; دراسات: تحديات التغيير الإعلامي في مصر | مجلة المجتمع

العنوان دراسات: تحديات التغيير الإعلامي في مصر

الكاتب منال أبو الحسن

تاريخ النشر السبت 03-ديسمبر-2011

مشاهدات 78

نشر في العدد 1979

نشر في الصفحة 19

السبت 03-ديسمبر-2011

  • لقد تم ربط الموضوعات السياسية بالإسلام بشكل صريح لدعم الفتنة الطائفية.. فأظهروا "نعم" للتعديلات الدستورية على أنها "نعم" للإسلاميين 
  • بعد الثورة تفجرت الصراعات داخل الجهاز الإعلامي المصري على من يدير ومن يحكم ومن يظهر على الشاشة ومن يأتون به كمصدر للمعلومة ومن يأخذ الحوافز.. وأصبح الوضع مسألة حياة أو موت! 
  • بعد إعلان نتيجة الاستفتاء لصالح "نعم" للتعديلات بدأت المواجهات الإعلامية للنتيجة ورفضها وتشويه صورة الإسلاميين وكأنهم أصحاب التعديلات وصانعوها 
  • استعان الإعلام بكوادر حزبية معارضة للإسلاميين وتابعة للفكر الليبرالي الرافض لفكرة الثوابت الدينية والشرعية في الفكر الدستوري الجديد مما أحدث بلبلة فكرية جديدة 
  • حدثتني إحدى المذيعات أنها تأتي بهم (الإسلاميون) في برنامجها لتشويه صورتهم لدى الجمهور بأنفسهم ! فهي لا تمتلك سبل الحوار معهم وليس لديها ثقافة دينية للحديث معهم 

 من "أحداث عارضة" إلى "ثورة"، ومن "بلطجية" إلى "شباب حر"، ومن "مدعومة" إلى "وطنية"، ومن "الحزب الحاكم" إلى "الحزب المنحل"، ومن "الحكومة المصرية" إلى "الحكومة المحظورة".. هكذا شهد الخطاب الإعلامي تغييراً جذرياً بعد "ثورة ٢٥ يناير" وتغيرت المصادر التي يعتمد عليها الإعلام المصري، فمن الاعتماد على المسؤولين ورجال الدولة إلى مصادر لم نكن نسمع عنها من قبل ربما مغمورة وربما حظرها النظام وربما مقهورة وممنوعة، أو على درجة عالية من الرقي إلى الدرجة التي كان ظهورها يحرج النظام وأتباعه أو يشوه سياساتهم، ومنهم العلماء وأصحاب الرأي والفقهاء الأحرار والسياسيون المتوازنون وأعضاء بعض الأحزاب والجماعات الإسلامية. 

سار النهج الإعلامي على خطى تمثل صعوبة بالغة للعاملين فيه تتعلق بالتواصل مع الجمهور بالشكل المباشر الحقيقي دون تجهيز مسبق بالرقابة الأمنية على المعروض؛ مما أدى في كثير من الأحيان إلى مواجهات لفظية واتهامات للإعلام المصري على الهواء مع عدم استطاعة الرد عليها بالشكل المباشر وقد أدت هذه المواجهات إلى قطع الاتصال على الجمهور في بعض المواقف، وتغيير مجرى الحوار الأمر الذي يزيد المصداقية ضعفا والاحترام فقدانا. 

وجوه مكشوفة 

واحتار الإعلاميون في النظام الجديد غير المضبوط باستراتيجية للعمل، فأصبح العمل الإعلامي بلا نظام، يتم من خلال أطر عامة تراعي عدم التصادم مع الثورة وشبابها، فكان التوتر والقلق وعدم التوازن الذي أصيب به الإعلاميون في الإعلام المصري بعد الثورة، فوقعوا في فخ آخر فلا استفادوا قبل الثورة بإبداعاتهم في ظل إعلام حر، بل عاشوا تحت رقابة مشددة تعوق حتى مجرد التفكير في الإبداع والتجديد، ولا استفادوا بعد الثورة بالحرية لعدم مصداقيتهم أمام الجمهور وفقدهم احترامهم للذات؛ نتيجة لما اتبعوه من تشويه للحقائق والكذب والتضليل والاستعانة بالمصادر الناهبة لقوت المصريين؛ فحبطت حجتهم من قبل ومن بعد، ونشأت في الوقت ذاته الصراعات داخل الجهاز الإعلامي المصري على مَنْ يدير، ومَنْ يحكم، ومَنْ يظهر على الشاشة، ومن يأتون به كمصدر للمعلومة، ومَنْ يأخذ الحوافز والرواتب، ومَنْ يجب أن يترك الإعلام برمته.. وأصبح الوضع مسألة حياة أو موت.

فكان العمل غير الممنهج الذي يحول دون العمل في كنف الحرية التي منحتها لهم الثورة، فانقلبوا على أنفسهم خاسرين الرسالة الصادقة والمضمون المتوازن والجمهور الواعي وربما المؤسسة الإعلامية فيما بعد.

البحث عن مخرج 

بحثوا عن مخرج في العديد من الطرق وليس الاستراتيجيات لأنها جميعا فردية غير محكمة ومنها استضافة الرموز التي حظرت من قبل، ولكن يتم وضعها في موضع لا تحسد عليه؛ فيوجه لها نفس الأسئلة التي كانت قبل الثورة؛ قصد الإحراج أو تشويه الصورة الذهنية وتضليل الناس بالجهل كذا يتم الاستعانة بمجموعة متعارضة في الاتجاه والرؤى لا بقصد التقريب بينها لمصلحة الوطن، ولكن بنفس الاستراتيجية الساقطة لما سبق من نظام يدعم الفوارق والفرق والانقسامات؛ فلربما نفع هذا الطريق لعقود من الزمان في دعم نظام كامل له بالمال والأجهزة الأمنية والكوادر التي أخلصت بكل ما أوتيت من مكر رهيب للنظام وأتباعه ولكن في مثل هذه الظروف والمستجدات الكبيرة لا تجد لها تبريرا غير الخسران المبين. 

كما يتم دعم الأمية السياسية للمواطن وهو ما ظهر بجلاء وقت الاستفتاء على التعديلات الدستورية من خلال الاستعانة بأشخاص ليسوا متخصصين يسببون بلبلة فكرية وفقهية وسياسية، وتم ربط الموضوعات السياسية بالإسلام بشكل صريح لدعم الفتنة الطائفية، فأظهروا "نعم" للتعديلات تعني "نعم للإسلاميين"؛ لأنهم أعلنوا وروجوا لذلك، ولا تعني المتحررين والداعين لمصلحة مصر السياسية من وجهة نظرهم واستغلت الفكرة لدعم "الإسلاموفوبيا"، وتمت الاستعانة بـ"السلفين" في وسائل الإعلام الحكومية من أجل تشويه صورتهم الذهنية لدى المواطنين في وقت اتخاذ القرارات السياسية في الاستفتاء المصري؛ مما ظهرت بوادره وقت إجراء الاستفتاء، وخاصة على مستوى المواطن البسيط الذي لا يستطيع تكوين رؤية حقيقية ورأي سديد حول القرار الرشيد.

تشويه الصورة 

وتتابعت الرسائل على الإعلام المرئي والمسموع في الإذاعة المصرية بعد إعلان النتيجة لصالح "نعم" للتعديلات، فبدأت المواجهات الإعلامية للنتيجة ورفضها، وتشويه صورة الإسلاميين وكأنهم أصحاب التعديلات وصانعوها، واستعان الإعلام بكوادر حزبية معارضة للإسلاميين وتابعة للفكر الليبرالي الرافض لفكرة الثوابت الدينية والشرعية في الفكر الدستوري الجديد؛ مما أحدث بلبلة فكرية جديدة من خلال الرفض للديمقراطية والمطالبة بإرجائها لحين تطور الفكر السياسي لدى المواطنين، وتنمية قدراتهم على تكوين الأحزاب السياسية والتخويف من القوة السياسية للإخوان المسلمين.

واتسع نشر ودعم "فوبيا الإسلام" إلى "فوبيا الجماعات الإسلامية والإخوان" بشكل واسع حتى حدثتني إحدى المذيعات أنها تأتي بهم في برنامجها لتشويه صورتهم لدى الجمهور بأنفسهم (!!) فهي لا تمتلك سبل الحوار معهم، وليس لديها ثقافة دينية للحديث معهم حول الموضوعات الدينية أو غيرها، ولكن ما تمتلكه هي وفريقها طريقة عرضهم، وبعض الطرق الفنية الخاصة بالإضاءة والإخراج وزوايا الكاميرا، وهي عوامل لتحسين الصورة أو الإساءة إليها بدون تدخل لفظي!! 

تزوير الحقائق 

وعلى مستوى الصورة في الإعلام الحكومي، استخدمت لتشويه معالم الرسالة الإعلامية سواء ارتبطت بالشخصيات وخاصة الدينية والسياسية والحزبية أو ارتبطت بالفكرة والفكر أو بأتباعها من الجمهور، فكانت حربا وليس ثورة مضادة كما يسمونها، ولكن على مَنْ؟ ولمصلحة مَنْ؟ ومَنْ يدفع الثمن؟ تساؤلات ربما تجيب عنها مصطلحات جديدة في الساحة الجماهيرية مثل فلول النظام والبلطجية ورجال الأعمال للنظام الساقط .. ومن المظاهر الواضحة لتشويه الصورة تركيب اللحية للرجال لتخويف الناس من المسلمين الملتحين ومن اتجاهاتهم نحو الفن والإعلام والتصوير من زوايا تُظهرهم ،إرهابيين وتصوير بعض الأفراد الملتحين وهم يدخلون سيارات الشرطة والقول بأنهم هم السبب في الخراب.

وعلى مستوى الخبر الإعلامي والتحليلات السياسية، نجد سرعة صياغة الخبر بطريقة تدين المسلمين وفئات خاصة منهم في المجتمع المصري، ومنها ما حدث في "أحداث إمبابة" التي أسفرت عن حرق كنيسة وقتلى، حيث تم الإعلان الفوري بأن مجموعة من المسلمين قاموا بحرق كنيسة، ومرة أخرى مجموعة من "السلفيين" قاموا بأعمال عنف في إمبابة ضد الأقباط !! وكلها أخبار عارية عن الدقة والصدق في عرض الخبر، والأهم من ذلك أنها تلعب على جانب قوة السبق الإعلامي أو الخبر الأول عند عرضه على الجمهور، من حيث ثباته وسرعة تداوله وتصديقه وصعوبة تغييره، وذلك على الرغم من تكذيب شهود العيان للخبر من خلال مداخلاتهم على نفس القنوات، وهو ما يؤدي إلى مزيد من الإساءة السياسات الإعلام الحكومي الساقط، حيث لا يدرك مدى قوة الإعلام الجماهيري في عرض الحقائق بالصورة بشكل مباشر على الإنترنت وتداولها بين الشباب؛ فيُحدث مزيدا من الارتباك لهؤلاء الإعلاميين المزورين للحقائق على مسمع ومرأى من الناس، كما يحاول إعطاء الشرعية للأقباط لتظاهراتهم ومطالبهم بالمساواة والتشكيك في المجلس العسكري ،وقراراته طالما أدخلت عناصر مسيحية ضمن المثيرين للعنف الطائفي والمحرضين عليه والممولين له.

وعي الجمهور 

ولم يخف على الجمهور هذه الحيل والمكايد للدين وللإسلام؛ مما أثرى الحوار الإلكتروني بين الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت، وعمل قائمة سوداء لهؤلاء الإعلاميين ومتابعة عروضهم للقضايا المختلفة، فأصبحوا تحت الميكروسكوب الجماهيري بديلا عن الرقابة للأجهزة الأمنية للرئيس الساقط، وهو ما يمثل أكبر التحديات للإعلام المصري بعد الثورة. 

ولكن أين الإعلام الأكاديمي الحكومي اللعبة السياسية بعد الثورة؟ لم يسلم من الثوار والثائرين على فلول النظام، ومنهم بعض الأساتذة والعمداء الذين عاشوا وتربوا على فكر الرئيس الساقط وعملوا له وبه من خلال المؤسسة الأكاديمية الحكومية، ومؤسسات الدولة الإعلامية، ومن خلال مؤسسات خاصة أنشؤوها لدعم النظام والتربح منها بتسهيلات لم تكن مطروحة لأحد غيرهم، وبمراقبة أمنية صارمة وبتعيينات مباشرة من قبل الرئيس.. فظل الإعلام المصري الأكاديمي والتطبيقي يدور في فلك هذه الحكومة، في أطر لا تسمح بالإبداع والتميز بل بالتبعية العمياء للإعلام الغربي، وهو ما يتعارض مع واختلاف الطبائع الجماهيرية والظروف اختلاف البيئات الاجتماعية السياسية والمستجدات التكنولوجية. 

وفي الوقت الذي ترفض الكوادر الأكاديمية وضع نظريات من قبل الباحثين تربط أبحاثهم بالواقع العربي والمصري والإسلامي نجد هؤلاء الكوادر لا يقدمون من قبلهم نظريات يمكن خلالها تطوير الإعلام المصري وعلى الرغم من أن بعضهم مارس بالفعل الدعاية للنظام الساقط، وكان جزءا منه من خلال عضوية مجلسي الشعب والشورى والمجلس الأعلى للصحافة؛ فإنهم لم يستطيعوا مساعدة النظام بخبراتهم الأكاديمية على تحقيق تنمية فعلية في قطاع الإعلام، فقد شملهم أيضا التحجيم للرؤى 

والإبداع إلا في الأطر المسموح بها، وهو ما امتد إلى الدراسات العليا وأبحاث الإعلام، كذلك منع العديد من العناصر الحرة أو صاحبة أي اتجاه مخالف للنظام من الحصول على وظيفة أو العمل حتى بالقطعة. 

وعلى مستوى العمل المدني، لم يحقق الإعلام المصري ما يساعد الإعلاميين في الانتماء إلى نقابة ولا العمل في كنف ميثاق شرف يعمل من خلاله جميع الإعلاميين في مصر، فقامت بعض الاتجاهات للمطالبة بإنشاء نقابة تحميهم وتنظم عملهم، وحتى في هذا المجال سريعا ما ظهر الصراع حول مَنْ يبدأ العمل، ومَنْ يقوم عليه، ومَنْ يضع ميثاق الشرف، والأمر مازال في طور الجدال التنظيمي والقانوني. 

تحديات وعراقيل 

ومن التحديات التي تواجه الإعلام المصري وجود إعلاميين يقومون بدور الأمن، وهذه المشكلة تمثل تحديا كبيرا خلال الفترة المقبلة، وهم مَنْ كانوا يتقاضون رواتبهم بناء على نقلهم للرسائل التي يتلقونها من أجهزة "أمن الرئيس" كما هي، وهم الآن يستخدمون أساليب مناهضة للثورة ومدافعة عن رجال الحكومة السابقين، وانتقاد تصوير المسؤولين المتهمين في بعض قضايا الفساد بشكل غير لائق، والتأكيد على ضرورة احترامهم والدعوة إلى التخلص من الرغبة في الانتقام، أو انتقاد الإعلام قبل .. الثورة. ولا أتصور تحمل المواطن المصري من قوته وقوت أولاده وبما يدفعه من ضرائب ليتقاضى هؤلاء المفسدون رواتبهم شهرياً على نحو يتعدى ما ينفق على التعليم ،والصحة، كما لا أتصور أن يلجأ المسؤولون في الإعلام الحكومي إلى دعوتهم للخروج من الساحة بالمعاش المبكر وضياع ثروات البلاد باحتفاظهم بمرتباتهم العالية؛ مما يزيد من الأعباء المالية على الشعب المصري. 

وتوالت مؤتمرات للإعلام المصري بعد "ثورة ٢٥ يناير" تدين جميعها تغطية الإعلام المصري للثورة، وتعتبرها جريمة يجب محاسبة المسؤولين عنها، ومنهم الكوادر وملاك المؤسسات الإعلامية ومديروها، بما يحملونه من استراتيجيات وسياسات ربما لا تدعم النظام الساقط بشكل مباشر، ولكنهم يقفوا حجرة عثرة أمام الإعلام الحر والمتوازن.. ولكن هل لهذه التحديات من سبيل للخروج لنور الحقيقة والمهنية واحترام الذات؟ 

السبيل لإعلام راق 

ربما يكون السبيل في تقليص الميزانيات المخصصة للإعلام من جانب الدولة، وفي استمرار الحوار للوصول إلى صيغة أفضل للإعلام المرئي والمسموع والمقروء خلال الفترة المقبلة، خاصة الإعلام الحكومي، والتعامل مع وسائل الإعلام الجديدة بشكل مهني ومتطور يراعي المستجدات في النظريات الإعلامية التي حولت الجمهور من مستقبل إلى مستخدم، ثم إلى صانع للرسالة الإعلامية ومقيم لها ومديرها. 

وأن تكون القنوات الأرضية والترددات الإذاعية ملكا للشعب، فوجود قناة إذاعية واحدة فقط كإذاعة خاصة يعتبر نوعا من الاحتكار الذي يجب القضاء عليه خلال الفترة المقبلة، وتدعيم دور الرقابة الشعبية ومحاسبة المضللين للحقائق والكاذبين محاسبة علنية وفورية وعادلة، ودعم الإعلام الشبابي والاتفاق على ميثاق شرف يحكم عمل المهنة ضمن نقابة تضم كافة الإعلاميين في كافة مجالات الإعلام التقليدي والجديد الممارسين منهم للمهنة والأكاديمين في المؤسسات التعليمية ،الإعلامية ومشاركة فئات متنوعة لتقييم العمل الإعلامي الدوري منهم الإعلاميون والأكاديميون والجمهور والنقاد، وفتح المجال للعمل الإعلامي الجماهيري الواعي، وتسهيل الحصول على التراخيص في إطار من القواعد الحاكمة للعمل الإعلامي الراقي والمستنير والمحافظ على ثوابت الدولة ووحدتها.

الرابط المختصر :