; دارفور مثالاً.. فساد وصفقات في مجلس الأمن.. | مجلة المجتمع

العنوان دارفور مثالاً.. فساد وصفقات في مجلس الأمن..

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر السبت 09-أبريل-2005

مشاهدات 58

نشر في العدد 1646

نشر في الصفحة 22

السبت 09-أبريل-2005

تبنى مجلس الأمن الدولي ليل الجمعة الماضية مشروع قرار فرنسي يسمح للمحكمة الجنائية الدولية بملاحقة المسؤولين عن عمليات القتل والاغتصاب والنهب المزعومة في إقليم دارفور السوداني. وقد طالب القرار الحكومة السودانية وجميع الأطراف الأخرى في النزاع بالتعاون كلياً مع القرار وتقديم أي مساعدة ضرورية للمحكمة.
وعلى الرغم من أن القرار الجديد يشمل محاسبة المسؤولين عن الجرائم دون تمييز سواء المسؤولين الحكوميين أو من جانب المتمردين في جيش تحرير السودان أو حركة العدالة والمساواة فإن المتمردين رحبوا بالقرار (!) إذ وصفه زعيم ما يسمى بجيش تحرير السودان عبد الواحد محمد النور بأنه «يوم كبير للعدالة».. وزعم أنه - وأي عضو في حركته - مستعدون لتسليم أنفسهم للمحكمة إذا كانت أسماؤهم على قوائم المطلوبين للمحكمة.
الخرطوم اعتبرت على لسان مندوبها في مجلس الأمن خضر هارون أن مجلس الأمن أقر المشروع بعد أن حصلت الولايات المتحدة على صفقة حسب قوله. لكن المندوبة الأمريكية بالوكالة أن باترسون زعمت أن بلادها مازالت تعارض المحكمة من حيث الجوهر، وأن بلادها «قررت عدم معارضة القرار لأن على المجتمع الدولي أن يعمل معاً لوضع حد لأجواء الإفلات من العقاب في السودان».
القرار الذي قدمته فرنسا سبقه بيومين قرار قدمته الولايات المتحدة ووافق عليه أعضاء المجلس بأغلبية ١٢ صوتاً وامتناع كل من روسيا والصين والجزائر عن التصويت ويفرض القرار الأمريكي عقوبات مثل حظر السفر وتجميد الأموال على الأفراد المسؤولين عن ارتكاب جرائم في حق المدنيين في دارفور وعلى الذين ينتهكون الهدنة واشنطن قدمت مشروع قرارها المجلس الأمن بعد يوم واحد فقط من طلبها تطبيع العلاقات مع الخرطوم حسب ما أعلنه وزير الإعلام السوداني عبد الباسط سيدرات (!) 
كما جاء القرار الفرنسي بعد أسبوع من قرار آخر ينص على إرسال قوة حفظ سلام إلى جنوب السودان تضم 10 آلاف جندي.
 

مجلس الأمن وهيمنة أمريكية مطلقة

تسترعي الحالة التي بلغها مجلس الأمن انتباه المراقبين بسبب الهيمنة الأمريكية المطلقة عليه. على الرغم من تمتع أربع دول أخرى أعضاء فيه بحق النقض الفيتو وهي: الصين، وروسيا، وفرنسا، وبريطانيا.
وإن محاولة لرصد القرارات الصادرة عن مجلس الأمن منذ إنشائه تؤكد أنه لم يوجد إلا الخدمة مصالح دول معينة على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. كما أن حالة الهوان والرعب التي بلغها العالمان العربيّ والإسلاميّ بعد ۱۱ سبتمبر ۲۰۰۱ م تشير بوضوح إلى أنهما أصبحا ضحية لهذا المجلس!
وأي متابعة أو رصد للقرارات التي أصدرها المجلس خلال الأعوام الأربعة الماضية تؤكد الحملة الشرسة التي يتعرض لها العرب والمسلمون، وكان مجلس الأمن لم يكن له شاغل خلال تلك السنوات وحتى اليوم سوى التشديد على العرب والمسلمين أو فرض العقوبات عليهم. في عام ٢٠٠٢م أصدر المجلس ٦٧ قراراً منها ۳۲ قراراً تتعلق بقضايا ودول عربية وإسلامية، وفي العام ۲۰۰۳ أصدر المجلس ٦٦ قراراً منها ۲۹ استهدفت العرب والمسلمين، أما في العام الماضي ٢٠٠٤ فقد أصدر المجلس ۵۸ قراراً منها ۲۵ قراراً استهدف قضايا ودولاً عربية وإسلامية.
قرار مجلس الأمن الأخير بشأن الوضع في دارفور هو الخامس بشأن السودان منذ بداية هذا العام، وهو يعكس حالة الشيزوفرينيا أو الانفصام أو المعايير المزدوجة - سمها كما تشاء - في قرار مجلس الأمن الدولي رقم ١٥٩٣ الذي نص على إحالة مرتكبي التجاوزات بإقليم دارفور السوداني إلى المحكمة الجنائية الدولية في «لاهاي» الشيزوفرينيا تبدت في امتناع الولايات المتحدة عن التصويت على مشروع القرار الفرنسي بعد حصولها على تنازلات الصفقة كما سماها مندوب السودان في الأمم المتحدة تمنع بموجبها مقاضاة أمريكيين مشاركين في عمليات الأمم المتحدة في السودان، خصوصاً أن واشنطن لا تعترف بالمحكمة الجنائية الدولية.
منظمة مراقبة حقوق الإنسان هيومان رايتس واتش ومنظمة العفو الدولية وصفنا القرار بأنه
«تاريخي» لكن أمنستي انتقدت في الوقت ذاته استثناء الولايات المتحدة منه. وفي هذا الإطار أيضاً لابد من تسجيل ملاحظة تثير اهتمام المتابعين، فالجزائر الدولة العربية الوحيدة العضو في مجلس الأمن لم تعترض على قرار يمس سيادة ومستقبل دولة عربية أفريقية شقيقة واكتفت بالامتناع عن التصويت وهو مؤشر على حالة الهوان والانبطاح والرعب من الولايات المتحدة، التي أصابت العرب.
«الفيتو الأمريكي» في خدمة «إسرائيل»
وإذا كانت القرارات التي صدرت عن مجلس الأمن بهذه الحالة، فإن مشاريع القرارات التي أجهضتها الولايات المتحدة والتي تركزت في غالبيتها على انتقاد «إسرائيل» بسبب الجرائم الصهيونية في فلسطين المحتلة، هي الأخرى مؤشر على تلاعب القوة العظمى الوحيدة في العالم بأعلى سلطة سياسية في العالم مجلس الأمن الدولي.
فمنذ عام ١٩٤٥ وهو العام الذي تأسست فيه الأمم المتحدة استخدمت الولايات المتحدة حق النقض - الفيتو حوالي ٨٠ مرة ٣٨ منها أجهضت مشاريع قرارات تنتقد «إسرائيل»» بسبب سياساتها ضد العرب والفلسطينيين، بينما استخدمه الاتحاد السوفييتي وروسيا بعد ذلك حوالي ۱۲۰ مرة (روسيا استخدمته مرتين فقط منذ انهيار الاتحاد السوفييتي)، وبريطانيا ٣٢ مرة وفرنسا ۱۸ مرة والصين ٥ مرات فقط.
يكفي القول إن ثمانية من آخر عشر قرارات فيتو في مجلس الأمن استخدمتها الولايات المتحدة وأن سبعة من هذه الثمانية كانت تنتقد الحكومة الإسرائيلية كما هو موضح في الجدول التالي:

 فيتو، وديمقراطية

حق نقض أي مشروع قرار أو (الفيتو) محصور في خمس دول فقط هي الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وبريطانيا والصين، وهي لم تحصل على هذا الحق نتيجة عملية تصويت ديمقراطية في الجمعية العامة للأمم المتحدة وإنما بسبب انتصارها على دول المحور اليابان وألمانيا وإيطاليا في الحرب العالمية الثانية هذا الحق مازالت اليابان وألمانيا محرومتين منه رغم أنهما ثاني وثالث أكبر الدول الممولة للأمم المتحدة على التوالي، ورغم أن ألمانيا تعتبر ثاني أكبر دولة تشارك في قوات حفظ السلام الدولية بعد الولايات المتحدة. إضافة إلى ما تقدم عن ألمانيا فإنها كانت تملك مقعداً دائماً في مجلس عصبة الأمم التي تشكلت بعد الحرب العالمية الأولى. وتصر ألمانيا على حقها في العضوية الدائمة باعتبارها أكبر بكثير من فرنسا وبريطانيا وأقوى مادياً منهما.
وفقاً لمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، فإن الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن هي الوحيدة التي تملك حق امتلاك أسلحة نووية (!)كما أن هذه الدول الخمس لا تمثل العالم تمثيلاً عادلاً من الناحية الجغرافية أو السكانية أو الاقتصادية.
مساعي توسيع مجلس الأمن تكثفت ابتداء من العام الماضي حين كلف الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان فريقاً من المستشارين لرفع توصيات بشأن إصلاح الأمم المتحدة. ومن ضمن المقترحات المقدمة زيادة عدد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي من خمسة إلى عشرة الاقتراح نفسه ينص على أن تكون الدول المقترحة الخمسة هي اليابان وألمانيا والهند والبرازيل إضافة إلى دولة إفريقية كبيرة لم تتحدد بعد، وتدعم هذا الاقتراح فرنسا وبريطانيا. 
إضافة إلى ذلك اقترح الفريق قيام الجمعية العامة للأمم المتحدة باختيار عشر دول أخرى للعضوية غير الدائمة (مدة عامين).
من المآخذ على مجلس الأمن الدولي أن غالبية قراراته تذهب إلى الأرشيف، وهو انتقاد صحيح ما لم يتعلق الأمر بعقوبات أو التزامات على دول معينة كما حدث في العراق وأفغانستان.. فالقرارات التي تحمل إسرائيل التزامات معينة أو تطالبها بأمور محددة لم تنفذ حتى الآن كالقرار ٢٤٢ مثلاً.
هل يمكن إصلاح مؤسسات الأمم المتحدة في ظل هيمنة دولة واحدة على أهم تلك المؤسسات وهي مجلس الأمن؟! وما جدوى حصول مزيد من الدول على «حق الفيتو» إذا كانت ستتعامل معه بالمنطق الروسي، أو الصيني، أو الفرنسي، أو البريطاني، مقابل المارد الأمريكي؟ الحل ليس بإصلاح منظمة الأمم المتحدة، بل بإحالتها إلى التقاعد، وتأسيس منظمة دولية جديدة فاعلة على أسس ديمقراطية صحيحة لا تعطي دولة واحدة أو حفنة من الدول الحق في التحكم بمصائر العالم كما يحدث الآن..
 

جدول يبين الاستخدام الأمريكي للفيتو حماية لإسرائيل في عهد الرئيس بوش
الرقم    التاريخ     مشروع القرار
1    5/10/2004    مشروع قرار يطالب إسرائيل بوقف عملياتها العسكرية في شمال قطاع غزة
2    25/3/2004
    مشروع قرار يدين قيام إسرائيل، باغتيال الشيخ أحمد ياسين رحمه الله
3    14/10/2003
    مشروع قرار يدين بناء «إسرائيل» الجدار العزل العنصري بالضفة الغربية
4    16/9/2003
    مشروع قرار يدين القرار الإسرائيلي بإبعاد الرئيس الفلسطيني الراحل عرفات من رام الله.
5    20/12/2002
    مشروع قرار يدين قيام قوات الاحتلال الإسرائيلي بقتل عدد من موظفي الأمم المتحدة وتدمير مستودعات برنامج الغذاء العالمي في قطاع غزة.
6    14/12/2001
    مشروع قرار يطالب «إسرائيل» بسحب قواتها من مناطق السلطة الفلسطينية.
7    27/2/2001    مشروع قرار لتشكيل قوة مراقبين دوليين لحماية المدنيين الفلسطينيين من جرائم قوات الاحتلال الإسرائيلي.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

520

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

578

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8