العنوان دبلوماسية التوقيعات المزوّقة!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أغسطس-1982
مشاهدات 70
نشر في العدد 581
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 03-أغسطس-1982
• ليس من قبيل التشاؤم أن يعتقد المراقبون أن إخفاقًا ذريعًا ينتظر دبلوماسية الأنظمة العربية في مساعيها التي تجيء متأخرة جدًا للوصول إلى نهاية سريعة – ولا نقول حلًا سريعًا – للأزمة الفلسطينية واللبنانية.
ليس هذا تشاؤمًا، لأن دبلوماسية معظم الأنظمة العربية لا يمكن أن تخرج في حقيقتها ونتائجها عن حقيقة موقفها العسكري الفعلي من العدوان الإسرائيلي الوحشي على الشعبين اللبناني والفلسطيني. فالذين تواطأت بنادقهم مع العدو الصهيوني أو استخدمت أو صمتت... لا يمكن أن تحقق توقيعاتهم المزوقة على أوراق فيليب حبيب موقفًا أشرف –أو على الأصح أقل خزيًا– من موقف بنادقهم.
• وماذا يمكن أن تحقق دبلوماسية التوقيعات المزوقة في وجه هذا الوحش اليهودي الذي يتسلى بتدمير بيروت، ودفن سكانها رجالًا ونساءً وأطفالًا.. تحت أنقاضها أو حرقهم أو إبادتهم جوعًا وعطشًا؟!
نعم.. يمكن لهذه الدبلوماسية أن تحقق شيئًا واحدًا فقط هو الموافقة على الشروط الإسرائيلية التي تملى على الأنظمة العربية بلسان أمريكي.. وهكذا يستطيع فيليب حبيب أن يتعهد لإسرائيل بأن تقبل الأنظمة العربية تنفيذ ما تریده إسرائيل خلال ٤٨ ساعة.
وحين يقوم بيغن –هذا المتهوس بسفك الدماء المسلمة– بأعنف هجمة عدوانية على بيروت، عقب صدور بیان اللجنة السداسية منذ أيام... فإنه يرمي في وجوه الأنظمة العربية جوابه الوحيد الذي يوقن اليوم أنه يستطيع أن يفرضه عليها عنوة، وهو يلخص بذلك حقيقة أساسية: أن التوقيعات المزوقة لن تكون أقل خزيًا من البنادق الخرساء.
مجرد وسطاء... لا أكثر
وسطاء.. لا لتحقيق مكسب من المكاسب، فقد بلغت السكين الوريد، وهم يتفرجون قرابة شهرين على الحصون الفلسطينية واللبنانية كيف تسقط واحدًا واحدًا.. وسطاء... لا لرفع العتب عنهم، فمعظمهم لم يعد يخجل من أن يلصق على جبينه رمزًا من التواطؤ أو التخاذل أو الصمت. وسطاء.. لسبب واضح لأن كلًّا منهم يجهد الآن في دفع الخطر عنه، ذلك الخطر الذي سوف ينجم عن بيع القضية الفلسطينية في مناقصات تل أبيب وواشنطن… وسطاء.. للإجهاز على ما بقي من روح معنوية في نفوس الفلسطينيين واللبنانيين الذين ثبتوا تحت اللهب قرابة شهرين.
مجرد وسطاء.. لا أكثر!
• وعلى هامش الاستخذاء العسكري ودبلوماسية الوسطاء، تبرز بين حين وآخر مهازل المتشنجين، مثل انتفاضات عصبية لا إرادية، تأتي من جراء الاعتياد الطويل على ترداد المقولات الصامدة سنين طويلة، بينما تتم وراء الكواليس الاتفاقات السرية مع المستر فيليب حبيب. أحد «الصامدين» يعلن منذ أيام فقط –أي بعد أن نعقت الغربان على خرائب بيروت– أن قرار «....» هو القتال «1» دفاعًا عن الأرض «1» والشرف «!!» والكرامة العربية «!!!» حينما وحيثما يتطلب الأمر.
وحينما وحيثما هاتان لا يدري أحد متى تكونان وأين تكونان؟! و«صامد» آخر يهدد بأنه سيقطع أيدي قادة المقاومة الفلسطينية إذا لم يصمدوا، ولا يدري أحد أين كانت سكينه من الأيدي الإسرائيلية التي تقوم بإبادة الفلسطينيين واللبنانيين منذ قرابة شهرين حتى الآن.
ومع انتفاضات المتشنجين اللاإرادية لا يفوت بعض الأنظمة العربية أن تطلق بعض النكات السمجة لمجرد تسجيل نقاط في مرمى الأنظمة الأخرى التي تخرقت مراميها منذ بدء الغزو الصهيوني الأخير. فيعلن هذا النظام بأنه مستعد لقطع علاقاته الدبلوماسية مع الولايات المتحدة بشرط أن يحصل إجماع عربي على ذلك، والنظام يعلم أن هذا الشرط هو أحد المستحيلات القليلة في هذا العصر الكئيب.
• ومثلما يحمل إصرار بيغن على تدمير بيروت من وصمات الإدانة لاستخذاء الأنظمة العربية عسكريًا.. كذلك يحمل إصرار أمريكا على تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية لاجئين وصمات إدانة لدبلوماسية الوسطاء.
فلا ريب في أن الشيء الوحيد الذي يحسب بيغن حسابه هو الخسائر التي يتكبدها الإسرائيليون في معاركهم مع القوات الفلسطينية واللبنانية، ولو توقع بيغن، ولو واحدًا في المئة أن نظامًا عربيًا «قد» تقوم طائراته بقصف تل أبيب، فهل كان يجرؤ على قصف بيروت هذا القصف الوحشي الذي يستمر منذ حوالي شهرين؟!
وأمريكا نفسها كذلك. حين تصر على أن تعترف منظمة التحرير الفلسطينية بالقرارين «٢٤٢، ٣٣٨» فهي تأمل في أن تعيد القضية الفلسطينية إلى مجرد مشكلة لاجئين، وذلك لأن أمريكا توقن بأن معظم الأنظمة العربية التي استطاعت أن تدفع بالمقاومة الفلسطينية من مذبحة إلى أخرى، إنما كانت تسعى إلى تصفية القضية الفلسطينية و «تشريدها»، وهي الآن قادرة على أن توجد حلًا لهؤلاء «اللاجئين المشردين» حين يصبحون تحت هيمنتها.
• ولكن هل يرضى المقاتل أن يصبح مجرد لاجئ؟!
أمريكا وإسرائيل ووسطاء التوقيعات المزوقة يرجحون ذلك. أما أمريكا وإسرائيل فهما تعتمدان في هذا الظن على ضمانات أساسية، لعل من أهمها أن تتمكن الأنظمة العربية من تدجين المقاومة الفلسطينية، ومن يدري فربما يستحيل التناقض بين المقاومة الفلسطينية وبين إسرائيل إلى تناقض بين إرادة المقاومة وبين إرادات الأنظمة العربية، وتتاح لأمريكا بذلك فرص كثيرة دائمة لربط الأنظمة بالإرادة الأمريكية ربطًا مستمرًا.
وأما نحن فنعتقد أن المقاتل لا يمكن أن يستحيل مجرد لاجئ، ولكنه قد يغير وضعه في خندقه حين يكتشف أنفي الخطوط الخلفية خونة أو متواطئين أو صامتين…