; دراسات في فقه الدعوة وسطية المنهج الفقهي بين دعاة المذهبية ومخالفيهم | مجلة المجتمع

العنوان دراسات في فقه الدعوة وسطية المنهج الفقهي بين دعاة المذهبية ومخالفيهم

الكاتب د.عصام البشير

تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-1989

مشاهدات 63

نشر في العدد 946

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 19-ديسمبر-1989

-      يجوز للمقلّد التنقل من مذهب إلى آخر بناء على قوة الحجة

-      القدرة على الاجتهاد لا تكون إلا بحصول علوم تفيد معرفة المطلوب

-      التقليد في المذهب جائز حتى للقادر على الاجتهاد

-      ضوابط شرعية توضح الرؤى بين التمذهب الصحيح والتعصب المذهبي

مسألة التمذهب والتقليد تعاورها طرفان غاليان، وثالث معتدل.. الأول فريق يوجب النظر على كل أحد. قال ابن تيمية «وكذلك المسائل الفروعية: من غالية المتكلمة والمتفقهة من يوجب النظر والاجتهاد فيها على كل أحد، حتى على العامة، وهذا ضعيف، لأنه لو كان طلب علمها واجبًا على الأعيان، فإنما يجب مع القدرة والقدرة على معرفتها من الأدلة المفصلة تتعذر أو تتعسر على أكثر العامة.(1)

الثاني يوجب التقليد على كل واحد. قال ابن تيمية «وبإزائهم من اتباع المذاهب من يوجب التقليد فيها على جميع من بعد الأئمة علمائهم وعوامهم» وهذا ما عناه صاحب «الجوهرة» في التوحيد بقوله:

وواجب تقليد حبر منهم

كما حكى القوم بلفظ يفهم

وكلا طرفي الأمر قد حاد عن جادة الصواب.

والثالث معتدل متوسط وهو الذي عليه جماهير الأمة أن الاجتهاد جائز في الجملة، والتقليد جائز في الجملة، لا يوجبون الاجتهاد على كل أحد ويحرمون التقليد، ولا يوجبون التقليد على كل أحد ويحرمون الاجتهاد، وإن الاجتهاد جائز للقادر على الاجتهاد، والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد، فأما القادر على الاجتهاد فهل يجوز له التقليد؟ هذا فيه خلاف، والصحيح أنه يجوز حيث عجز عن الاجتهاد إما لتكافؤ الأدلة، وإما لضيق الوقت على الاجتهاد، وإما لعدم ظهور دليل له. فإنه حيث عجز سقط عنه وجوب ما عجز عنه وانتقل إلى بدله وهو التقليد، كما لو عجز عن الطهارة بالماء، وكذلك العامي إذا أمكنه الاجتهاد في بعض المسائل جاز له الاجتهاد. فإن الاجتهاد منصب يقبل التجزؤ والانقسام، فالعبرة بالقدرة والعجز، وقد يكون الرجل قادرًا في بعض عاجزًا في بعض، لكن القدرة على الاجتهاد لا تكون إلا بحصول علوم تفيد معرفة المطلوب، فأما مسألة واحدة من فن فيبعد الاجتهاد فيها»(3).. بهذا العرض المستوعب يتضح أن القول بإيجاب التقليد أو بتحريمه على وجه الإطلاق قول يجفوه الصواب، وينحسر عنه قناع الحق. بل لابد من التفصيل في مقامات المكلفين وطبقاتهم. يقول الإمام البنا تأكيدًا لما قرره شيخ الإسلام: «لكل مسلم لم يبلغ درجة النظر في أدلة الأحكام الفرعية أن يتبع إمامًا من أئمة الدين، ويحسن به مع هذا الاتباع أن يجتهد ما استطاع في تعرف أدلة إمامه، وأن يتقبل كل إرشاد مصحوب بالدليل متى صح عنده صدق من أرشده وكافيته، وأن يستكمل نقصه العلمي إن كان من أهل العلم متى يبلغ درجة النظر» في هذا الأصل جماع لما خلص إليه أهل العلم واعتمدوه في مسألة الاجتهاد والاتباع والتقليد محررًا مما علق به من عصبية للمذهبية أو معاداتها .

أصناف الناس ومراتبهم:

الناس بالنسبة في أمر الاجتهاد والتقليد ثلاث مراتب.

الأولى: عالم بفقه الآيات ودلالاتها، والأحاديث ومضامينها، راسخ في معرفة قواعد الاستنباط، ومدارك الأدلة، وضوابط الاستدلال، وأصول التوفيق في ما ظاهره الاختلاف، ملمٌّ بلغة العرب، وتصاريفها، وله خبرة بمدلولات الألفاظ، عارف بمواقع الاختلاف والإجماع ومسالك المجتهدين.

الثانية: متبع ليست عنده القدرة على الاستقلال في البحث، واستخراج الدلالات من النصوص، واستنباط الأحكام منها، لكنه في الوقت نفسه يفهم الحجة ويعرف الدليل.

الثالثة: عامي لا يفقه معانى النصوص من القرآن والسنة، ولا يستطيع الاستنباط منهما ولا معرفة ما يطلب منه، يقول الأستاذ سعيد حوى «الناس في الأحكام العملية التي هي مدار علم الفقه ثلاثة أقسام:

(1)  إنسان وصل إلى رتبة الاجتهاد.

(2)  وإنسان عالم بمصادر القول وموارده ولم يصل إلى رتبة الاجتهاد.

(3)  وإنسان عامي عادى.

أما الأول: فمكلف في السير على ما يوصله إليه اجتهاده. وأما الثاني: فمكلف أن يسير على رأى من اقتنع أن معه الحق من الأئمة. وأما الثالث: فله أن يتابع أي إمام من الأئمة ممن سأله فأفتاه، فله أن يعمل بفتواه إن كان من أهل الفتوى والهدى، ومن ثم قال العلماء: العامي لا مذهب له، وقالوا العامي مذهبه مذهب مفتيه(4).

بهذه الضوابط يفهم التقليد ويمنع من التعصب فيه؛ إما تحريمه مطلقًا أو إنكاره بدون ضوابط، فهذا مما يعد مخالفًا لما اعتمده أهل العلم قال ابن عبدالبر: «العامة لابد لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها، لأنها لا تبين موقع الحجة، ولا تصل لعدم الفهم إلى علم ذلك؛ لأن العلم درجات لا سبيل منها إلى أعلاها إلا بنيل أسفلها، وهذا هو الحائل بين العامة وطلب الحجة. ولم يختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها، وإنهم المرادون بقول الله عز وجل: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43) وأجمعوا على أن الأعمى لابد له من تقليد غيره ممن يثق بمعرفته بالقبلة إذا أشكلت عليه، فكذلك من لا علم له، ولا بعد بمعنى ما يدين به، لابد له من تقليد عالمه، وكذلك لم يختلف العلماء أن لا يجوز للعامة الفتيا، وكذلك -والله أعلم- لجهلها بالمعاني التي منها يجوز التحليل والتحريم والقول في العلم»(5).

الضوابط العامة لمسألة التقليد:

(1)  إذا استبان للمقلد حكم صحيح بخلاف ما انتهى إليه إمام مذهبه وتيقن ذلك بصدق من أرشده وكفايته العلمية، ورسوخه الفقهي لزمه أن يتحرر من قولة إمامه أو مذهبه أو من قلده اتباعًا لما صح به الدليل وقوى به الأثر، ويحرم عليه أن يجعل فتاوى إمامه أو مذهبه بمنزلة نصوص الشارع. بل يعتقد أنه ما من أحد إلا راد ومردود عليه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم

(2) إذا تبصر إنسان بمعرفة مسألة ما من وجوهها المختلفة وصورها المتعددة، وأحاط بأدلتها ونصوصها، فعليه أن يتبع في تلك المسألة ما انتهى إليه اجتهاده وهداه إليه علمه.

(3) إن العالم بمصادر الأدلة، وموارد النصوص، وقواعد الفهم إذا عجز عن الاجتهاد في مسألة ما؛ إما لتكافؤ الأدلة أو لضيق وقته، أو لعدم ظهور دليل له جاز له التقليد. فالاجتهاد ليس أمرًا واحدًا، بل هو قابل للتجزؤ والانقسام.

(4) إن المقلد يجوز له التنقل من مذهب إلى آخر بناء على قوة الحجة وظهور الدليل، وليس من قبيل التتبع للرخص بغیر مستند شرعي. فقد نقل الشاطبي عن ابن حزم أنه حكى الإجماع على أن تتبع رخص المذاهب بغير مستند شرعی فسق لا يحل(6). وقال أبوالمحاسن الروياني: «يجوز تقليد المذاهب والانتقال إليها بثلاثة شروط: ألا يجمع بينهما على صورة تخالف الإجماع، كمن تزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود، فإن هذه صورة لم يقل بها أحد. وأن يعتقد فيمن يقلده الفضل بوصول أخباره إليه، ولا يقلد أميًا في عماية. وألا يتبع رخص المذاهب»(7).

وقال ابن تيمية: «إن كان انتقاله من مذهب إلى مذهب لأمر ديني مثل أن يتبين رجحان قول على قول»(8). فيرجع إلى القول الذي يرى أنه أقرب إلى الله ورسوله فهو مثاب على ذلك، بل واجب على كل أحد إذا تبين له حكم الله ورسوله في أمر ألا يعدل عنه.

(5) عدم التجاسر على الفتوى لمن ليس من أهلها، بل الواجب احترام التخصص، والرجوع في كل فن إلى عارفيه، فليس كل من قرأ الآية والآيتين، والحديث والحديثين نصب نفسه إمامًا للفتيا. فدلائل النصوص مشتملة على الخاص والعام والمطلق والمقيد، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ. والجلي والخفي، ثم هناك المعرفة اللازمة بلغة العرب والخبرة بمدلولات الألفاظ، وتصاريف اللغة والإدراك لمواضع الإجماع ومواقع الاختلاف، وأسباب النزول، وتاريخ الحوادث وفتاوى الصحابة، والمعرفة بمسالك الاستدلال، وقواعد الاستنباط، ومدارك الأدلة، وشروط الرواية. إضافة إلى الورع الحاجز عن الهوى والاعتدال المانع من طرفي الغلو والتساهل. فالفتوى بغير علم عظيمة المغبة، وخيمة العاقبة.

جاء عن ابن مسعود: «إن أحدكم ليفتى الفتوى لو سئل عنها عمر لجمع لها أهل بدر»(9)، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتدافعون الفتيا، كل واحد ود لو أن أخاه كفاه، إذ أجرأ الناس على الفتيا أجرؤهم على النار، وإذا كان التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا يخفى، فكيف بالتوقيع عن رب العالمين كما يقول ابن القيم»(10).

وقد جعل سبحانه القول عليه بغير علم قرينا للشرك قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 33). وقال عز وجل ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43) وقال جل وعلا ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (النساء: 83).

(6) إن أحد المجتهدين إذا ترك العمل بحديث من الأحاديث لعذر من الأعذار المعتبرة مثل اعتقاده عدم صحة الحديث أو أن ظاهر القرآن يخالفه، أو القياس أو عمل بعض الأمصار ثم تبين لمن يقلده أن ظاهر القرآن لا يخالفه، وأنه صحيح مقدم على الظواهر والقياس والعمل. لم يكن عذر ذلك الإمام المجتهد عذرًا في حقه. فإن ظهور المدارك الشرعية وخفاءها أمر لا ينضبط طرفاه(11). فتعين عليه العمل بما أوجبه الحديث الذي اعتقد صحته ودلالته وإن خالف إمامه.

بهذه الضوابط تتضح المعالم، وتستبين الرؤى بين التمذهب الصحيح، وبين التعصب المذهبي.

وأختم هذه المسألة بكلمة جامعة للإمام ابن القيم «إن الله تعالى أوجب على العباد أن يتقوه بحسب استطاعتهم. وأصل التقوى معرفة ما يتقى، ثم العمل به. فالواجب على كل عبد أن يبذل جهده في معرفة ما يتقيه مما أمره الله به ونهاه، ثم يلتزم طاعة الله ورسوله وما خفي عليه، فهو فيه أسوة أمثاله ممن عدا الرسول، فكل أحد سواه قد خفي عليه بعض ما جاء به ولم يخرجه ذلك عن أهل العلم، ولم يكلفه الله مالا يطيق من معرفة الحق واتباعه»(12).

ـــــــــــــــ

(1) الفتاوى 20/203.

(2) الفتاوى 20/203.

(3) الفتاوى 20/204.

(4) جولات في الفقهين الكبير والأكبر ص61.

(5) جامع بيان العلم وفضله باختصار 2/109- 114.

(6) انظر الموافقات 4/134.

(7) التقرير والتحرير 3/352.

(8) الفتاوى 20/223.

(9) انظر الجزء الأول من إعلام الموقعين.

(10) انظر الجزء الأول من إعلام الموقعين.

(11) الفتاوى ٢٠ / ٢١٤.

(12) إعلام الموقعين ٢ / ٣٤٧.

الرابط المختصر :