; خيارنا الاستراتيجي «سراج واحد» | مجلة المجتمع

العنوان خيارنا الاستراتيجي «سراج واحد»

الكاتب د. إسماعيل الشطي

تاريخ النشر الثلاثاء 14-مارس-1989

مشاهدات 63

نشر في العدد 908

نشر في الصفحة 11

الثلاثاء 14-مارس-1989

في هذا الأسبوع تدخل المجتمع من العشرين منذ ولادتها، ولكنها في الأصل لم تولد من فراغ، إنما هي من بيت كريم هو الدعوة الإسلامية، والذي اقتنى الأداة الصحافية منذ بداية دخولها الأرض الإسلامية، و«المجتمع» تربية أجيال ومواكب صنعت «المنار»، «الفتح»، «الزهراء»، «الإخوان المسلمون»، «الدعوة»، «المسلمون»، «حضارة الإسلام»، «الشهاب»، وهي تحمل تجربة القرن كله في الصحافة الإسلامية العربية، كما أنها اليوم وريثها المسؤول الذي يقوله كلمته أسبوعيًا

وباسترجاع شريط الماضي لأول هذا القرن تتراءى أمامنا كمية هائلة من المتغيرات والتطورات، في الخريطة السياسية في قيم المسلمين وموازينهم، في طبيعة الشعوب وتفاعلهم مع الأحداث، في الاتصالات على مستوى الكون، في ثورة العلوم والتكنولوجيا، وفي غزارة المعلومات والمعرفة، وغيرها الكثير من المتغيرات التي فرضت نفسها على الدعوة الإسلامية وأدواتها، ففي مطلع هذا القرن سخرت الدعوة كافة وسائلها من أجل إعادة الخلافة الإسلامية، ثم تحولت إلى مواجهة مع الاستعمار لنيل استقلال الأوطان، ثم أصبح الهدف هو تأسيس دولة إسلامية تستظل بنور الشريعة في أي قطر كان، وأمسى اليوم بين جهاد مسلح ودعوة اجتماعية سلمية وعمل سياسي منظم، فأين تقف المجتمع من هذا الكم الهائل من المتغيرات؟ وأين هي اليوم من ذلك الإرث القديم في الصحافة الإسلامية؟ وما هو الخيار الإستراتيجي الذي تحدد من خلاله الرأي، وتختار منه الوجهة، وتصنع بواسطته المواقف تجاه الأحداث والمستجدات؟

«إما سراجان، وإما ظلمة» مثل شعبي كويتي يطلق في حالة الاستنكار على شخص جعل خياراته على طرفي نقيض، وهو يلفظ «يا سراجين، يا ظلمة»، وهو يعني إما اختيار سراجين أو اختيار الظلمة، وليس هناك خيار ثالث بينهما، كأن يكون سراج واحد، وأسوق هذا المثل لأعبر عن خيارنا الإستراتيجي في «المجتمع»، وواضح من العنوان أننا نرفض طرفي النقيض نختار الوسط، ونرضى بالسراج الواحد بدلًا من تمني سراجين أو التورط بالظلمة،

 فما هي استراتيجية «السراج الواحد»؟ 

من الخيارات أمام المجتمع إما أن تكون لسانًا ناطقًا باسم جماعة إسلامية، أو تعبيرًا عن ضمير الحركة الإسلامية، ومن سلبيات الخيار الأول حرمان المجتمع من شرائح كبيرة من قراء الحركة الإسلامية ما دامت المجلة حصرت نفسها في جماعة واحدة، ومن سلبياته تضييق المنظور التحليلي للأحداث، فالمنظور الحزبي أو التجمعي غالبًا ما يأخذ باعتباره النظرة الحزبية، أما من سلبيات الخيار الثاني أنه يحيل المجلة إلى شخصية مبهمة الملامح.

فالحركة الإسلامية مليئة بالمدارس الفكرية والفقهية والاجتهادات المختلفة، والتعبير عن ضميرها قد يقع أحيانًا ضمن دائرة التضارب والاختلاف، لهذا كان خيارنا وسطًا بين هذين الخيارين، فنحن جعلنا شخصية المجلة انعكاسًا لشخصية جمعية الإصلاح الاجتماعي التي يحدد أطرها لوائحها الداخلية، وتضم بين صفوفها أعضاء من كافة الجماعات الإسلامية، وجعلنا الافتتاحية أو باختصار أو ما ينشر باسم أسرة التحرير رأي الجمعية أو المجلة، أما ما تضمه بقية الصفحات فهو تعبير عن ضمير الحركة الإسلامية، فالمجتمع تعالج الأحداث بمنظور إسلامي شامل، وتصنع المواقف والآراء بإطار عام من الفكر الإسلامي، وتناصر كل جماعة إسلامية مضطهده أو أقلية مسلمة مظلومة.

من الخيارات أمام المجتمع إما أن تخاطب القارئ الإسلامي، وإما أن تخاطب القارئ العام للصحافة.

 إن مخاطبة القارئ الإسلامي فقط سياسة خطرة؛ إذ من شأنها حرمان المجلة من شرائح أخرى في المجتمع، وحرمانها من دعوة هذه الشرائح للفكرة الإسلامية، وكشف ما يخطط ضد المسلمين.

 كما أن التوجه للقارئ العام يلحق أضرارًا بالمجلة، فاهتمامات القارئ العام قد لا تتوافق مع اهتمامات الإسلاميين الذين لهم وجهة نظر في صفحات الفن، والرياضة، وأخبار المجتمع، والصور المبهرة وغيرها مما يجذب القارئ العادي، كما أن هذا يستدعي فتح صفحات المجلة لكتاب وشخصيات غير مرغوبة في أوساط الإسلاميين؛ مما يفهم منه تزكية المجلة لهذه الشخصيات، ولقد اخترنا أن نخاطب القارئ المثقف، ونعنى هنا بالمثقف ذلك الشخص الذي جعل الكيان العام للأمة أو الشعب دائرة اهتمامه المركزية أيًا كانت درجة تعليمه، وحرصنا على إرضاء القارئ الإسلامي دون التفريط بشريحة المثقفين غير العاملين في إطار الحركة الإسلامية، كما أولينا مؤخرًا الاهتمام بشريحة القارئ العام الذي من حقه أن نمهد له السبيل لكي يرفع من اهتماماته وتوجهه.

وكذلك من الخيارات أمام «المجتمع» إما أن تصدع بالحق مهما كان مرًا، وهذا يؤدي إلى منعها في كثير من البلاد، أو أن تسكت وتجامل مقابل أن تصل للقارئ المسلم.

وهما خياران أحلاهما مر، فإن قلنا كل الحقيقة ومنعتنا الأنظمة من الصدور والاستمرار أو الوصول إلى القارئ فإننا بذلك حرمنا أنفسنا من أداء واجب لدعوة، وحرمنا القارئ من مطبوعة إسلامية وحيدة في السوق، وإن سكتنا وجاملنا خسرنا قارئنا الذي عهد فينا الصراحة والصدق والجرأة، وأقبل علينا من أجل هذه المزايا. 

ونحن قد اخترنا أن نقول نصف الحقيقة، وندع لقارئنا المثقف أن يفهم النصف الآخر، كما أننا أحيانًا نختار أن نومي بها ولا نصرح، فاستمرار الصدور والوصول إلى القارئ الوسيلة الوحيدة لدينا لتحقيق أهداف المجلة، ولنا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التوجيه السديد في ذلك بقوله: «سيأتي من بعدي أمراء يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس بعد ذلك من الإيمان حبة خردل» ولعلنا ننكر الكثير في قلوبنا مما لا يستطيع القلم إنكاره.

ومن الخيارات الأخرى أمام المجلة التزامها بأوامر الشريعة الإسلامية، فهي إما أن تلتزم بالرأي الأحوط، أو أن تلتزم بالرأي الأيسر في القضايا الاجتهادية المختلف فيها.

 فهناك كثير من القضايا التي تتعدد فيها الآراء بين علماء الأمة المعتبرين، والرأي الأحوط ليس بالشرط أن يكون هو الصحيح، بل هو الحل الأسرع لحسم الخلاف في المسألة باتخاذ جانب الورع، والرأي الأيسر ليس بالشرط أن يكون هو الضعيف، بل هو الحل الأصعب لحسم الخلاف؛ إذ يستدعى أن تشرح عند كل احتجاج من أصحاب الرأي الآخر، خاصة في وجهة نظرك وأدلتها مثل هذا العصر، ونحن إذا أخذنا بالرأي الأحوط حرمنا المجلة من كثير من وسائل التعبير الصحافية كالصورة، والرسوم، والاحتكاك بالوسط الإعلامي، والاتصال بهيئات وشخصيات غير معادية للإسلام.

لذلك اخترنا الحل الأصعب وهو اختيار الأيسر من الاجتهاد في العمل الصحافي، ونعني بالأيسر هنا الرأي الذي يحقق مصالح للمسلمين ولا يكون شاذًا أو ذا أدلة أضعف من أدلة الرأي الآخر، مع التزامنا الكامل بالأوامر والنواهي القطعية.

وأخيرًا فإن من الخيارات التي أمامنا أن نتعامل مع المجلة كمشروع دعوي، وإما أن نتعامل معها كمشروع استثماري، والتعامل مع المجلة كمشروع دعوي يفرض علينا أن نبيعها بأقل الأسعار من أجل جذب القارئ، وعدم إرهاقه بالأسعار الباهظة، كما يستدعي ألا نضع في تقييمنا السنوي للمجلة ميزانًا للربح أو الخسارة، وأن نرسلها لمن يطلبها كهدية في البلاد الفقيرة، ولو فعلت ذلك المجلة لتوقفت؛ لأن المال بالنسبة للصحافة كالماء بالنسبة للزراعة، وهذا لا يعني أن تجعل المجتمع للجانب المادي الاعتبار الأكبر ما دام المال كالماء، ولكن لا بد من تضمين ضمن التقييم السنوي؛ إذ إن المجلة تعمل على تطوير نفسها، وتحسين مظهرها، وزيادة مادتها، ولا بد أن يكون لها مصدرها المادي الخاص الذي يجعلها تقف على قدميها، لذلك فإن خيارنا كان وضع هامش للربح يعادل المبلغ اللازم لنفقات صدور المجلة وتطويرها.

وفي الختام فإن إستراتيجية المجتمع تعتمد على الوسطية والتأقلم مع صعوبات ومخاطر الواقع، وهذا لا يمنعنا من الاعتراف بالخطأ في بعض الأحيان، والحيد عن هذه الإستراتيجية أحيانًا أخرى والهفوات التي هي طابع الإنسان، والتي نرجو من الله أن يغفرها لنا ومن القراء أن يتغاضوا عنها.

إن المجتمع تجربة فريدة وجديرة بالتدوين، وتتضمن تفاصيل مفيدة وجذابة، نرجو أن يكون لها حظ من التدوين، والله الموفق.

 

الرابط المختصر :