; الشيخ محفوظ نحناح رئيس حركة مجتمع السلم الجزائرية في حوار شامل عقب الانتخابات: خيارنا الأمثل هو مناجزة النظام السياسي القائم بالطرق السلمية | مجلة المجتمع

العنوان الشيخ محفوظ نحناح رئيس حركة مجتمع السلم الجزائرية في حوار شامل عقب الانتخابات: خيارنا الأمثل هو مناجزة النظام السياسي القائم بالطرق السلمية

الكاتب عامر حمدي

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يونيو-1997

مشاهدات 59

نشر في العدد 1255

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 24-يونيو-1997

  • لابد أن يصل أبناء الوطن الواحد إلى مظلة يتخاصمون تحتها فالتجربة الجزائرية أكدت أن الصراع خارج البرلمان قدم ما لا يقل عن 70 ألفا من الضحايا

  • من غير المعقول أن تكنبالدساتير والقوانين بالأقلام ثم تداس بالأقدام

  • لا نقبل بإقصاء أحد ونؤمن بقواعد الديمقراطية كقاسم مشترك بين الجميع

  • نسعى لإيجاد آليات التعايش بين التيارات المتناقضة وصولًا إلى حكم الإجماع تحت قبة البرلمان

  • المعارضة والمشاركة لابد أن توزن بموازين شرعية وعقلانية وأن يكون درء المفاسد عندها أبقى من جلب المنافع

الحديث مع زعيم حركة مجتمع السلم، حديث ذو شجون، فمحفوظ نحناح الشخصية الذي كثيرًا ما تعرض لانتقادات مناصري الإنقاذ في السنوات الماضية، والذي أثيرت حوله شبهة العمالة للسلطة، أثبت في الرئاسيات التي جرت في نوفمبر ١٩٩٥م، والتشريعيات الأخيرة قدرة خاصة على تبليغ رسالته السياسية، وتمكن رغم ما تعرض له من انتقادات الخصوم من ترجيح الكفة لصالحه في نهاية المطاف، يقول عنه زعيم جبهة القوى الاشتراكية حسين آيت أحمد إنه الشخصية الأكثر خطورة من شيوخ الإنقاذ، ويقال إنه إسلامي عروبي يعشق الديمقراطية إلى النخاع.

التقته «المجتمع» في مكتبه المتواضع على بعد أمتار من رئاسة الجمهورية بحي المرادية، رحب بنا كعادته وإستهل حديثه بشرح مواقف حركته من الأحداث التي عرفتها البلاد، وببسمته المعبرة التي تعجب أنصاره وبشاشته التي يغتاظ منها الرافضون له ولحركته من الاستئصاليين بدأ نحناح حديثه لـ «المجتمع»:

  • كيف تقيمون النتائج التي تحصلت عليها الحركة في الانتخابات التشريعية التي جرت في 5 يونيو الماضي، بالنظر لحقيقة الأصوات التي تؤكد بعض المصادر حصولكم عليها، وبالنظر إلى ما أعطي لكم من مقاعد؟

  • قبل الكلام عن تقويم العملية الانتخابية في الجزائر، نقول في الدرجة الأولى أن في الجزائر تحولًا ديمقراطيًا عميقًا استطاع أن يوفر أجواء التعددية السياسية على المستوى الإسلامي والوطني وعلى مستوى من المشروعات الاقتصادية والتنموية وبما استطاعت من خلاله الجزائر أن تستوعب التنوع الأيديولوجي، والثقافي والاقتصادي داخل منظومة البرلمان الجديد بما يجعل الجزائر في مقدمة الكثير من البلدان العربية والإسلامية التي استطاعت أن تخطو خطوة أكثر إيجابية نحو الأمام بعد هذه المقدمة يمكن أن نقول إن النتائج التي تحصلت عليها النتائج الانتخابية تتجاوز ٧٥% كأصوات لجميع المخول لهم بالانتخاب، وفي رأي حركة مجتمع السلم التي نمثلها، أن الأرقام المعلنة والمقاعد المتحصل عليها من طرف الأحزاب، خصوصا حركتنا لم ترق إلى مستوى تجسيد تطلعات حركة مجتمع السلم ولا طموحات الشعب الجزائري الذي يرغب في الأمن والاستقرار من جهة، ويرغب في القيام بعملية تغيير جذرية على مستوى الرجال والوجوه والبرامج، وثالثًا إعطاء نفس جديد للشعب الجزائري للخروج من هذه الأزمة التي يتخبط فيها ليس فقط من سنة ۱۹۹۲م إلى اليوم، وإنما منذ أن اختارت الجزائر سياسة عرجاء أفرزت اختلالًا كبيرًا على مستوى النظام السياسي الذي اعتمد الأحادية السياسية وما تفرزه من إقصاء للفعاليات الأخرى وعلى المستوى الاقتصادي الاختيار الذي أمم الأرزاق وكمم الأفواه وفرض الفقر وضيق من حظوظ الاستثمار الوطني، فضلًا عن الاستثمار الخارجي عربيًا كان أو دوليًا. لهذا فإن الأرقام المتحصل عليها بالنسبة لنا، أرقام لم تجسد لنا حقيقة المشاركة الواسعة للشعب الجزائري والمشاركة الأكثر كثافة في حق حركة مجتمع السلم، تبقى هناك مسألة أخرى يجب أن تذكر وهي أن الكثير من الملاحظين في داخل البلاد وخارجها، كانوا يتصورون أن الانتخابات في الجزائر ستمر بمرحلة اغتيالات اغتيال الناخب والمرشح والمواطن وتهديد الصناديق الانتخابية بالنسف والتفجير، لكن ولأول مرة في تاريخ التعددية الجزائرية أنه لم يحصل لا هذا ولا ذاك، رغم أن الوضع الأمني سيئ ، لكن مع ذلك اختار الشعب الجزائري عبر ممثليه في الطبقة السياسية أن يكسر حاجز الخوف وعملت حركة مجتمع السلم على الوصول بالشعب الجزائري إلى صناديق الانتخابات بالمشاركة الفاعلة وإلى حماية الصوت باللغة السلمية حتى لا تتخطف الطير والخفافيش هذه الأصوات.

  • ومن كان منافسكم في هذه الانتخابات .. النظام السياسي أم أحزاب المعارضة؟

  • يتضح لكل مراقب سياسي أن العملية الانتخابية التي خاضتها حركة مجتمع السلم لم تكن في مواجهة حزب من الأحزاب وإنما كانت في مواجهة صريحة وواضحة ووفق خطة سلمية للنظام السياسي المتعفن الذي اختار لنفسه الأحادية الفكرية والسياسية التي أفرزت كما قلت روح الإقصاء لكل الفعاليات في مقابل هذا وجدنا أن الأحزاب السياسية الجزائرية أصناف، هناك أحزاب مفبركة على شاكلة النظام السياسي لكنها لم تكن جاهزة للمنافسة ونعتبرها من صغار القوم، وهناك حزب استطاع النظام أن يلده بشواريه وأن يمده بكثير من مقومات الوجود وفيتامينات الإنعاش والتقوية، وقد صرحنا مرارًا بأن اللاعب الرياضي إذا استعمل المواد المنشطة فإنه يمنع من خوض المعركة الرياضية لكن في الجزائر وجدنا أن المولود الجديد «حزب الرئيس»، الذي قدمت له الفيتامينات المنعشة فرض على الساحة السياسية وأذن له بالظهور ودعم بشتى أنواع الدعم المادي والبشري والإعلامي والمالي بما جعله يستهدف الطبقة السياسية برمتها، ولولا وجود الطبقة السياسية وعلى رأسها حركة مجتمع السلم حماس، لكان لهذا الحزب شأن غير الشأن الذي حصل عليه فيما بعد عن طريق الأرقام المعلنة وليست الأرقام الحقيقية، لهذا فإن حركة مجتمع السلم في حملتها الانتخابية ومناهضتها السياسية آثرت اختيار مواجهة التعفن في النظام السياسي ولم تتجه إلى الأحزاب أو إلى طرف آخر في الطبقة السياسية، في مقابل هذا وجدنا أن النظام السياسي استنفر كل قواه، استنفر الأحزاب الصغيرة واستنفر بعض الأحزاب الكبيرة، لدرجة أن حزبًا معينًا التزم الصمت فترة طويلة من الزمن ثم أعلن إعلانًا واضحًا في الصحف الأجنبية الخارجية وفي بعض الصحف الوطنية أن أخطر حركة يجب أن تقاوم بشتى الوسائل هي حركة مجتمع السلم التي يقودها محفوظ نحناح، وقد قلنا ساعتها بأن الأحزاب السياسية أخطأت الهدف لأن المفروض أن تقاوم النظام السياسي لا أن تستنفر قواها لمواجهة حزب قائم في الساحة الجزائرية وهو حزب معتمد من وزارة الداخلية وسبق له أن تقدم للانتخابات الرئاسية وحصل رئيس الحركة على ٢٥.38% من أصوات الناخبين، ثم تتحول هذه الأحزاب لمناهضة حركة مجتمع السلم، ولهذا لاحظنا أن السلطة وضعت أمام حركة مجتمع السلم دستورًا جديدا عملنا على تجاوزه، وحرصت السلطة على أن تضع أمامنا جملة من العقبات على مستوى الأحزاب الصغيرة وبعض الكبيرة وعملنا على تجاوزها، وعملت السلطة على أن تضع أمامنا مجموعة من وسائل الإعلام لتقف حائلًا دون وصولنا لسدة صناعة القرار وعملنا على تجاوزها، ثم عملت على دفع بعض الأحزاب، وخصوصًا الأحزاب الاستئصالية التغريبية التي كانت تظن أنها ستحوز قصب السبق لكن الشعب الجزائري في نهاية المطاف رمى بها عرض الحائط وهمشها، وفي رأيي أن محصلة العملية الانتخابية أدت إلى إفراز الاتجاه الوطني الإسلامي على مستوى السلطة أو على مستوى الأحزاب، وهو يعبر في الحقيقة عن الجزائر العميقة ولا يعبر عن حزب من الأحزاب.

لابد أن يصل أبناء الوطن الواحد إلى إيجاد مظلة يتخاصمون تحتها فالتجربة الجزائرية أكدت أن الصراع خارج البرلمان قدم ما لا يقل عن 70ألفًا من الضحايا

  • بالمتابعة لردود أفعال حركتكم بعد الإعلان عن النتائج تتهمون النظام السياسي بالتزوير ثم ترجعون إليه من خلال لجوئكم لتحكيم المجلس الدستوري، كيف تفسرون ذلك؟

  • أنتم تعرفون أن حركة مجتمع السلم تقاوم الجميع مقاومة بالحب والحوار والتزام الدستور والقانون نصًا وروحًا والتزام الديمقراطية وقواعدها نصًا وروحًا ، ولهذا لم نال جهدًا في مسعانا لاحترام مؤسسات البلاد وعلى رأس هذه المؤسسات المجلس الدستوري الذي قدمنا له طعوننا واحتجاجاتنا وشكاوانا ونحن في انتظار ردود المجلس الدستوري الذي نعتبره الملجأ الوحيد للمتنازعين في الطبقة السياسية سلطة وأحزابًا، وإذا أراد المجلس الدستوري أن ينحاز كما انحازت بعض الدوائر في الإدارة الجزائرية فهنا يجب أن نظل نناضل بالمتاح من القانون والدستور، لأنه في اعتقادنا يجب أن يكون القانون والدستور فوق الجميع بما في ذلك رئيس الجمهورية.

  • في سنة ١٩٩١م ألغيت الانتخابات وفي ۱۹۹۷م تتحدث عدة أوساط عن عملية تزوير لنتائج الانتخابات هل هي ردة عن الديمقراطية؟

  • أنا لا أميل إلى كلمة التزوير، ولا أميل إلى أن أكون أسيرًا لـ عام ۱۹۹۱م، ولا أميل إلى أن الديمقراطية قد أجهضت هذا حكمكم أنتم كبعض الإعلاميين، نحن ممن يميل إلى الرأي الآخر، وهو أن الخريطة السياسية أعيد تغييرها وتشكيلها بطريقة جديدة تضمن لجميع التيارات السياسية الاشتراك في صناعة حاضر البلاد ومستقبلها، ولهذا حصل مع التحول الديمقراطي شيء من التجاوزات والتعسفات المرفوضة بالقانون والمرفوضة بالإدارة والمرفوضة بتعليمات رئيس الجمهورية والمرفوضة من جانب الطبقة السياسية لاعتقادنا أن الأحادية السياسية لا تزال تحكم قبضتها على الطبقة السياسية وفي صناعة التوجهات الجديدة يبقى علينا كطبقة سياسية النضال والكفاح المستمر والدائم من أجل إعادة الطبقة السياسية سلطة وأحزابًا إلى ضرورة احترام القانون، لأنه من غير المعقول أن تكتب الدساتير والقوانين بالأقلام ثم تداس بالأقدام، هذا مما يرفضه عقلاء الأنام.

  • بلغة الرابح والخاسر .. من الرابح ومن الخاسر في هذه الانتخابات؟

  • إذا كنتم تنظرون إلى العملية الانتخابية بنظرة التجار، فإننا ننظر للعملية الانتخابية بنظرة ثقافية وسياسية نريد من ورائها أن يكسب الشعب الجزائري أولًا توسيع مساحة الحريات، ثانيًا وضع آليات للعمل الديمقراطي، ثالثًا مشاركة ما أمكن من الطبقة السياسية للخروج من شبه الإجماع إلى الإجماع الوطني، رابعًا الوصول إلى تشكيل عقلية «الجماعة الوطنية»، خامسًا تقليم أظافر الاستبداد والرؤية الأحادية التي حكمت البلاد أكثر من ٣٠ سنة ، وسادسًا نريد للجزائر أن تكون رابحة ديمقراطيًا  ولا نريد للجزائر أن تكون ضحية الاستعمار ولا الاستبداد ولا ضحية التجاوزات الإدارية  ولا التجاوزات الأمنية الجزائر تخوض الآن معركة جديدة تبغي من ورائها إعطاء نموذج في العالم العربي هذا النموذج يمثل هامشًا واسعًا من العمل الديمقراطي رغم ما في الإجراءات الديمقراطية من تجاوزات وانتهاكات الحقوق الإنسان وتعسفات إدارية، ومظالم تسلطت على الناخب والمواطن والمرشح، لكن مع هذا وجب أن نقول إن الخيار الأمثل هو مناجزة النظام السياسي بطرق سلمية، لأنه لا أفضل لأي شعب من بقاء دولته وتقوية مؤسساته والحفاظ على وحدة ترابه وتنوع ثقافته.

  •  بعد حصولكم على هذه المرتبة في انتخابات 5 يونيو هل تميلون إلى حل الأزمة الأمنية قريبًا، سيما مع انتصار النظام السياسي في هذه الانتخابات؟ ثم ما رأيكم فيما تروجه بعض الأوساط داخل البلاد وخارجها، من أن أطرافًا في بعض الأجهزة الرسمية تدير العمل المسلح؟

  • لم ينتصر النظام السياسي وإنما الذي انتصر هو الشعب الجزائري انتصر على النظام لأنه استطاع أن يفتك منه كما أفتك منه سنة ١٩٩٥م في الانتخابات الرئاسية  فكرة نتائج الانتخابات التي لا تقل نسبتها عن ٩٩.٩٩% أفتك منه الآن هامشًا شاركت فيه القوى الفاعلة والحية في الطبقة السياسية الجزائرية ولم يتمكن النظام من استيفاء المقاعد إلا بمقدار ١٥٥ مقعدًا، أما قولكم أن العمل المسلح تديره وتمارسه أطراف من داخل الأجهزة أو بعض الأطراف السياسية الأخرى، إنه وبكل وضوح عندما فتح العمل المسلح ذراعيه ولم تتمكن الجهات التي وضعته أن تندد بممارساتها في بدايته تفلت الزمام ودخل تحت مظلته كل من هب ودب سواء من الطبقة السياسية أو من أطراف أخرى سواء كانت من اللصوص أو من المجرمين أو من الحشاشين أو من تجار الهيروين أو من تجار الأسلحة أو سماسرة الحرب أو من داخل البلاد أو من خارجها، لأن هذه المظلة وفرت جوًا من التعفن لا يمكن التمييز من خلاله، هذا باللغة السياسية، أما باللغة الشرعية الإسلامية فإن أي عمل تراق فيه الدماء يفتح بابًا للفتنة يصعب إغلاقه بعد ذلك، كما يصعب على من مارسه أن يندد به أو يستنكره، ولهذا عندما جاءت الاستنكارات جاءت في غير زمانها وفي غير مكانها مما جعل مظلة العمل المسلح قائمة وقد أظلت كثيرًا من أبناء الشعب الجزائري الذي يعاني مأساة الويلات الدموية التي ذهب ضحية هذه العمليات زهاء ٦٠ أو ٧٠ ألفًا من المواطنين فضلًا عن الضحايا وأسرهم وعائلاتهم. فضلًا عن أمر أعظم من هذا وذلك وهو غرس ثقافة الحقد والعداوة بين العائلات، وكيف يمكن أن تعالج مثل هذه الحالات النفسية الصعبة والتي قد تبرز قرون فتنتها بعد عقود من الزمن لاسمح الله، فإذن يمكن أن أوجز العبارة فأقول إن العمل المسلح أعطى مظلة لكل من يريد الولوغ في إراقة الدماء تحت أي مسمى من المسميات.

وأخيرًا نقول إن هذا العمل المسلح أوجد مناخًا متعفنًا تدخلت فيه الكثير من الأصابع السيئة التي تمارس مايلي:

١- رغبة مستكنة في بقاء الأزمة الدموية.

٢- فتحت شهية من يريد استمرار المسلسل المأساوي في البلاد.

3- تسلل بعض القوى الدولية من أجل إيجاد بعض التنافس على منطقة وسط المغرب العربي الأبي. بما يجعل هذه الظاهرة، وقد احتلت موقعًا مهمًا في المشرق والمغرب العربي توفر أجواء الهيمنة والتبعية والهزيمة على شعوبنا الناهضة، ولهذا وجدنا أن بعض الأقلام المأجورة لم تستطع بتلاع وجود عمل ديمقراطي في الجزائر، أو عمل ديمقراطي في تركيا، أو عمل ديمقراطي جديد معتدل في إيران، هذا الخط من بلاد العرب إلى بلاد . العجم هو الذي سيوفر الأجواء لحالة من الاستقرار والأمن على مستوى شرق - شرق وعلى مستوى الغرب – الشرق وعلى مستوى تجسير العلاقة بين الشمال والجنوب.

من غير المعقول أن تكتب الدساتير والقوانين بالأقلام ثم تداس بالأقدام

  • هل يفهم من كلامكم أن نتائج الانتخابات لن تحل الأزمة الجزائرية؟

  • بالعكس نحن نرى أولًا أن الانتخابات ستقضي على المرحلة الانتقالية التي يعيشها شعب تعداده ٣٠ مليونًا من السكان لا يمكن لشعب جزائري قدم مليونًا ونصف المليون من الشهداء أن يعيش تحت مظلة المرحلة الانتقالية، ثانيًا لابد لشعب كالشعب الجزائري أن تكون له مؤسسات محترمة رغم أن المؤسسات المحترمة قد تكون نتيجة الشرعية التاريخية كما هو الشأن في بعض بلداننا الخليجية والعربية أو الشرعية الدستورية والثورية كما هو الشأن في بعض البلدان العربية الأخرى، الأمر الثالث وهو ضرورة أن يفهم الجميع أن العملية الانتقالية ستميط اللثام عن الذين يمارسون مزيدًا من التعفن في أرواح المواطنين وحاضرهم ومستقبلهم وهذا يؤدي بالتالي إلى إيجاد جدار وطني يمكن أن نسميه بالجماعة الوطنية التي ترفع الغطاء عن أي عمل إجرامي سواء بسبب البقاء في السلطة أو الوصول إلى السلطة أو الرغبة فيها، فالجماعة الوطنية التي استطاعت أن توقع على وثيقة مشتركة هي وثيقة الوفاق الوطني. هي التي بإمكانها أن تحقق في المستقبل القريب شيئًا من تخفيف الغلواء على الشعب الجزائري.

  • قد يصدر هذا العدد من «المجتمع» وقد شكلت الحكومة الجديدة بعد تعيين أحمد أويحي رئيسا للحكومة، هل لنا أن نعرف موقفكم من هذه الحكومة ومدى مشاركتكم فيها؟

  • هذا أمر سابق لأوانه والحكومة الجديدة التي أريد لها أن تتشكل كان النظام السياسي يريد أن يقول عمليًا بأنه لا يريد أن يغير من أسلوب حكمه ولذلك فقد تم اختيار الرئيس أحمد أويحي من قبل عن طريق التعيين واختير الآن باسم الانتخاب نفس الرئيس ليكون على رأس الحكومة المستقبلية، نحن نرى أن مثل هذا الأسلوب لا يوفر شروط التعايش والتعاون والتحاور الجاد وقد يكون مبعث اضطهاد واحتقان في الجزائر هي في غنى عنه، كان من المفروض ألا يتم تعيين رئيس الحكومة إلا من بعد استشارات موسعة مع الطبقة السياسية التي تمثل الآن مقدمتها بعد حزب السلطة، وكان بالإمكان أن يكون هناك ديمقراطية على طريق التراضي ثم على طريق التشارك ثم على طريق التداول على السلطة، وبودنا أن الحكومة التي سيكون لها دور في الأيام القادمة أن تكون بعيدة عن إقصاء الفعاليات السياسية الحقيقية، وأن تكون معبرة عن تطلعات الشعب الجزائري، وثالثًا أ لا تكون سببًا في زيادة التعفن وتسريح العمال وإقفال المصانع والارتماء في أحضان صندوق النقد الدولي من جهة أخرى.

  • وكيف ترون دوركم في المعارضة السياسية مستقبلًا بالنظر إلى أنكم القوة الثانية في البلاد بعد التجمع الوطني الديمقراطي، وأي إستراتيجية سياسية تنوون انتهاجها بعد الانتخابات؟

  • يجب أن يكون واضحًا لدى القارئ العربي والمسلم أن المعارضة من أجل المعارضة لاخير فيها وأن المشاركة من أجل المشاركة لاخير فيها، وإنما لابد أن توزن المعارضة بموازيين شرعية  وعقلانية، بهذه الطريقة يمكن القول إن المعارضة يجب أن تكون في الوقت الضروري والمشاركة يجب أن تكون في الوقت الضروري، وتحدد المعارضة والمشاركة بالمعيار الآتي وهو «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح» والقاعدة الثانية  وهو أنه إذا اجتمعت مفسدتان تدفع المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى، وثالثًا عندما تكون هناك مصلحتان نتجاوز المصلحة الصغرى للوصول للمصلحة الكبرى، بهذه الموازنات الأصولية، ونحن أصوليون كما لا يخفى عليكم بهذه الموازنات الأصولية يمكن أن نمضي قدمًا نحو الأمام، أما قولكم المشاركة والمعارضة لسنا من هؤلاء الذين يقولون عارضوا فقط من أجل المعارضة وكونوا دائمًا خارج الدواليب الحاكمة لأن هذه التجربة بينت إخفاقها وضعف مردوديتها السياسية والجماهيرية والشعبية في الوطن العربي والإسلامي، كذلك المشاركة الانبطاحية التي لا تراعى من خلالها مصلحة الدين ومصلحة الضرورات الخمس ومصلحة معاناة الجماهير وتظلمات أمتنا هي عملية انبطاحية تستهدف فقط قطف الثمار والحصول على المغانم والمكاسب، وهذا شيء لا يمكن أن يقبل به حملة رسالة عجزت السماوات والأرض أن يحملنها وحملها الإنسان، لهذا وجب أن ننظر لمسألة المشاركة والمعارضة بنظرة تتوافق وسنن التغيير، وبالمناسبة عندما تعرض أمامنا المعارضة والمشاركة نرى أنه في الظروف التي تمر بها البلاد الجزائرية من مأساة دموية وانهيار اقتصادي مقيت نرى أهمية المشاركة لوقف النزيف الدموي في بلادنا، وكم أعجبتني بعض العناصر الفاعلة في مصر والكويت وهي تدافع عن وجودها بعد أن عملت بعض الأيادي على احتلال أراضيها، وتناست كل الفعاليات السياسية في الكويت ثاراتها من أجل استرجاع الكويت إلى الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي والحفاظ على الدولة الكويتية.

  • تدعون باستمرار إلى توسيع قاعدة الحكم والإجماع، هل للبرلمان الجديد دور في توسيع قاعدة الإجماع، خصوصًا مع العناصر المتبقية من الجبهة الإسلامية للإنقاذ؟

  • في الحقيقة البرلمان وسيلة من وسائل تجميع الضغط تحت قبة البرلمان، وعوض عن أن تبقى الشوارع معرضة للمدافع، فالأولى أن يكون كل مدافع «بضم الميم» عن حقه ورأيه ووجهة نظره. وبهذا نستطيع القول إن الجزائر استطاعت أن تحصل من خلال هذه الانتخابات على مكسب مهم تسعى لتثمينه وتطويره في المستقبل، ومن الأهداف التي نريد الوصول إليها داخل البرلمان القادم هو محاولة إيجاد آليات التعايش بين التيارات المتناقضة للوصول إلى حكم الإجماع تحت قبة البرلمان،  ومن محاسن الأقدار أن العمل السياسي في الجزائر استطاع أن يجلب إليه العناصر التي تمردت والتي أرادت التوقيع على عقد سانت إيجيديوا خارج البرلمان الجزائري وهاهي الآن قد دخلت إلى البرلمان من أجل العمل مع غيرها وشقيقتها في العمل السياسي للوصول إلى توسيع قاعدة الإجماع، وهذا أمر يحسب للطبقة السياسية سواء كانت في داخل البلاد أو خارجها، هذا من جانب

  •  الجانب الثاني نريد توسيع قاعدة الحكم. بحكم أن الدستور الجزائري ينص على ضرورة وجود مجلس شعبي وطني «البرلمان»، ووجود مجلس للأمة في بلادنا هذا يفرض أن أصل إلى مرحلة توسيع قاعدة الحكم لأن الحكم في الجزائر كالكثير من البلاد العربية بقي محصورًا في دوائر جد ضيقة على أناس معروفين إما بتاريخهم ومشروعيتهم التاريخية، وإما بطبقتهم السياسية في الجزائر لأنه حل محل هذه النظرة وجود برلمان يؤدي إلى توسيع قاعدة الحكم، وقاعدة الحكم في رأينا لا يمكن أن تبدأ بلغاء الموجود للوصول إلى المفقود هذا في رأينا خطر كبير على أي بلد من البلدان، وأي دولة من الدول العملية تبدأ بممارسة ديمقراطية يشهد لها الشرق والغرب ويشهد لها أبناء الوطن الواحد هذا أولًا، وثانيًا أن تكون هناك قواعد ديمقراطية محترمة من جميع الأطراف ثالثًا أن يصل أبناء الوطن الواحد إلى إيجاد مظلة يتخاصمون تحتها عوضًا أن تكون الخصومات والنزاعات خارج قبة البرلمان، لأن التجربة الجزائرية  أكدت أن الصراع خارج البرلمان قدم ما لا يقل عن ٧٠ ألفًا من الضحايا، وكلهم أبناء وطن واحد فلابد إذن أن يرأب الصدع ويلم الشمل وتجتمع الكلمة ونصل إلى مرحلة شبه الإجماع التي تستهدف الوصول إلى الإجماع، لا أقول الإجماع المعروف عند الأصوليين لكن شبه الإجماع يمكن الوصول إليه عن طريق الجماعة الوطنية ولهذا أنا من دعاة وجود الجماعة الوطنية وجماعة عربية تحفظ للأمة العربية هيكليتها وتاريخيتها وحاضريتها ومستقبليتها وهويتها الحضارية.

  • الملاحظ أن الانتخابات التي جرت في الجزائر وتركيا واليمن لم تتجاوز رقم ۲۲ % رغم أنها رقم مهم في الساحة السياسية، هل هو الحد الأقصى المحدد في كل تجربة ديمقراطية وفق ما يتناغم مع طبيعة النظام الدولي الجديد أم أن ذلك هو الحجم الحقيقي للإسلاميين؟ 

  • الحقيقة أن مثل هذا الرقم جزافي وكأنه أصبح رقمًا مقدسًا لدى بعض الدوائر الحاكمة في الوطن العربي، والمرضي عنه في الدوائر الغربية تعتبره قمة سياسية وقانونية متاحة لأي عمل سياسي نظيف ونزيه يتجرد من النزوع إلى الهوى ويتجرد من النزوع إلى الاستيلاء على حكم بغية إقصاء الآخرين ومحاسبتهم والرمي بهم في أقبية السجون، هذا من جهة ومن جهة ثانية في رأيي الشخصي أنه لا يمكن للحركة الإسلامية إلا أن تعمل على التدرج وفق سنة المرحلية لأن الوضع الدولي والمحلي لا يسمح بتجاوز سقف معين، والأمر الثالث أصبح واضحًا في الجزائر أن الحركة التي استطاعت أن تحصد معظم الأصوات على مستوى التراب الوطني هي حركة مجتمع السلم «حماس»، وهذا بشهادة خصومها فضلًا عن شهادة مناصريها ومناضليها والمواطنين الذين أدلوا بأصواتهم لصالحها. لهذا نقول إن هذا الرقم تعمل الحركة على الحفاظ عليه وعلى تطويره لأنها متأكدة من أن الجماهير العريضة ستبقى ملتفة حول الحركة في المستقبل، خصوصا في المواعيد القادمة، وليس معنى ذلك أننا نريد الاستيلاء على الحكم باسم الديمقراطية أو باسم خيانة الديمقراطية، هذا لا يرد في حساباتنا، وانما الذي يجب أن نكرسه هو ضرورة أن نتعايش مع غيرنا وأن يتعايش معنا غيرنا ليحصل نوع من التآلف بين التيارات المتناقضة من أجل خدمة المصلحة العليا للوطن،

 محاولة الاستئصاليين والتغريبيين إقصاء العمل الإسلامي أثبت الشعب الجزائري أن الإسلاميين لا يمكن إلا أن يعبروا عن أوطانهم وشعوبهم شرقًا وغربًا شمالًا وجنوبًا، ومحاولة الإسلاميين إقصاء الاستئصاليين والتغريبيين هذه مخاطرة لا يمكن أن نقبل بها في حركة مجتمع السلم، فلابد إذن من وجود قواسم مشتركة تجمع بين الأطراف، وأحسن قاسم مشترك هو قواعد الديمقراطية وأن يحترم من جميع الأطراف.

  • إذا أردنا تلخيص تجربة الانتخابات الجزائرية كدروس لغيرها من الأحزاب والحركات في العالم العربي والإسلامي، ماذا تقولون؟

  • التجربة الانتخابية مكنت حركة المجتمع الإسلامي سابقًا وحركة مجتمع السلم حاليًا من أن تحتك بالجماهير وأن تتعرف على اهتمامات الجماهير وأن تمارس حقها في تجسيد تطلعات الجماهير السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهذا الذي يفسره التفاف الجماهير بالحركة، ولعله من باب الإنصاف أن نقول إن انكفاء الحركة على دوائر ضيقة لا يسعفها كي تتعرف على حقيقة وطنها، أما بدخولها معترك الجماهير والاحتكاك بشرائح المجتمع من رجال ونساء وفقراء وأغنياء وأصحاب العنوسة والعزوبية والبطالين والعمال والمستثمرين ورجال الأعمال ورجال الإعلام والأئمة والمثقفين، يسمح للحركة أن تتصل بأوسع دائرة ممكنة حيث لم يكن متاح لنا مثل هذا العمل منذ أكثر من ٣٠ سنة ، ونحن نساهم في حركتنا، فالعملية الديمقراطية في البلاد سمحت لحركتنا أن يكون اتصالها بالجماهير أكثر من ذي قبل، وأن تكون فعاليتها أكثر تأثيرًا من أي وقت مضى بشرط أن يكون لدى الحركة قدرة على تجسيد تطلعات الجماهير من غير دغدغة للعواطف لأني صرحت مرارًا بأن العواطف عواصف ولا أقبل لنفسي ولا لمن يشبهني في هذه الحركة أن تدغدغ عواطف الجماهير ثم بمجرد أن يكون لنا موقع في المقدمة تحصل خيبة الأمل ليس في الحركة، وإنما خيبة أمل حتى في الأفكار والمناهج التي تحملها لا نريد أن نحصد مرارة الخيبات، وكفانا من حصد هذه المرارات، لهذا فإن التجربة يمكن أن تشخص لنا ما يلي:

- الكفاح الدائم من أجل توسيع الحريات أمر أساسي،

- الكفاح الدائم من أجل تكريس العمل الديمقراطي أمر أساسي،

- الكفاح الدائم من أجل توسيع قاعدة الإجماع الوطني وتوسيع قاعدة الحكم شرط أساسي،

- التعبير عن اهتمامات الجماهير ومشاكلهم ومعاناتهم وشقائهم ومعضلاتهم اليومية تسمح لنا بأن تطبق جزءًا من الآية «حريص عليكم» نحن نعمل حريصين على حل مشكلات الآخرين وليس بأصابعنا خاتم سليمان كما أنه بالإمكان القول إن حركتنا والحركات التي تشبهنا يمكن أن يكون لها دور أفضل من الأداءات السياسية والاقتصادية التي سببت الإفلاس والانهيار لبلداننا وشعوبنا.

  • كثيرا ما يصطدم العقل العربي والإسلامي بأن الدول الغربية ترفض وجود الإسلاميين ضمن خارطة الساحة السياسية في البلاد العربية والإسلامية، بالنظر لمواقف العواصم الغربية كيف تنظرون لما يعتبره البعض مشكلة الموقف الغربي من الإسلاميين؟

  • الحقيقة أنه وبكل إنصاف وعدل نقول إن الغرب لا يمكن أن نحمله ما لا يطيق الغرب يريد أن تكون في بلداننا مساحات للعمل الديمقراطي وهوامش للحريات هذا الذي يريده الغرب وتريده الولايات المتحدة، فقط بقيت بعض الأنظمة العربية ترفض مساحات الحرية، ولابد من المصابرة ولابد من المسالمة والمهادنة حتى تتمكن الأنظمة من أن تهضم رأي الغرب في قبول الرأي الثاني الحضاري وهو بالإسلام، والسؤال المطروح لماذا يقبل الغربيون - على ما بين الشرق والغرب من صراعات تاريخية - وجهة النظر الإسلامية والإسلام السياسي والأحزاب الإسلامية، بينما ترفض بعض الأنظمة العربية والإسلامية وجود منافسة سياسية سلمية بوجهها الإسلامي، هذا الذي لا يمكن أن يقبل به عاقل، رغم أننا ندرك تمامًا أن بعض البلدان العربية وربما الكويت الشقيق بدأ يشرح صدره لوجود عمل سياسي وطني ديمقراطي، وهذا ما نثمنه ونثمن المزيد منه سواء في خليجنا العربي أو في بلدان عربية أخرى لأنه إذا رفض الإرهاب والعنف، وإذا رفضت العمليات الإرهابية بجميع المقاييس فعلى الأقل أن يقبل المعتدلون وأن توضع قواعد محترمة من طرف الجميع، ومن اعتدى على الاعتدال فاعتدوا عليه بالقانون وطبقوا عليه الدستور، أما الذي يلتزم بالقانون ويلتزم بالاعتدال ويلتزم الوسطية، ويلتزم العمل السلمي ثم نعمل على قمعه ومنعه وحرمانه من حق الوجود وحق التعبير وحق التنقل والسفر فهذا مما لا يمكن أن يقبل به عاقل في أي بلد من البلدان، بعض البلدان الأوروبية والغربية تسمح حتى لمعارضيها أن يتنقلوا عبر الأوطان والأقطار بينما بعض بلداننا تعمل على حرمان بعض فعالياتها السياسية من الانتقال إلى خارج البلاد فضلًا عن قولها بمشاركة سياسية في تضميد جراح الجسد الواحد.

 

الرابط المختصر :