; دراسات في السيرة.. حلقة 26 | مجلة المجتمع

العنوان دراسات في السيرة.. حلقة 26

الكاتب محمد النايف

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يناير-1976

مشاهدات 136

نشر في العدد 282

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 13-يناير-1976

نقد الأدلة التي اعتمدها الإصلاحيون في تأويل المعجزات وإنكارها

عرفنا من الحلقة السابقة موقف المدرسة الإصلاحية من الخوارق، ونعيد عرضه بشكل موجز:

أنكروا الكرامة منذ أول طريقهم وأولوا المعجزة حتى أفقدوها معناها الحقيقي، وجعلوها حدثًا عاديًا ليس فيه خروج ولا خرق للقوانين الطبيعية، وانتهوا بإنكار كل خارقة معجزة كانت أو كرامة.

والأدلة التي اعتمدوا عليها أخطر من التأويل، وأسوأ من التفويض أو الإنكار. والذي سهل على الإصلاحيين شذوذهم، وبعدهم عن منهج خير القرون تلك المكانة الرفيعة التي بوأوها للعقل عن غير جدارة ولا استحقاق.

ولا بد لنا أن نلم أولًا بموقفهم من العقل، ونسلط الأضواء على هذا الموقف المعوج، ثم نمضي في نقد الأدلة التي اعتمدوها في تأويل الخوارق وإنكارها. 

جعل الإصلاحيون للعقل مكانة كبيرة، وأخضعوا لسلطانه كل ألوان العلوم والمعرفة دون تمييز بين النظرية والغيبية منها، ولهذا صار العقل عندهم أكثر من ند للوحي.

 وإذا كنا نعلم شرعًا أن الوحي هو كلام الله -تعالى- المنزل على نبي من أنبيائه، ونؤمن كذلك أن عقولنا القاصرة تعجز عن الإحاطة بمدى قدرة الله. فالإصلاحيون رفضوا الاعتراف بقصر العقول وضيقها، وأوجدوا تعريفًا للوحي مخالفًا لما عليه جمهور المسلمين فقالوا: 

الوحي عرفان يجده الشخص من نفسه، مع اليقين بأنه من الله بواسطة أو بغير واسطة، والأول بصوت يتمثل السمعة أو بغير صوت (۱). 

وبتعريفهم هذا لا يخرج الوحي عن إطار العقل، لأنه عرفان يجده الشخص من نفسه.

ويسرف الشيخ محمد عبده في قيمة العقل وعلو شأنه، فيعتقد أنه من الممكن أن يهتدي الإنسان عن طريق العقل وحده إلى واجب الوجود وإلى حياة بعد الموت، وإلى قانون يشجع فيه الفضائل ويحذر فيه من الرذائل.. وشريعته هذه مقبولة إن لم تبلغه دعوة الرسل. 

ويقول الشيخ محمد عبده في موضع آخر كلامًا قريبًا من هذا:

قال قائلون من أهل السنة: «إن الذي يستقصي جهده في الوصول إلى الحق، ثم لم يصل إليه، ومات طالبًا غير واقف عند الظن، فهو ناج فأي سعة لا ينظر إليها الحرج أكمل مَن هذه السعة (۲)».

وهذا معناه أن سقراط وأفلاطون وأرسطو ناجون من عذاب جهنم لأنهم ماتوا وهم يبحثون عن الحق كما يراه الإمام!! 

ويعتقد الإصلاحيون أن الإيمان بوجود الله- تعالى- وبقدرته على إرسال الرسل لا يمكن معرفته إلا من طريق العقل. قال الشيخ محمد عبده:

«وتقرر بين المسلمين كافة- إلا من لا ثقة بعقله ولا بدينه- أن من قضايا الدين ما لا يمكن الاعتقاد به إلا من طريق العقل، كالعلم بوجود الله وبقدرته على إرسال الرسل، وعلمه بما يوحي به إليهم، وإرادته لاختصاصهم برسالته، وما يتبع ذلك مما يتوقف عليه فهم معنى الرسالة وكالتصديق بالرسالة نفسها. كما أجمعوا على أن الدين إن جاء بشيء قد يعلو على الفهم فلا يأتي بما يستحيل عند العقل» (۳). 

وأخيرًا يقرر الإصلاحيون أنه عندما يتعارض نصان أحدهما عقلي والآخر شرعي، يقدم العقلي لأنه أصل الشرع. 

قال محمد عبده:

«اتفق أهل الملة الإسلامية، إلا قليلًا ممن لا ينظر إليه، على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل، وبقي في النقل طريقان: طريق التسليم بصحة المنقول من الاعتراف بالعجز عن فهمه، وتفويض الأمر إلى الله في علمه، والطريق الثانية: تأويل النقل مع المحافظة على قوانين اللغة» (٤).

وخلاصة اعتقاد الإصلاحيين إذن: 

أنه لا تمكن معرفة الله إلا عن طريق العقل. والعقل يقدم الشرع عند التعارض لأن العقل أصل الشرع وعن طريقه أمنا بالله، ورسله، ورسالاتهم، والوحي. ومن مات وهو يبحث عن الحق، غير مقتنع بالظن، فهو ناج من عذاب جهنم، وإن لم تبلغه رسالة نبي من الأنبياء وهم في كل هذا لم يأتوا بجديد من القول، بل رددوا كلام سلفهم من المعتزلة، وقلدوهم دون أي ابتكار. 

ولنأتي بنص قديم للمعتزلة ثم نترك للقارئ الفطن أن يقابله بكلام محمد عبده السالف الذكر.

«إذا تعارضت الأدلة السمعية والعقلية، أو السمع والعقل، أو الظواهر النقلية والقواطع العقلية، أو نحو ذلك من العبادات، فإما أن يجمع بينهما، وهو محال، لأنه جمع بين النقيضين، وأما أن يردا جميعًا وإما أن يقدم السمع وهو محال، لأن العقل أصل النقل فلو قدمناه عليه كان ذلك قدحًا في العقل الذي هو أصل النقل، والقدح في أصل الشيء قدح فيه، فكان تقديم النقل قدحًا في النقل والعقل جميعًا، فوجب تقديم العقل ثم النقل إما أن يتأول، وإما أن يفوض) (٥).

وللحق نقول: 

إذا كان الإصلاحيون قد أخذوا بعض آراء المعتزلة في تضخيم قيمة العقل فليس معنى هذا أنهم صاروا معتزلة. إن لهم مهمة واحدة: أن يوفقوا بين الإسلام وحضارة الغرب، ومن أجل هذا يلوون أعناق النصوص ويأخذون من كل فرقة ما يناسب بدعتهم الجديدة. من أجل هذا أخذوا بعض آراء المعتزلة التي تدعو إلى تقديس العقل، وأخذوا آراء زعماء التصوف كالغزالي وابن عربي في الفلسفة والمنطق، وأخذوا من السلفيين- كابن تيمية وابن القيم وابن كثير- تحررهم من تقليد المذاهب، لا من أجل الاجتهاد المشفوع بالدليل الذي تطمئن إليه النفس، بل من أجل الثورة على كل تقيد، واعتبره محمد عبده في تفسيره لونًا من ألوان الكفر، ويخطئ جدًا من يظن أن الإصلاحيين من مدرسة السلف وأهل الحديث.. وأحيانًا نقلوا آراء المذاهب إن كانت توافق نزعتهم الجديدة.

ومن هذا الخليط العجيب، وما أضافوا عليه صنع الإصلاحيين مدرستهم الجديدة.

وإذا كان محمد عبده لم يأتنا بجديد وإنما ردد كلام أئمة الاعتزال فيما نقلنا له قبل قليل.. وكلام المعتزلة سلط عليه الأضواء علماء كشفوا زيفه، وهتكوا أسراره، وفندوا للناس عواره، فما علينا ألا أن نلخص ما كتبه علماء التوحيد الذين عاصروا المعتزلة ثم الذين جاءوا بعدهم، معتمدين على كتابين: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، والاعتصام للشاطبي. 

يقول محمد عبده: تقرر بين المسلمين، كافة إلا من لا ثقة بعقله ولا بدينه، أن من قضايا الدين ما لا يمكن الاعتقاد به إلا من طريق العقل كالعلم بوجود الله وبقدرته على إرسال الرسل ويخلص من هذا أن علماء الأمة متفقون على أن العقل أصل النقل.

وهذا الاتفاق الذي زعمه لا أصل له، لا أقول عند علماء السنة وإنما حتى علماء الاعتزال.

فمن أئمة السلف الذين قالوا: إنها طريقة باطلة في نفسها وما جاء بها الرسول ولا القرآن ولا الصحابة ابن المبارك، الشافعي، أحمد بن حنبل، إسحاق بن راهوية، وأبو يوسف، مالك بن أنس.

والمعتدلون من أئمة الاعتزال قالوا: إنها طريقة صحيحة لكن أعرض عنها السلف لطول مقدماتها وغموضها، وما يخاف على سالكها من الشك والتطويل.

ولا يمكن أن يكون العقل أصلًا في ثبوت النقل، لأن ما هو ثابت، ثابت علمنا به أو لم نعلم، وعدم العلم ليس علمًا بالعدم، وعدم علمنا بالحقائق لا ينفي ثبوتها في أنفسها. 

فثبوت الرسالة ليس موقوفًا على وجودنا أو عقولنا، أو على الأدلة التي نعلمها بعقولنا. والعقل إذن ليس أصلًا لثبوت الشرع في نفسه لأن المعلوم مستغني عن العلم. 

فوحدانية الله، وأسماؤه وصفاته، وكتبه، ورسله، وملائكته..

إن هذه المعلومات ثابتة سواء علمنا بها أو لم نعلمها، وهي مستغنية عن علمنا بها.. 

ومرة أخرى يزعم محمد عبده بأن أهل الملة الإسلامية اتفقوا على تقديم العقل على النقل عند التعارض.

وأهل الملة الإسلامية قول ثقيل. ولا يمثلهم الإصلاحيون والمعتزلة، وإن كانوا من شواذهم، والزعم بتعارض عقلي قطعي مع نقلي قطعي لا يمكن أن يقع، أما إذا كان النصين أحدهما قطعيًا والآخر ظني، أو كانا ظنيين، يقدم الأرجح سمعيًا كان أو عقليًا، والأصل في التقديم الترجيح والدليل وليس لأنه سمعي أو عقلي. 

وإذا سلمنا جدلًا بتعارض العقلي القطعي مع النقلي القطعي، فيكون العيب في العقل لأنه دل على صحة النقل ووجوب قبول ما أخبر به الرسول- صلى الله عليه وسلم-، ثم عاد ينقض هذه الدلالة وذلك يوجب فسادها، وإذا تعارض دليلان أحدهما علمنا فساده، والآخر لم نعلم فساده كان تقديم ما لم يعلم فساده أقرب إلى الصواب من تقديم ما يعلم فساده (۷)

أما العقل الذي يريد منا الإصلاحيون أن نقدمه على النقل فهو ينفي اليوم ما سبق وأثبته، وأهل الفترات وضعوا أحكامًا على العباد، وجدت العقول التي تنورت بالشرع بهتانها وضلالها وجهلها، مع أنهم أدركوا بعقولهم أشياء وافقت الشرع لكن بقيت عقولهم قاصرة عن إدراك أكثر ما جاء به الشرع، رغم أنها كانت عقولًا باهرة 

فالعقل إذن قاصر الإدراك في علمه ومفتقر إلى التنبيه، والإنسان كلما يأتيه زمن يعقل ما لم يكن يعقله ولا يختص ذلك عنده بمعلوم دون معلوم ولا بدأت دون صفة ولا فعل دون حكم. 

والمعلومات عند العلماء ثلاثة أقسام:

1- قسم لا يعلمه الإنسان البتة. كالمغيبات عنه. 

2- وقسم ضروري لا يشكك فيه كعلم الإنسان بوجوده، وعلمه بأن الاثنين أكثر من الواحد وأن الضدين لا يجتمعان.

3- قسم نظري يمكن العلم به ويمكن ألا يعلم به -وهي النظريات- وتعلم بواسطة لا بأنفسها. 

والقسم الثالث هو المجال الوحيد الذي من الممكن أن يخوض فيه العقل ومع ذلك فأهل العقول متفقون على أنه لا يمكن الاتفاق فيها لاختلاف القرائح والأنظار (۸).

وما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- معلوم بالاضطرار كتوحيد الله، وإثبات المعاد، وإيجاب العبادات وتحريم الظلم والفواحش وما كان معلومًا بالاضطرار لا يمكن أن يناقضه عقلي قطعي، لأن الله مطلع على أمور عباده ومعلوماته غير متناهية، بينما معلومات العبد ناقصة ومتناهية ويعجز أن يصنع شيئًا دون مشيئة الله- سبحانه وتعالى-:

﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (التكوير:28-29)

ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- بلغ البلاغ المبين، الذي فرق فيه بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال… فكيف نجعل العقل حاكمًا على الله تعالى بعد كل هذا؟. 

وكيف نتصور أن الله يقول شيئًا ناقصًا لا يثبت أمام العقل؟

وكيف نقدم الناقص على الكامل في أمور معلومة من الدين بالضرورة؟ غفر الله للإصلاحيين ألا جل علماء الغرب- وهم طغمة من الملاحدة- يميلون عن هدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وصحبه والتابعين- رضوان الله عليهم-؟. 

كان سلفنا الصالح يكرهون الفلسفة وشكوكها، ويجتنبون الخوض فيها إلا إذا كانوا مضطرين لإظهار الحق وقهر الباطل.

قال مالك بن أنس- رحمه الله-: الكلام في الدين أكرهه، ولم يزل أهل بلدنا-المدنية- يكرهونه وينهون عنه، نحو الكلام في رأي جهم والقدر وكل ما أشبه ذلك. ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل فأما الكلام في الدين وفي الله- عز وجل- فالسكوت أحب إلي، لأني رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في الدين إلا فيما تحته عمل.

وقال ابن عبد البر: الكلام في الدين نحو القول في صفات الله وأسمائه، وضرب مثلًا نحو رأي جهم والقدر- قال-: والذي قاله مالك عليه جماعة الفقهاء قديمًا وحديثًا من أهل الحديث والفتوى، وإنما خالف في ذلك أهل البدع.. وأما الجماعة فعلى ما قال مالك- رحمه الله-. الا أن يضطر أحد إلى الكلام فلا يسعه السكوت إذا طمع في رد الباطل وصرف صاحبه عن مذهبه، وخشي ضلالة عامة أو نحوها هذا.

وقال أحمد بن حنبل:

لا يفلح صاحب الكلام أبدًا ولا تكاد ترى أحدًا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل. 

وعن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال:

اتقوا الله في دينكم. قال سحنون: يعني الانتهاء عن الجدل فيه وخرج ابن وهب عن عمر أيضًا أن أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم أن يحفظوها، ويفلتوا منهم أن يعوها واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا لا نعلم، فعارضوا السنن برأيهم، فإياكم وإياهم.

وكان الربيع بن خثيم يقول: 

يا عبد الله! ما علمك الله في كتابه من علم فاحمد الله، وما استأثر عليك به من علم فكله إلى عالمه، لا تتكلف، فإن الله يقول لنبيه:

﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (ص:36) (۹). 

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ (آل عمران:7). 

﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ (آل عمران:7)

(1)- الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده: 3/415 

(٢-٤)- الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده: 3/ 282 

(۳)- الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده: 3/357 

(5)- درء تعارض العقل والنقل: 1/4 

(6)- الأدلة السمعية والنقلية والشرعية أسماء مترادفة والمعنى واحد. 

(7)- درء تعارض العقل والنقل: 1/ 171

(8)- الاعتصام للشاطبي 

(9)- الاعتصام: 2/232-٢٣٦

 

الرابط المختصر :