العنوان دراسات في فقه الدعوة ... تعدد صور البيعة
الكاتب د.عصام البشير
تاريخ النشر الثلاثاء 28-نوفمبر-1989
مشاهدات 78
نشر في العدد 943
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 28-نوفمبر-1989
- البيعات التي تعطى العمل الجماعي مندرجة في عقد الإمارة الصغرى.
- الصيغة القولية أغلى أنواع الصيغ في باب العقود.
عهد وميثاق: جاء في اللغة ما يلي:
«بايعه عليه مبايعة: عاهده،
والمبايعة: المعاهدة، والعهد كل ما عوهد عليه، وكل ما بيْن العباد من مواثيق فهو
عهد»، هذا في مقتضى الدلالة اللغوية.
كما جاءت بمعنى العهد والميثاق في
مواضع متعددة من الوقائع السنية، أبرزها ما تم في بيعة العقبة الثانية حيث كانت
عهدًا وميثاقًا من أهل النصرة من الأوس والخزرج لرسول الله صلى الله عليه
وسلم، فعلى الدعاة أن يقيموا مثل هذه العهود فيها بينهم تناصرًا على الخير،
وتعاونًا على البر، وتكاتفًا على المعروف، ومعوانًا على الحق لتمكين دين الله
وإنقاذ شرعه وتطبيق حكمه، وما أجمل هذا العهد الذي حث ابن تيمية أن يقوله الأستاذ
لتلميذه وكيف أن من التزمه كان من المجاهدين في سبيل الله، «عليك عهد الله
وميثاقه، أن تُوَالِيَ من وَالَى الله ورسوله وتعادِي من عادَى الله ورسوله،
وتعاون على البر والتقوى، ولا تعاون على الإثم والعدوان، وإذا كان الحق معي نصرت
الحق، وإن كنت على الباطل لم تنصر الباطل، فمن التزم هذا كان من المجاهدين في سبيل
الله الذين يريدون أن يكون الدين كله الله، وتكون كلمة الله هي العليا».([1])
وقد حدثت عهود ومواثيق قبل قيام
الدولة الأولى وبناء الحكم فيه كبيعة العقبة الثانية مما يفيد أن مثل هذا العهد هو
مرحلة لازمة نحو استئناف الخلافة.
ومن صور العهود ما وقع من تعاهد بعض
المجاهدين للزبير بن العوام- ولم يكن أميرًا- في واقعة اليرموك على
الموت ليقتحم بهم حصنًا من الحصون.([2])
الخلاصة:
إن البيعات التي تعطَى في العمل
الجماعي هي مندرجة في عقد الإمارة الصغرى على عمل مشروع تريد من شأنه توكيدًا
وتثبيتًا ولزومًا، وهي مرحلة ضرورية نحو ذلك العقد الجامع تستمد حرمتها من كونها
شُعَبٌ تصب في البيعة الخلافية المستقبلية، والوفاء بها لازم شرعًا لكل من تلبث
بها بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۚ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ
كَانَ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء:34).
- صيغ عقد البيعة
تعدد صيغ البيعة وألفاظها بتعدد
الظروف والأشخاص والأحوال والمهمات، ولم يرد في نصوص السُّنة ما يفيد حصر البيعة
في ألفاظ بعينها، بل ذلك عائد إلى صفة عقد البيعة ومضمونه، وقد تنوعت الألفاظ بحسب
مقاماتها المختلفة التي وردت فيها.
قال ابن القيم: «كان النبي صلى الله
عليه وسلم يبايع أصحابه في الحرب ألا يفروا، وربما بايعهم على الموت، وبايعهم على
الجهاد، كما بايعهم على الإسلام، وبايعهم على الهجرة قبل الفتح، وبايعهم على
التوحيد، وبايعهم على التزام طاعة الله ورسوله، وبايع نفرًا من أصحابه ألا يسألوا
الناس شيئًا(3)، والمتتبع لعبارات البيعة يجد أنها تختلف تبعًا لمضمون العقد الذي
تدور عليه.
فقد وقعت البيعة العامَّة على
الإسلام كبيعة الناس يوم الفتح على الإسلام والشهادة، ففي رواية البيهقي «جاء
الناس الكبار والصغار، والرجال والنساء فبايعهم على الإسلام والشهادة»، ومنها
البيعة على أعمال الإسلام كبيعة النساء، ومنها البيعة على الهجرة كبيعة الناس على
الهجرة يوم الخندق.
ومنها البيعة على
النصرة - كبيعة سبعين رجلًا من الأنصار عند شِعب العقبة على النصرة.
ومنها البيعة على السمع والطاعة
والأثرة وقول الحق لا يخشى في الله لومة لائم، وعدم منازعة الأمر أهله كما في حديث
عبادة بن الصامت في بيعة العقبة الثانية.
ومنها البيعة على
الجهاد - مثل بيعة المهاجرين والأنصار على الجهاد في غزوة الخندق، وبيعة
بشير بن الخصاحية «على الإسلام والجهاد».
ومنها البيعة على النصيحة:
- مثل بيعة جرير بن عبد الله «وعلى النصح لكل مسلم».
ومنها البيعة على الموت وعدم القرار
من المعركة(4)، ففي بيعة الرضوان يوم الحديبية بايع المسلمون رسول الله صلى الله
عليه وسلم على ألا يفروا وعلى الموت، وكبيعة سلمة بن الأكوع التي كانت على الموت.
ومنها بيعة بعض الصحابة على ألا
يسألوا الناس شيئًا، ومنها بيعات تعاقدية على عمل ما كبيعة بعض المجاهدين يوم
اليرموك، فألفاظ البيعة تختلف بحسب مواضعها.
- اختلاف ألفاظ البيعة
ومن هنا فلا مانع من أن يتضمن عقد أي
بيعة ألفاظًا لم تَرِد في صور البيعات السابقة، ولكن تبقى صيغة العقد محكومة
بأمرين:
الأول: وهو في حق من انعقدت له
البيعة:
أن يكون مشتملًا على العمل بالكتاب
والسنة، والقيام بمضمون العقد والوفاء به وفق موازين الشرع.
الثاني: وهو في حق الطرف
المبايع:
ويتمثل: في السمع والطاعة
المبصرة والمشروطة بالمعروف والنصرة له على الحق، والعون له على البر ما
استطاع إلى ذلك سبيلًا بما يضمن الوفاء بميثاق العقد ومتطلباته، وعدم منازعته
في المعروف.
كما نستخلص من تعدد صور البيعة أنه
لا مانع من تنوعها بحسب اختلاف الأشخاص ومقاماتهم، فلا مانع من بيعة يبايع فيها
الوارد عن قبول الجماعة عضويته كنصير، ثم ثانية قبوله منتظمًا، ثم ثالثة عاملًا
عندما يستقر ويستأنس بذمته، ويوثق بقوته وعهده.
ولا مانع من توكيد العقد عند العزمات
والأزمات إيقاظًا للهِمم، وتذكيرًا بالواجب، وشحذًا للعزائم.
- صيغة عقد البيعة
تتنوع الصور في صيغة أخذ العهد،
وإجراء البيعة، تارة بالمباشرة أو الكتابة أو بالمشافهة، وأخرى بالكتابة، وثالثة
بقرينة الحال مما يدل على عدم حصرها في شكل معين.
1- الصيغة القولية:
وهي أعلى أنواع الصيغ في باب العقود
وهو النطق مشافهة بإعطاء العهد أو البيعة، وقد تتبعها مصافحة باليد علامة على تمام
الرِّضَى- كما حدث ذلك في عدد من بيعات الصحابة الرسول الله صلى الله عليه
وسلم ومنها بيعة العقبة الثانية، وبيعة الرضوان التي نزل فيها قوله
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ
اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (الفتح:10).
وقد تتخلف عنها المصافحة كما هو
الحال في بيعة النساء.
2- الكتابة:
وهي من أساليب إجراء عقد البيعة، فقد
ثبت أن عبدالله بن عمر رضي الله عنها أنه كتب إلى عبدالملك بن مروان يبايعه فكتب:
«بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: لعبدالملك بن مروان أمير المؤمنين، سلام
عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأقر لك بالسمع والطاعة على سُنة
الله وسنة رسوله فيها استطعت».
3- قرينة الحال:
وهي جائزة في سائر أنواع العقود وفي
عقد النكاح - فانتظام المسلم برامج الجماعة وأنشطتها ولوائحها، والسمع
والطاعة لقيادتها، وسماح الجماعة له بالحضور والمشاركة وممارسة حقوق العضوية تعبير
عن تراضي الطرفين.. وبذلك ينعقد العهد، بقرينة الحال وإن كانت دون المرتين
السابقتين.
(1) الفتاوى
رقم 21 / 28.
(2) البخاري - فضائل
الصحابة - باب مناقب الزبير بن العوام 7 /80 من فتح الباري.
(3) زاد المعاد 3 / 95.
(4) بايعوا الزبير على
الموت ليقتحم بهم حصنًا من الحصون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل