; دراسات نقدية: رواية «الإعصار والمئذنة» لعماد الدين خليل «۱من۲»ملامح الرؤية وقضايا الفن | مجلة المجتمع

العنوان دراسات نقدية: رواية «الإعصار والمئذنة» لعماد الدين خليل «۱من۲»ملامح الرؤية وقضايا الفن

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر الثلاثاء 09-يوليو-1996

مشاهدات 201

نشر في العدد 1207

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 09-يوليو-1996

«عماد الدين خليل» باحث متعدد المواهب، يكتب الدراسة التاريخية والأدبية، ويجيد فن المقالة بأنواعها، ويقرض الشعر، وله رواية واحدة هي «الإعصار والمئذنة» «١» موضوع هذا البحث كما كتب مجموعة من المسرحيات الطويلة، وأخرى من ذات الفصل الواحد.

أنتج عماد الدين خليل مجموعة كبيرة من الكتب في التاريخ الإسلامي والسيرة النبوية الشريفة والفكر الإسلامي والفلسفات المعاصرة وغيرها..

ومن هذه الكتب التي تصل إلى خمسين كتابًا أو تزيد: ملامح الانقلاب الإسلامي في خلافة عمر بن عبد العزيز - عماد الدين زنكي - الحصار القاسي - التفسير الإسلامي للتاريخ - نور الدين محمود: الرجل والتجربة - المقاومة الإسلامية للغزو الصليبي - لعبة اليمين واليسار- تهافت العلمانية - مقال في العدل الاجتماعي - العلم في مواجهة الماديةـ المأسورون «مسرحية» - في النقد الإسلامي المعاصر، جداول الحب واليقين «شعر»..

وُلد «عماد الدين خليل»، في مدينة الموصل بالعراق عام ۱۹۳۹م، وحصل على درجة الدكتوراة في التاريخ من جامعة عين شمس سنة ١٩٦٨م، وعين لفترة طويلة أمينا للمتحف الحضاري بالموصل، ويعمل الآن أستاذًا بكلية الآداب جامعة صلاح الدين بالعراق، ويعد من أبرز الدعاة إلى الأدب الإسلامي في العقدين الأخيرين، وله في هذا المجال أكثر من بحث ودراسة في المجالين التنظيري والتطبيقي.

ومع غزارة إنتاجه في المجالين الفكري والأدبي، إلا أنه لم يهتم بالفن الروائي اهتمامه بالمسرحية، لذا لم يقدم لنا غير رواية وحيدة، لعل دوافع كتابتها تكمن في وقوع أحداثها على أرض بلده التي ولد فيها ونشأ على أرضها وهي مدينة «الموصل».

ولأنه معني بالتاريخ بالدرجة الأولى فقد أراد تسجيل مرحلة من أخطر المراحل التي مر بها العراق عامة والموصل خاصّة، وهي المرحلة التي أراد فيها الشيوعيون العراقيون السيطرة على العراق وتحويله إلى دولة شيوعية، وقد ترتب على ذلك عنفٌ كثير ودماءٌ كثيرة أريقت على أرض بغداد والموصل، وانتهت المأساة بقتل «عبد الكريم قاسم» أو الزعيم الأوحد، كما كان يسمى، ولم يستطع أن يقيم الدولة الشيوعية كما كان يأمل ويسعى، وتعاقبت على بغداد حكومات وعهود أدخلتها في دوامات من المعاناة لم تنته حتى اليوم!.

وتقوم فكرة الرواية على إبراز مقاومة مدينة الموصل للحكم الشيوعي في بغداد الذي يقوده «عبد الكريم قاسم» وكان الرجل قد انقلب على رفاقه الذين قاموا بانقلاب عام ١٩٥٨م، وأتيح له أن يصفيهم بالقتل أو السجن، وأخذ يجمع حوله الشيوعيين العراقيين، ويقيم علاقة وثيقة مع موسكو زعيمة الشيوعية العالمية آنئذ، وترددت أخبار في ذلك الحين عن تمزيق الزعيم الأوحد للقرآن بل صدرت بعض الصحف في القاهرة، وجعلت عناوينها الرئيسة خبر تمزيق القرآن في بغداد على يد الشيوعيين والزعيم الأوحد.

وتسعى الرواية في الوقت ذاته إلى إبراز دموية النظام الشيوعي ورصد مظاهر قمعه وقهره للشعب العراقي، خاصة أهل الموصل.

ويقود المقاومة في «الموصل» العقيد «عبد الوهاب الشواف» الذي كان يشغل منصبًا عسكريًا كبيرًا ويقود القاعدة العسكرية هناك ويؤيده الشعب وزعماؤه، كما كان يحظى بدعم ضمني من دمشق والقاهرة، وإن لم تبرز الرواية إلا دعم الأولى الذي لم يتحقق، ويشارك في المقاومة علماء الدين والمواطنون رجالا ونساء، بل تركز الرواية على دور المرأة في الثورة من خلال بطلتها.

يسعى الزعيم إلى استفزاز أهالي الموصل الذين يرفضون نظامه الشيوعي، فيرسل رجاله الذين كان يطلق عليهم «أنصار السلام» إلى المدينة الإقامة الندوات والمهرجانات التي يهتفون فيها بالهتافات الشيوعية الاستفزازية من أجل الاصطدام بالجمهور، وهنا تتدخل السلطة للقمع والقضاء على خصومها.

ويبرز المؤلف وقائع القهر والمقاومة من خلال «سلمى» وخطيبها «عاصم الدباغ»، حيث تبدو «سلمی» متفاعلة مع حركة الجمهور ورفضه للشيوعية مع إيمانها بضرورة التصدي للنظام الظالم، ويظهر «عاصم» وهو يدور في إطار ذاتي شخصي، لا يعنيه إلا أن يتزوج من خطيبته بأقصى سرعة، ولا شأن له بما يجري.. ولكن الأحداث تعاجله فلا يتزوج من خطيبته لأن الثورة التي أعلنها «الشواف» أخفقت، وانهزمت أمام جحافل النظام الشيوعي في بغداد، ولم تساعدها دمشق ولا القاهرة، وراح أنصار السلام «الشيوعيون» يعيثون في الأرض قتلا وفسادًا، وقتلوا «سلمى» خطيبة «عاصم»، ثم سحلوها، كما قتلوا أباها، وقتلوا كثيرين ممن يعدونهم أعداء النظام والطبقة الكادحة.

إن الرعب الشيوعي يحتل مساحة لا بأس بها في الرواية، عبرت عنه هتافات الشيوعيين «ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة» وكلمة «ماكو» في اللهجة العراقية الدارجة تفيد النفي، والحبال وسيلة السحل والقتل وتصفية خصوم الشيوعية أو «أعداء الشعب» كما يسميهم أنصار السلام! وقد صورت الرواية عمليات الانتقام وتصفية الحسابات تصويرًا بشعًا يتنافى مع الإنسانية والأخلاق والشرائع السماوية، وفضلا عن ذلك فإن الرواية أشارت إلى غايات الشيوعيين كما أعلنوا عنها في أكثر من مناسبة عبر صفحاتها وكانت هذه الغايات تتركز في عدم الإبقاء على منارة واحدة في البلد يرتفع منها النداء إلى الله «۲» ولعل ذلك ما يفسر سر التركيز على انتقام الشيوعيين من علماء الدين والذين كانوا يصلون وراءهم ويستمعون إلى خطب الجمعة التي كانوا يلقونها.

ولكن الرواية لم تقدم لنا المسوغ الفني أو الواقعي الذي يجعل مدينة محدودة الإمكانات مثل الموصل تطمع إلى الإطاحة بالنظام المركزي في بغداد، في الوقت الذي يعلم فيه الجميع أن الفارق بين القوتين كبير جدًا، وأن الفرقة التي يقودها العقيد الشواف، مضافًا إليها التأييد الشعبي الذي يعبر عنه السكان، لا تستطيع الصمود أو المقاومة الناجحة.. إنه عمل انتحاري بكل المقاييس حتى لو كان هنالك دعم من بعض الدول المجاورة، فهذا الدعم بالمقياس العسكري لا يعول عليه، لأنه غير مضمون من ناحية، وبعد إذا تم تدخلا في شؤون دولة مجاورة من ناحية أخرى، وهو ما يعزز موقف الحكومة المركزية، كان يمكن للرواية أن تتحفظ بوسيلة ما على هذه الثورة مع نبل هدفها وشرف غايتها، والمنهج الإسلامي واضح في هذا السياق «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة» «۳».

إن المسوغ الذي ساقته الرواية - إن صح عده مسوغًا - حالة من الوجد العاطفي والحلم النبيل بالتخلص من الظلم والقهر والشيوعية، ولنقرأ ما قاله لنفسه الشيخ «هاشم عبد السلام» إمام المسجد وزعيم الجماهير وهو ينتظر الساعة الحاسمة.

«إنه في هذه اللحظات التي تبدأ فيها دراما الصراع بين النور والعتمة، يستطيع الإنسان المؤمن أن يتعلم، وأن ثورتنا القادمة بعد ساعات ما هي إلا دفقة نور، تسعى لمطاردة الظلام وتطويقه، ولن يعني انتصارها توقف الصراع، كما لن يعني انكسارها وتلاشيها نهاية للملاحقة الأبدية بين الشعاع والدخان..» «٤».

في الوقت ذاته، فإن النظام والشيوعيين كانوا واثقين جيدا من قدرتهم ومن معرفتهم بقوة الخصم وهو «الشواف» ومن معه، فالزعيم لديه الجيش والقوة الجوية، وهو قدير على سحق خصومه في أية لحظة، وأن ما يؤمله الشواف من تحرك مواز في بغداد لم يتحقق منه شيء، وهو يواجه مصيره منفردًا، والمسألة مسألة وقت فحسب «٥».

ترى لماذا لم تفسر الرواية عدم تحرّك بغداد الموازي؟ ومن هو الذي كان سيتحرك في بغداد؟ لم تقل لنا الرواية شيئًا يوضح ذلك أو يلقى أضواء عليه!.

لقد انشغلت الرواية ببعض الجوانب، وركزت عليها طويلًا، وأهملت جوانب أخرى، فأشارت إليها إشارات سريعة أو صمتت عنها طويلًا، ومن هنا يمكن تفسير الفجوات الروائية الواضحة التي تخللت البناء الروائي، فأحدثت خللا ملحوظًا، يشتت ذهن القارئ، ويقطع عليه سياق التتابع الطبيعي، إن التوازن الفني في البناء الروائي مسألة أساسية وضرورية وبدونها يفقد العمل الفني كثيرًا من حيويته وتدفقه.

ولعل السبب في وجود الفجوات الروائية يعود إلى الإسهاب في الوصف، والخروج به إلى دائرة التنظير الفكري والفلسفي والاستغراق في الرؤى الشاعرية التي تفصح عن صوت المؤلف أكثر مما تفصح عن صوت الشخوص وحركة الأحداث.

لا ريب أن النيات النبيلة للمؤلف كانت من وراء هذه السلبيات، ولكن الفن لا يقوم على النيات وحدها ولو كانت نبيلة، فالفن لغة خاصة مهمتها الإقناع الذاتي، وليست في حاجة إلى الاستعانة بصوت المؤلف أو غيره.

تقع أحداث الرواية في شهر رمضان عام ١٩٦٠م، وتستغرق مدى زمنيًا محدودًا للغاية يعد بالأيام، ولكن الكاتب يمد الزمان الروائي من خلال السرد إلى أعماق الماضي أو استخدام المونولوج والفلاش باك «الاسترجاع» فيضيء جوانب عديدة من تاريخ الشخصيات ونشأتها وتطورها، أو يوضح معالم تكوينها الاجتماعي والثقافي. ومن خلال تمديد الزمان الروائي نتعرف على الزمان الخارجي فنرى فصول العام وخاصة الشتاء والربيع، وتأثيرهما العميق على المكان، أو تفاعلهما معه، وتغرق الرواية في بيان تأثير الزمان على المكان إلى درجة تبدو أحيانا نوعًا من الحشو الزائد عن الحاجة «٦»، وإن كانت في أحيان كثيرة تحقق التوازي الموفق بين الزمان الخارجي والمكان.

ويحظى المكان العام وهو مدينة الموصل باحتفاء كبير وصفا وغزلا وتأريخًا، وهي مدينة محدودة بالنسبة لواقع الأحداث، ولكن الرواية تطلعنا على شوارعها ومساجدها وآثارها التاريخية القديمة وأديرتها العريقة، والكاتب بصفة عامة يذوب وجدًا وعشقًا بالموصل ومعالمها، تأمل مثلا وصفه لمحلات الموصل القديمة حيث يبدو حسه التشكيلي ساطعًا: «جميلة هي محلات الموصل القديمة.. بأفيائها الظليلة، بنسائمها الرطبة بطرقها الملتوية غير المرصوفة، بتكويناتها المعمارية المتقنة، بقناطرها المعقودة، وبدورها التي تعد أية في قدرة البناء الموصلي على اعتماد المرمر الأزرق واللعب به والتفنن على واجهاته حيث الزخارف المتقنة، والنوافذ الصماء، والأعمدة الأسطوانية، والتشكيلات الجمالية التي تستهوي العيون وتستجيب لأشواقها..» «۷».

ويربط الكاتب مدينة الموصل بمحلاتها ومعالمها مع مدن الإسلام القديمة التي لا تزال تشخص ببعض تكويناتها متحدية الزمن والتاريخ قرطبة، غرناطة، دمشق، القاهرة القديمة، بغداد.

ترى هل يريد الكاتب أن يدلل على عمق ارتباط المدينة بالإسلام وأن ثورتها ضد الشيوعية أمر طبيعي؟! ربما.

تبدو المساجد والبيوت التي يتحرك من خلالها الشعب المسلم في الموصل عريضة ورحبة تتناسب مع رحابة الفكر الإسلامي وعطائه، على العكس الأماكن التي يتجمع فيها الشيوعيون، حيث تتسم بالضيق والغموض والظلمة، تشير الرواية إلى الشارع الذي يسكنه الشيوعيون: «هنا حيث يحلو للشيوعيين أن يطلقوا عليه «شارع موسكو» كان يقطن عدد من أنصار الجمهورية وأبناء الزعيم كما كانوا يسمون أنفسهم.. وهنا أيضًا تمكن التنظيم من إحكام قبضته، وسعى جاهدا لجعل الشارع بأزقته الملتوية كالأفاعي، ودوره الصغيرة المتراصة ككتل حجرية لا تعرف النظام، مقفلًا للشيوعيين وحدهم..» «۸».

وبصفة عامة، فإن المكان يبدو الشغل الشاغل للسرد الروائي، وتتفاوت عملية ارتباطه بالحدث والشخوص تفاوتًا ملحوظًا بين التفاعل العضوي تارة والوجود الصامت تارة أخرى.

الهوامش:

۱- صدرت عن مؤسسة الرسالة، بيروت ١٤٠٥هـ ١٩٨٥م، من القطع المتوسط ١٩×١٤سم.

۲- انظر مثلا الرواية ص ٥٣.

٣- البقرة: ١٩٥.

٤- الرواية: ص ١٢٤.

٥ـ انظر الرواية: ١٥٤، ١٥٥.

٦ - رواجع مثلا، ص ۱۳۹، ١٤٠ حيث تتحدث الرواية عن تفاعل عبد الرحمن مع فصول العام والطبيعة وألوان النباتات.

٧ـ الإعصار والمئذنة. ص ٥١.

٨- نفسه ص ١١٤.

الرابط المختصر :