; خواطر وأفكار خلف القضبان ومحطات في ملف رهائن الأقصى.. رمضان خلف القضبان (٤ من ٤) ماء البركة..! | مجلة المجتمع

العنوان خواطر وأفكار خلف القضبان ومحطات في ملف رهائن الأقصى.. رمضان خلف القضبان (٤ من ٤) ماء البركة..!

الكاتب الشيخ رائد صلاح

تاريخ النشر السبت 17-ديسمبر-2005

مشاهدات 66

نشر في العدد 1681

نشر في الصفحة 44

السبت 17-ديسمبر-2005

خواطر وأفكار خلف القضبان ومحطات في ملف رهائن الأقصى

في عيد الفطر.. اتصل أهلنا في أم الفحم بأسرتي وأرسلوا لهم باقات الورود

في ليلة القدر نسينا أننا مسجونون بل بات يخيل لنا من فيض أنوار تلك الليلة وكأننا نحييها في الكعبة المشرفة

بعض المؤسسات الفلسطينية المعنية بأوضاع كل السجناء الأمنيين أرسلت إلى كل السجناء الحلوى في العيد

مؤسسات نسائية إسلامية زارت بيتنا وبيوت رهائن الأقصى ووزعت الهدايا على جميع الأبناء

هكذا عشنا رمضان خلف القضبان بين فرحة الصيام والصبر على الأسقام، وبين الإيمان والأحزان، وبين البركات والآهات وكنا طوال الوقت على شوق لليلة القدر وكم كانت فرحتنا في يوم الخميس ۲۰ نوفـمـبـر ۲۰۰۳ م ٢٠ الموافق السادس والعشرين من رمضان الأول، لأن هذا اليوم كان يعني لنا أنه بعد غروب شمسه مباشرة سنعيش فرحة الصائم متحلقين حول إفطارنا الرمضاني على ما قسم الله تعالى ثم سنعيش بعد ذلك الساعات الطويلة في ليلة القدر مباشرة بعد الإفطار، حيث إن تلك الليلة هي ليلة السابع والعشرين من رمضان وهي ليلة القدر على المشهور عند الفقهاء. 

كم أعجبني خلال ذلك اليوم أن أرى أحد السجناء المسلمين كنت رأيته خلال نهار رمضان يأكل أكثر من مرة، ولكنه تحديدًا في ذلك اليوم كان فرحًا، بل كاد أن يطير من الفرح استعدادًا لاستقبال ليلة القدر!! حقًا إن لهذه الليلة هيبة في النفوس الطائعة والعاصية بل لها هيبة فطرية لا تكلف فيها في كل النفوس!! لذلك أعجبني جدًا بعد أن انتهت ليلة القدر تلك أن جاءني أحد السجانين من بني معروف نهارًا وأخبرني أنه خلال ليلة القدر أضاء شمعة ثم قضى تلك الليلة ساهرًا يدعو الله تعالى!! أما نحن فبحمد الله تعالى فقد أحيينا كل الليلة حتى مطلع الفجر، حيث صلينا خلالها ما شاء الله تعالى لنا من الركعات التي قرأنا فيها أربعة أجزاء من القرآن وبذلك ختمنا القرآن الكريم في صلاة التراويح في هذه الليلة وهذا من فضل الله تعالى علينا وأسأل الله تعالى القبول. 

ليلة القدر 

تكرر هذا المشهد النوراني في يوم الثلاثاء الموافق ٩ نوفمبر ٢٠٠٤م وهو اليوم السادس والعشرون من رمضان الثاني!! فبعد غروب شمس هذا اليوم وبعد تناول إفطارنا قمنا وشددنا منزرنا قائمين راكعين ساجدين نحيي تلك الليلة حتى مطلع الفجر، لدرجة أننا نسينا أننا مسجونون، بل بات يخيل لنا من فيض أنوار تلك الليلة التي غمرتنا بالفرح والسرور وكأننا نحيي تلك الليلة في الكعبة المشرفة أو في المسجد النبوي الشريف أو في المسجد الأقصى المبارك لدرجة أنني وجدت من المناسب أن أدون في ذكرياتي تفصيلات منام قد رأيته بعد أن نمت مباشرة بعد أداء صلاة الفجر في تلك الليلة !! ومن المعروف أن السجناء يشدهم في حياتهم عالم المنامات ويهتمون به أيما اهتمام، ويكثرون الحديث عنه ويجدون فيه السلوان ولكني شخصيًا اجتهدت أن أدون طوال سجني بعض المنامات التي كنت أراها في نومي وليس كلها، لأن كل المنامات التي دونتها وجدت فيها طعمًا خاصًا ومذاقًا مميزًا يختلف عن أي منام آخر!!

وما رأيته بعد أداء صلاة الفجر في تلك الليلة كان من ضمن هذه المنامات المميزة حيث رأيت أني في غرفة مع عدد قليل من الناس فنظرت إلى أرضية الغرفة وجدرانها وإذا بها تدفع بشكل بطيء، بعض قطرات من الماء فقيل لي هذا ماء البركة وفجأة خرج الجميع من الغرفة وأقفلوا الباب علي وحدي، فخفت بعض الشيء وصحت فيهم كي يفتحوا لي الباب لكن لم يسمعوا ندائي ولم يستجيبوا له، فبقيت في الغرفة وحدي، وانقلب خوفي إلى اطمئنان ثم نظرت وإذا بقطرات ماء البركة بدأت تتدفع من أرض الغرفة!! ثم أخذ سقف الغرفة يقطر بعض القطرات من ماء البركة ثم تحولت القطرات إلى سيل أخذ يصبه سقف الغرفة فما كان مني إلا أن وقفت تحت هذا السيل من ماء البركة طلبًا للبركة والطهارة!! هكذا كان ذلك المنام وقد أولته أنه كان تأكيدًا وبشرى أن تلك الليلة كانت ليلة القدر!! ولقد فاضت علينا البركة في تلك الليلة بفضل الله تعالى ففي تلك الليلة لم ينقطع صوت القرآن والدعاء من غرف المعتقل فكنا نسمع طوال الليل مستبشرين صوت أذان أو قراءة قرآن أو دعاء أو صلاة تنبعث من بعض الغرف، وظل هذا الصوت يتردد حتى طلوع الفجر!! ومن يدري فلعل كل ذلك كان هو ماء البركة الذي كان يصبه سقف الغرفة سيلًا في ذاك المنام!! وأسأل الله تعالى القبول لي ولكل من أحيا تلك الليلة إيمانًا واحتسابًا.

عيد الفطر 

ثم انتهى رمضان الأول وجاءنا العيد يوم الثلاثاء الموافق ٢٥ نوفمبر ٢٠٠٣م وبذلك كان أول يوم من أيام عيد الفطر!! وهو أول عيد فطر أعيشه خلف القضبان!! ولا شك أن للنفس حظها في مثل هذه المواقف إذ إنها تحاول أن ترسل إلى صاحبها بعض نسائم الحزن وتحاول أن تصور له مرارة الفراق الذي يبعده عن البيت والأسرة والأهل والأولاد!! ولكن هذه الوساوس لم تقم لها قائمة في صدورنا بفضل الله تعالى، وإن هبت علينا فسرعان ما مرت على جناح السرعة، حيث إننا نهضنا بعد طلوع شمس ذاك اليوم واغتسلنا غسل العيد وتطيبنا بما تيسر من العطور ثم انتقلنا من غرفة اعتقالنا إلى غرفة واسعة كانت تستخدم لتجميع الثلاجات والغسالات في سجن الجلمة!! وكنا نطمع أن توافق إدارة السجن البقية السجناء أن ينضموا إلينا كي نصلي صلاة العيد سويًا إلا أنها رفضت وبذلك صلينا العيد لوحدنا!! حيث افترشنا تلك الغرفة بما تيسر لنا من الستائر ثم جلسنا على الأرض ورفعنا أصواتنا: مرددين الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. لا إله إلا الله.. الله أكبر... الله أكبر.. ولله الحمد، نعم أخذنا نردد هذه التكبيرات مستقبلين العيد وحدنا في داخل السجن!! أخذنا نردد هذه التكبيرات وقد احتشد بقية السجناء خلف أبواب غرفهم يرمقوننا من بعيد، ويتمنون أن لو استطاعوا الانضمام إلينا في صلاة العيد!! ولكن هيهات هيهات فقد رفضت إدارة السجن، بإصرار، بل إن مديرة السجن كانت تقف مع أحد ضباط السجن وهو المدعو (ف) قرب تلك الغرفة التي أدينا فيها الصلاة!! ولكننا لم نكترث بل تابعنا نجهر بصوت عال بتكبيرات العيد وأكثرنا من ترديد تلك التكبيرات ثم أدينا صلاة العيد على ما يرام.

البقلاوة والهريسة! 

مضى اليوم الأول من أيام عيد الفطر بخير والحمد لله رب العالمين ولكن مع غروب شمس هذا اليوم أصبت بأوجاع شديدة جدًا، فتم نقلي فورًا إلى عيادة السجن وهناك قرروا نقلي إلى المستشفى وطلبوا مني أن أعد نفسي لذلك. فانتظرت ساعتين ثم جاءت إدارة السجن وإذا بهم يقولون لي: إن قرار نقلي إلى المستشفى قد ألغي!! ثم نقلوني إلى عيادة السجن مرة أخرى. وهناك قام الطبيب بإعطائي وجبات أدوية مقوية عن طريق الشريان على مدار ساعتين!! ثم عدت بعد ذلك إلى غرفتي في المعتقل!! وفي اليوم التالي وهو اليوم الثاني من عيد الفطر توجهت إلى عيادة السجن وهناك أخذوا عينة من دمي لفحصها، ثم عدت إلى غرفة اعتقالي وخلال طريقي إليها وإذا بالضابط الذي رافقني يقول لي: لقد قاموا بفحصك من باب إسقاط الواجب ولذلك عليك أن تضغط أكثر حتى يوافقوا على نقلك إلى المستشفى!! ولكن كل هذه الآلام لم تعكر علينا أجواء العيد المباركة!! وفي أيام العيد وخلال سيرنا في الممر المؤدي إلى غرفة اعتقالنا إذا بأحد المعتقلين يناولنا الحلوى مبتسمًا وهو يقول: كل عام وأنتم بخير!! وخلال سيرنا في أحد الممرات التقيت مع سجين من كفر ياسيف فتقدم مني وعانقني وهو يقول بحرارة كل عام وأنتم بخير!! ثم قال لي: لقد كنت في كفر ياسيف في اليوم الأول من العيد وأن الشيخ حسام «إمام المسجد» وكل أهل كفر ياسيف يحيونكم ويدعون لكم بالخير وخلال هذه الأجواء الطيبة اجتهدنا نحن بدورنا أن نوزع البقلاوة والهريسة التي اشتريناها من مقصف السجن على كل من كنا نمر عليه من السجناء!!

حلويات إيفل 

ثم كان عيد الفطر الثاني الذي عشناه في السجن!! وفي هذا العيد ولأول مرة وصلنا بواسطة الصليب الأحمر خمسة أسفاط من الحلويات الشرقية حيث كتب على كل سفط منها «حلويات إيفل». وقد كان كل سفط منها يحوي البقلاوة والهريسة والبورمة والمعمول. وقد علمنا فيما بعد أن مثل هذه الأسفاط قد تم توزيعها على بقية السجناء الأمنيين في بقية السجون!! ومن الواضح جدًا أن هذه الأسفاط قد أرسلتها بعض المؤسسات الفلسطينية المعنية بأوضاع كل السجناء الأمنيين فسلام لهم وتحيتنا لهم وشكرنا لهم رغم أننا لا نعرفهم إطلاقًا.

تقبل الله طاعاتكم 

إن مسك الختام في هذين العيدين كان زيارة الأهل لنا، ففي عيد الفطر الأول زارنا الأهل في اليوم الثاني من أيام العيد حيث التقينا بهم تحول بيننا الحواجز الزجاجية إلا أن هذه الزيارة قد جددت عزائمنا ورفعت معنوياتنا. وفي هذه الزيارة علمت من أهلي أن ابني عمر الذي كان في الصف الثالث ذاك العام قد صام رمضان وعلمت منهم أنه قد قام بصحبة أعمامه للمعايدة على أخواتي وعماتي وخالاتي نيابة عني وعلمت منهم أن بناتي قد أحيين ليلة القدر حتى مطلع الفجر في المسجد، وعلمت منهم أن الكثير من أهلنا من أم الفحم وغيرها قد أرسلوا لهم الهدايا وباقات الورود واتصلوا بهم وحيوهم عبر الهاتف وبعضهم قد زارنا في البيت وكان في مقدمتهم الشيخ هاشم عبد الرحمن رئيس بلدية أم الفحم وكل أعضاء الكتلة الإسلامية، وعلمت منهم أن بعض المؤسسات النسائية الإسلامية قد زارت الأهل في بيتنا وزارت كل بيوت رهائن الأقصى ووزعت الهدايا على جميع الأبناء وعلمت منهم أن الآلاف قد أوصوهم بنقل تحياتهم القلبية لنا، ثم انتهت الزيارة التي كانت مفعمة بتلك الأجواء المباركة وخلال عودتنا إلى غرفة اعتقالنا إذا بأحد السجانين يقول لي: لقد مررت على ابنك الصغير عمر ولما سألته من أنت؟ وما اسمك؟ إذا به يقول لي: نحن لا نخاف إلا الله تعالى!! وهكذا عدت إلى غرفتي وأنا أردد: اللهم أنت الخليفة في الأهل، إلهي احفظني واحفظ أهلي يا رب العالمين!! ثم كانت زيارة الأهل في عيد الفطر الثاني وكان من ضمن أهلي في هذه الزيارة أمي التي كانت قبيل العيد في رحلة العمرة، فجاءتنا بهدايا طيبة شملت المسابح والعطور إلا أن إدارة السجن أعادت كل هذه الهدايا إلا قنينة عطر صغيرة سمحت بإدخالها لكل واحد منا!! وخلال الزيارة أخبرتني أمي أنها التقت خلال وجودها في المسجد النبوي الشريف بمعتمرة من الأردن أصلها من إحدى القرى الفلسطينية المنكوبة. ولما تعرفت إلى أمي طلبت منها أن تقرتنا السلام وأن تخبرنا أن زوجها بشكل خاص يتابع كل أخبار ملف رهائن الأقصى عبر وسائل الإعلام بالتفصيل!! وبطبيعة الحال فقد نقل لنا الأهل خلال هذه الزيارة تحيات المئات من الإخوة الأحباب، وانتهت الزيارة ونحن نردد: تقبل الله منا ومنكم الطاعات وكل عام وأنتم بخير.

(*) رئيس الحركة الإ‘سلامية في الداخل الفلسطيني

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 38

111

الثلاثاء 08-ديسمبر-1970

لقاء فريق الشارقة بأنديتنا

نشر في العدد 222

147

الثلاثاء 15-أكتوبر-1974

وقفة تفكر وتأمل في عيد الفطر

نشر في العدد 320

132

الثلاثاء 12-أكتوبر-1976

خطبة عيد الفطر