العنوان خواطر وافكار خلف القضبان ومحطات في ملف رهائن الأقصى (6)
الكاتب الشيخ رائد صلاح
تاريخ النشر السبت 15-أكتوبر-2005
مشاهدات 69
نشر في العدد 1673
نشر في الصفحة 38
السبت 15-أكتوبر-2005
لماذا احتفظ نبي الله زكريا والبتول مريم بحق الصمت أمام محققي بني إسرائيل؟!
سلوك بني إسرائيل يميل إلى تضخيم الأحداث وتهويل قدراتهم المخابراتية والادعاء دائمًا أنهم..
تبين لي أن آذانهم لا تميل إلى سماع الصدق!! وقلت إنني سأعلن إضرابًا عن الطعام وعن الكلام!!
لقد حرصت على قول الصدق خلال التحقيقات التي أجريت معي ومنذ بدايتها لم أتحدث غير الصدق والله أعلم بذلك، هذا الصدق لم يزد المحققين إلا رفضًا لكلامي وإصرارًا على اتهامي!! إن الانطباع الذي أخذته من هذه المؤسسة التي كانت تحقق معي هو أنه مقام لا يقبل فيه إلا الكذب، ولأنه لا يأخذ إلا الكذب سلوكًا له فقد قمت بالتزام الصمت!
لقد استوقفني قول الله تعالى: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9)﴾ (مريم 7 - 9) وسألت نفسي لسنين طويلة لماذا أمر الله تعالى نبيه زكريا عليه السلام أن يحتفظ بحق الصمت إذا ما سأله بنو إسرائيل من أين لك هذا الغلام وأنت رجل شيخ وامراتك عاقر؟!
ومن الواضح ضمنًا أن بني إسرائيل سوف يسألونه هذا السؤال عندما يعلمون أنه قد ولد في بيت زكريا غلام، ومن الواضح ضمنًا أنهم سوف يمطرونه بالأسئلة بأسلوب تحقيق بوليسي استفزازي، ومن الواضح أنهم سوف ينطلقون بأسئلتهم من منطلق التشكيك بشرعية هذا الغلام والتشكيك بصدق نسبه إلى النبي زكريا عليه السلام، ومن الواضح أن هذه الأسئلة المبطنة سوف تقع على النبي زكريا عليه السلام كوقع السهام، ومع ذلك فقد أمره الله تعالى أن يحتفظ بحق الصمت في هذا الموقف، وهو ما يسمونه بلغة القانون احتفاظ المتهم بحق الصمت، ويبقى السؤال لماذا احتفظ النبي زكريا عليه السلام بأمر من الله -تعالى- بحق الصمت أمام محققي بني إسرائيل في ذلك الموقف؟!
واستوقفني قول الله تعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ (مريم: 26)، وسألت نفسي لسنين طويلة: لماذا أمر الله تعالى البتول مريم عليها السلام أن تحتفظ بحق الصمت إذا ما تعرضت لتحقيق ظالم من بني إسرائيل عندما سيرون وليدها عيسى عليه السلام وهو في حضنها؟
وواضح سلفًا أن بني إسرائيل إذا أبصروا هذا الوليد فلن يظنوا فيها إلا سوءًا وسيطعنون في شرفها وسيرجمونها بالزني، ومع ذلك فقد أمر الله تعالى مريم عليها السلام أن تواجه كل هذا التحقيق الظالم وكل هذه الأسئلة المتهمة بالاحتفاظ بحق الصمت!! ومع أنه ليس عند المرأة أغلى من شرفها وليس أصعب على المرأة من أن تتهم في شرفها، ومع ذلك فقد أمر الله تعالى مريم عليها السلام أن تحتفظ بحق الصمت! ولما رأى بنو إسرائيل وليدها عيسى عليه السلام لاكوها بألسنتهم، وقالوا لها كما قال الله تعالي على لسانهم: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ (مريم: 27)، ومع ذلك فقد واجهت ذلك بالاحتفاظ بحق الصمت!! لا بل قالوا غامزين فيها ومجرحين كما قال الله تعالى على لسانهم: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ (مريم:28) ومع ذلك فقد واجهت ذلك بالاحتفاظ بحق الصمت!! ويبقى السؤال.. لماذا احتفظت البتول مريم عليها السلام بحق الصمت الذي يسمى بلغة القانون «احتفاظ المتهم بحق الصمت» لماذا احتفظت بهذا الحق أمام محققي بني إسرائيل؟!
نبي الله زكريا
طالما استوقفني مشهد نبي الله زكريا عليه السلام واحتفاظه بحق الصمت في التحقيق.. وطالما استوقفني مشهد البتول مريم عليها السلام واحتفاظها بحق الصمت في التحقيق!! ومضت عليَّ سنوات، وأنا أسأل نفسي: لماذا احتفظا بحق الصمت أمام محققي بني إسرائيل؟ وشاء الله تعالى وتم اعتقالي ليلًا بتاريخ 13/5/2005م ثم تم إخضاعي لتحقيق مطول كل يوم بعد ذلك، وحقيقة حاولت أن استثمر هذا التحقيق لأوضح للمحققين ما الحركة الإسلامية، وما مؤسساتها؟ وما أعمالها؟ واجتهدت أن أقول الحق بلا أدنى تردد ولا تلعثم!
وأذكر أن أحد المحققين سألني خلال التحقيق: هل يجوز لكم من ناحية الفتوى الإسلامية الكذب في التحقيق؟ فقلت لهم: نعم، ولكن أنا شخصيًّا حريص في هذا التحقيق أن أقول الحق، وأن أصدق بكل حرف سأنطق به لتوضيح موقف الحركة الإسلامية!!
وفعلًا تجنبت هذه الاستراتيجية، وأخذت أجيبهم على مئات الأسئلة يوميًّا ظنًّا مني أن كلامي سيجد الآذان المصغية!
ولكن للأسف وبعد مُضي قرابة أسبوعين خضعت خلالهما لتحقيق مطول كل يوم تبين لي أنهم قد حملوا كل حديثي على محمل التكذيب وازدادت شراهتهم لطرح الأسئلة الأخرى، ثم تبين لي أن آذانهم كأنها لا تميل إلى سماع الصدق!! لذلك بدأت تزداد قناعتي بعد ذلك أن الأولى هو الاحتفاظ بحق الصمت خلال التحقيق، وقد أعلنت ذلك بقاعة المحكمة بتاريخ 25/5/2003م حيث ذكرت لكل الحضور أنني منذ اليوم فصاعدًا سأعلن إضرابًا عن الطعام وعن الكلام!!
وهذا ما كان مني بعد ذلك حيث احتفظت بحق الصمت أمام محققي بني إسرائيل الحاليين، كما احتفظ نبي الله زكريا بحق الصمت أمامهم، وكما احتفظت البتول مريم عليها السلام بحق الصمت أمامهم!! واكتشفت لنفسي فائدة قرآنية وهي: أن أفضل موقف أمام محققي بني إسرائيل هو الاحتفاظ بحق الصمت!!
حكمة ربانية
ثم وقفت على جانب من الحكمة الربانية العظيمة التي أمرت النبي زكريا والبتول مريم الاحتفاظ بحق الصمت.. نعم.. وقفت على جانب من هذه الحكمة التي تدرك من خلالها أنه ما كانت هناك أية فائدة ترجى لو تكلم النبي زكريا أو البتول مريم أمامهم وبطبيعة الحال لو تكلما فلن يتكلما إلا صدقًا، ومع ذلك فلا فائدة ترجى إطلاقًا، فسيبقى النبي زكريا والبتول مريم متهمين في نظرهم، وستأبى عنجهية محققي بني إسرائيل أن يتقبلوا كلامهما بالتصديق والارتياح!! ولذلك صمت نبي الله زكريا وصمتت البتول مريم.
وأذكر أنني قلت لأحد المحققين: الآن أدركت لماذا احتفظ نبي الله زكريا والبتول مريم بحق الصمت أمام أجدادك من المحققين الأوائل فقال لي: لم؟ فقلت: قد أعطيك الجواب ولكن بعد ذلك وهكذا تمثلت بموقف النبي وموقف البتول وأعلنت التزامي بحق الصمت خلال التحقيق!!
ثم إن كل هذا الفهم -الذي أسأل الله تعالى ألا أكون قد جانبت فيه الصواب- كل هذا الفهم سلط الضوء على بعض معنى قول الله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ (المائدة:٤١) فهي آذان تميل إلى سماع الكذب، وتستلطف الاستماع إليه ويتعكر مزاجها لدى سماعها لقول الصدق، إذن فإن الأولى في ضوء هذه الآية كذلك الاحتفاظ بحق الصمت؛ لأنني كما قلت حرصت على قول الصدق منذ بداية التحقيق، ولكن لاحظت أن صدقي ما زادهم إلا رفضًا لقولي وإصرارًا على اتهامي!! وكان لسان الحال يقول: هذا مقام لا يقبل فيه إلا الكذب!! ولماذا الكذب؟!! إذن فإن لم يكن مكانًا للصدق فالأولى الالتزام بحق الصمت.
ثم إني وقفت عند قول الله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:75) فقلت في نفسي ساخرًا منها: من أنا حتى يتقبلوا كلامي إذ لم يتقبلوا كلام الله تعالى؟ ومن أنا حتى يستمعوا إلى إفادتي خلال التحقيق -على قاعدة الحرص على قول الصدق من طرفي- وها هم يحرفون كلام الله تعالى؟؟
يا سبحان الله!!! إذا امتدت جرأتهم على كلام الله ولم يراعوا حرمة لكلام الله تعالى فمن أنا حتى لا يتجرؤوا على كلامي بالتحريف، ومن أنا حتى يحفظوا حرمة كلامي! إذن إذا وجدت في ظرف لا مكان فيه للصدق فالأولى الاحتفاظ بحق الصمت، وهذا ما كان مني كما قلت بعد مرور أسبوعين على سير التحقيق وقد لاحظت عجبًا!! لاحظت أن المحقق الذي قد سمع أجوبتي جيدًا أو سمع أجوبة بقية الإخوة المعتقلين، عندما يسأل هذا المحقق أمام قاضي المحكمة من قبل محامينا الأستاذ فهيم داود، لم يكن يتردد هذا المحقق أن يدخل التحريف البواح على أقوالنا، إما بالإضافة المفتعلة، أو الشطب المفتعل لدرجة أنني في إحدى الجلسات بقاعة المحكمة عقبت على أقواله بصوت عالٍ، وقلت: هذا غير صحيح! إذن فالمحصلة التي خرجت بها واضحة تأكدت لي يومًا بعد يوم!!
أنه لا مكان للصدق أمام محققي بني إسرائيل!!
إذن لا بد من الاحتفاظ بحق الصمت!
ثم توقفت عند قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ۖ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ (البقرة: 87) وقلت لنفسي ساخرًا منها: من أنت بجانب رسل الله تعالى الكرام؟! ها هم محققو بني إسرائيل يسمعون إلى أقوال الرسل وفق هواهم، وبما أن أقوال الرسل لم تتفق ولن تتفق مع هواهم فقد كذبوا الرسل، بل وتآمروا على فريق منهم وقتلوهم !! إذن من الواضح جدًّا أنني مهما حرصت على الصدق خلال التحقيق فإن ذلك لن يوافق هواهم!! لأن هواهم يميل بهم إلى تضخيم الأحداث وتهويل قدراتهم المخابراتية والادعاء دائمًا أنهم أصحاب قدرات خارقة تسمع وترصد كل ما يتحرك في هذا الكون، لذلك ليس من هواهم أن يظهر صدقنا على الملأ من خلال الإعلام؛ لأن هذا يعني أنهم قد ضلوا وأضلوا بما قالوا حولنا، ولأن هذا يعني أنهم سيخسرون المكافآت التي يطمعون بها بعد أن يختموا التحقيق وفق هواهم، وهذا يعني أنهم سيخسرون الترقيات والمديح الحكومي والسبق الإعلامي! إذن ما دام الأمر كذلك فلا مكان للصدق أمام محققي بني إسرائيل! وإذا لم يكن مكان للصدق فالأولى الاحتفاظ بحق الصمت!!
دلالات ثمينة
ثم وقفت عند قول الله تعالي: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: 89) فقلت في نفسي: كم تحمل هذه الآية من دلالات ثمينة لأولي النهى! فهي تدلنا على أن بني إسرائيل قد كذبوا بكتاب من عند الله تعالى جاء هذا الكتاب مصدقًا لما معهم من التوراة!!
وهي تدلنا على أن بني إسرائيل كانوا يعرفون أن هذا الكتاب هو من عند الله تعالى وهو حق لا ريب فيه، ومع كل ذلك فقد كذبوا هذا الكتاب الرباني وهو القرآن الكريم، وكذبوا الرسول محمدًا صلى الله عليه وسلم، ولأن دافعهم من وراء ذلك لم يكن الوقوف على الحق بل تقديم المصلحة الباطلة التي تصادم الحق!! نعم كان هذا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أنا حتى يكون معي أمر آخر؟! ولذلك فإن الموقف الذي عشته مع المحققين لم يحتمل قول الصدق، بل احتمل موقفًا واحدًا فقط، وهو الاحتفاظ بحق الصمت.
ولا أبالغ إذا قلت: إن هناك عشرات الآيات الأخرى التي تدعم موقفي، وتدعم ما خلصت به نفسي بعد أسبوعين من التحقيق وهو الاحتفاظ بحق الصمت أمام محققي بني إسرائيل.