبريل-1977
يقول الله تعالى في سورة الأعراف:
﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (الآية ٣١ – ٣٣).
أخي القارئ الكريم: إذا أمعنا النظر في الآيات الكريمة السابقة نجد أن فيها ردين:
الأول: على أعداء الإسلام والحاقدين عليه، والذين يحاولون كلما طرحت مسألة تطبيق الإسلام من جديد في واقع الناس، أن يصفوه بأنه دين رجعي، غير صالح للتطبيق؛ وذلك لأن تطبيقه يعني العودة بالإنسانية إلى الوراء، إلى عهد التقشف والخشونة، والخيام والجمال، والتخلي عن كل ما قدمته الحضارة الحديثة من وسائل التقدم والراحة والسرعة.
فيأتي رد الله عليهم مفحمًا وبصورة استنكارية: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق؟! وهل منتجات الحضارة الحديثة بدءًا من السيارة والطيارة ووسائل الاتصالات، وانتهاءً بأدوات البيت من مكيف ومروحة وبراد وغسالة إلا من زينة الله تعالى، ومن الطيبات التي سخرها لعباده؟.
ويذهب القرآن إلى أبعد من ذلك؛ ليؤكد أن الله تعالى لم ينه عن تلك الأشياء، بل نهى عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، نهى عن البغي بغير الحق، نهى عن القول على الله ما لا أساس له، وعن الإشراك بالله ما ليس له من دليل ولن يكون.
عد معي أخي الكريم وانظر، أليست هذه الآيات تدعو إلى الإيمان بالله وعدم الإشراك به؟، أليست تدعو إلى عدم القول على الله مالا نعلم، وذلك بتفسير كتابه وسنة رسوله وشريعته على أساس المنفعة الذاتية؟ أليست تدعو إلى عدم البغي بغير الحق وتحرمه سواء كان هذا البغي فرديًا أو جماعيًا؟ أليست تدعو إلى عدم الإقدام على الفواحش ما ظهر منها وما بطن وتحرمها؟ أليست تدعو إلى الانتفاع بما أخرج الله، وسخر لعباده من طعام وشراب ومتاع وزينة من غير إسراف ولا بطر، بشرط أن تكون هذه غير محرمة شرعيًا، والمحرم منها قليل ومعروف لأبسط أبناء هذا الدين.
عد معي أخي المؤمن وانظر: هل خاطبت هذه الآيات فردًا معينًا، أو جیلًا معينًا، وهل حددت زمنًا معينًا؟ ستجيب أنت باليقين، وسيجيب أعداء الإسلام رغمًا عن أنوفهم بلا، ومعنى هذه الإجابة الإقرار ببلاغة القرآن وصدقه، وعدم نزوله لفترة معينة من تاريخ البشرية لتلبية حاجتها، وإنما وضع إطارا واضحا رائعا؛ ليحدد الأسس السليمة لإنشاء المجتمع السليم في أي زمان وأي مكان، وترك للتطورات التي تحدث خلال حياة البشرية المجال؛ لكي تشكل الصورة التي تملأ ذلك الإطار، فإذا كان الأمر كذلك فلماذا يقف بعض الناس موقف العداء تجاه تطبيق الإسلام في هذا العصر، رغم أن الدواء لأمراضه والتي هي البعد عن الله، والافتراء عليه، والفحش والظلم والعدوان وما ينتج عنها متوفر في ذلك الدين؟!
إن الذي يقف في طريق تطبيق الإسلام واحد من اثنين إما أن يكون جاهلا لطبيعة وخصائص هذا الدين، وإما أن يكون عدوا حقيقيا يرى في تطبيق الإسلام تهديدا حقيقيا لاستغلاله للوضع المنحرف، الذي تعيش فيه البشرية اليوم سواء كان هذا الاستغلال سياسيا أم اقتصاديا أم اجتماعيا، وفي كلا الحالتين نجد أنه توجد حاجة ماسة لوجود مجموعة من الناس تؤمن بالله ربا وبالإسلام دينا تنبري للمستغلين وتحاربهم، وترشد الجاهلين وتقربهم إلى الإسلام ولا عذر المسلم عند الله إذا لم يعمل على أن يكون من هؤلاء.
الثاني: رد على بعض ممن يؤمنون بالإسلام، ويحاولون أن يصوروه دروشة وزهدا كاملا في الحياة، مع أن الله تعالى يقول: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾. (القصص:77) وهؤلاء خطر على الإسلام من حيث إنهم بهذه الطريقة قد أساؤوا فهم الإسلام، وأعطوا الفرصة لأعداء الإسلام للتدليل من خلالهم على أن الإسلام لا يمكن أن يطبق، ولا أن تقام على أساسه حضارة؛ لأن أبناءه هؤلاء يرفضون ما قدمته المدنية الحديثة، ويريدون اللجوء إلى الجبال؛ لإقامة دولتهم في شعابها بعيدا عن الناس وعن معطيات الحضارة، وهؤلاء بحاجة إلى الجهد المتواضع والأسلوب السليم؛ لإفهامهم حقيقة هذا الدين، وطريقة عمله في هذه الحياة؛ لأنهم إذا فهموا ذلك فإن من ورائهم الخير للمجتمع والأمة.
إن القرآن الكريم من خلال أسطر معدودة قدم للبشرية الحلول لمشكلاتها، وما علينا نحن أتباع هذا الدين إلا أن نقدم هذه الحلول بصورة واقعية من خلال حياتنا؛ لأن ذلك هو الطريق السليم لإقناعها بصلاحية التطبيق.
الدكتور أسامة نصوح السباعي
كراتشي – باكستان
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل