; مسلسل الجماعة.. بؤس الدراما المصرية (8).. إسقاط صفحة الشيخ مع الأقباط | مجلة المجتمع

العنوان مسلسل الجماعة.. بؤس الدراما المصرية (8).. إسقاط صفحة الشيخ مع الأقباط

الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم

تاريخ النشر السبت 04-ديسمبر-2010

مشاهدات 63

نشر في العدد 1929

نشر في الصفحة 42

السبت 04-ديسمبر-2010

  • تناول البنا علاقة المسلمين بغيرهم في مقالاته ورسائله وكان يسميهم «مواطنون فضلاً»
  • كان يصف الأقباط بالمواطنين الأعزاء في كل مكاتباته ومقالاته ورسائله التي نشرها بالصحف أو تبادلها مع قيادات الكنيسة ووجهاء النصارى
  • عام ١٩٣٦م.. أصدر أول مبادرة نحو الأقباط.. دعاهم فيها لعمل مشترك لدعم ثورة فلسطين الكبرى.. وأرسل رسالة إلى الأنبا يؤنس رئيس لجنة مساعدة الحبشة
  • عام ١٩٤٣م أكد في مقالة تحت عنوان « لماذا نخشى ؟ » أن أي تخوفات من قبل الأقباط أو غيرهم من الأجانب المقيمين في مصر على مستقبلهم هي مجرد أوهام
  • في رسالته إلى وزير العدل ۱۹۳۸ م قال : إن معاملة غير المسلمين بتعاليم الإسلام ليس فيه اصطدام بحرية الدين.. فالحرية المكفولة هي حرية العقيدة والعبادة والشعائر والأحوال الشخصية.. أما الشؤون الاجتماعية فهي حق الأمة ومظهر سيادتها فهم فيها تبع للأكثرية

ما الضرورة الدرامية التي جعلت الأستاذ وحيد حامد يغفل علاقة الشيخ البنا وجماعة الإخوان المسلمين بالأقباط والكنيسة المصرية في المسلسل؟ إن كل ما ورد في المسلسل لم يتعد بضع عبارات متناثرة تحمل معاني سلبية تثير الخوف من الشيخ وجماعته على الأقباط، كما حدث مثلاً في الحلقة رقم (١٥) وفيها اتهام الشيخ وجماعته بأنهم يحرمون أشياء على المسيحيين وليس فقط على المسلمين (لم يذكر المسلسل مثالاً واحدًا محددًا، وإنما رمى الاتهام هكذا دون  ايضاح(.

وكذلك الحلقة رقم (۲۱) التي تضمنت ما يفيد أن الأقباط متذمرون من نقل البنا إلى الصعيد في عهد حكومة سري باشا . وكأن الصعيد ساعتها لم يكن فيه مدرسون مسلمون قبل نقل البنا إليه، أو كأنه دون غيره مصدر تذمر الأقباط!.

وتكررت الإشارة السلبية في الحلقة رقم (٢٤) ليس فقط على المسيحيين المصريين وإنما على الأجانب المقيمين أيضا، ومن ذلك ما ورد على لسان النقراشي وهو يتحدث مع الملك فاروق إذ قال له : «الجماعة عاملة رعب للأقباط؛ لأنها تنادي : «أن الحكم يبقى حسب الشريعة الإسلامية ويتم تطبيقها حتى على الأجانب».

قلب للحقائق

وأقل ما يقال في هذا : إنه تعبير عن عدم فهم المقصود بتطبيق حكم الشريعة وأنه قلب للحقائق رأسًا على عقب، وأبعد ما يكون عن حقيقة موقف الشيح وجماعته من الأقباط والأجانب في مصر. ولو درس مبدعنا مسألة الأقباط وعلاقة المسلمين بهم في رؤية الشيخ ومسلك جماعته من المصادر الأصلية المعتمدة من كتب التاريخ ووثائقه، لكانت أمامه فرصة ذهبية مفيدة جداً في دعم الوحدة الوطنية بين المسلمين والأقباط في الظروف الراهنة المتأزمة.

ولو أنه درسها حق دراستها الآن وقد انتهى المسلسل في جزئه الأول لندم على فوات هذه الفرصة، وعلى ما أخطأ فيه، ولقالت له نفسه اللوامة أكثر من مرة: «لهذا خلق الله الندم».

رسائل ومقالات

لقد تناول البنا علاقة المسلمين بغير المسلمين في مقالاته ورسائله، بما في ذلك الطائفة اليهودية التي كانت تقيم بمصر آنذاك، وكان يسميهم «مواطنين فضلاء» ولم يصف الأقباط أبدًا بوصف سوى أنهم مواطنون أعزاء في كل مكاتباته ومقالاته ورسائله التي خطها بيمينه، ونشرها في الصحف، وتبادلها مع قيادات الكنيسة بدءا من الأنبا سرجيوس والأنبا يؤنس في منتصف الثلاثينيات من القرن العشرين وانتهاءً بالأنبا يوساب الثاني، مرورا بعدد من باشاوات الأقباط ووجهائهم مثل مكرم عبيد باشا، والدكتور إبراهيم باشا المنياوي، ووهيب باشا دوس وغيرهم ممن توثقت علاقته بهم إلى يوم اغتياله سنة ١٩٤٩م. وانتهى البنا في اجتهاداته بشأن هذه المسألة إلى أن الإسلام يفرض على المؤمنين به أن يؤمنوا بكل نبي سبق، وكل كتاب نزل، وأن يكرموا كل أمة مضت وأن القرآن رسم طريقًا عمليًا التوثيق علاقة المسلمين بغيرهم على أساس المصلحة الاجتماعية والاقتصادية والوطنية، وليس على أساس الاختلاف الديني أو المذهبي.

وبالنسبة للأجانب في مصر، كان يكره أن يصفهم بكلمة «أجانب»، ويسميهم ضيوفنا الغربيين إيثارًا للمعنى الإنساني، وكان يحذر من العدوان على المدنيين منهم أو تعطيل مصالحهم؛ لأن في ذلك إخلالاً بميثاق الأمان الذي دخلوا به بلادنا .

نماذج للتاريخ

ولنبدأ القصة من أولها ، لما لها من أهمية فقهية وتاريخية، وحاضرة ومستقبلية ولأن الصورة التي رسمها المسلسل بتلك العبارة التي نقلناها منه تقول: إن الإخوان يسعون لتطبيق الشريعة على الأقباط والأجانب أيضًا وليس فقط على المسلمين هي عبارة شائهة، وخبيثة، ومدمرة للوطن ولوحدة أبنائه.

وسنقدم نماذج فقط تدل على المسار العام لعلاقة الجماعة ومؤسسها مع الأقباط في الثلاثينيات والأربعينيات إلى ما قبل اغتيال الشيخ حسن البنا مساء يوم ١٢ فبراير سنة ١٩٤٩م:

  1. في سنة ١٩٣٦م، جاءت أول مبادرة من الشيخ البنا دعا فيها الأقباط العمل مشترك في مساعدة فلسطين أثناء ثورتها الكبرى، وأرسل الشيخ رسالة إلى غبطة الأنبا يؤنس رئيس لجنة مساعدة الحبشة - آنذاك بسبب الاجتياح الإيطالي لها - ومما جاء فيها : 

حضرة صاحب الغبطة الأنبا يؤنس.. بكل احترام يتشرف رئيس لجنة مساعدة فلسطين بجمعية الإخوان المسلمين بالقاهرة بأن يرفع إلى غبطتكم هذا الرجاء الحار، يحفزه إليه ما يعهد في غبطتكم من أسمى عواطف الرحمة النبيلة، والبر بالإنسانية المعذبة.. وتعلمون يا صاحب الغبطة أن فلسطين الشقيقة.. مهد الشرائع والأنبياء قد بطشت بها القوة الغاشمة، فأسالت دماء أبنائها من المسلمين والمسيحيين على السواء، وخربت ديارهم.. ومن أجل ذلك توجهنا إلى غبطتكم راجين أن تشملوا هؤلاء المجاهدين الأبطال بعطفكم الأبوي، فتأمروا بإمداد أبناء فلسطين.. وإذا رأيتم فضلاً عن ذلك أن تتكرموا بدعوة المحسنين من المصريين بالتبرع لهذا الغرض النبيل، فهو العهد بكم والمأمول فيكم، وكان لكم الشكر مضاعفاً وتفضلوا بقبول فائق الاحترام. المخلص حسن البنا - رئيس لجنة مساعدة فلسطين بجمعية الإخوان المسلمين (جريدة الإخوان الأسبوعية - السنة الرابعة - العدد رقم ٧ - ٥ ربيع أول ١٣٥٥هـ / ٢٦ مايو ١٩٣٦م).

  1. بالنسبة للموقف من الأجانب في مصر: قدم الشيخ اجتهاده في هذه المسألة وأعلنه وأعاد التأكيد عليه مرات ومرات في رسائله، ومقالاته من الثلاثينيات إلى نهاية الأربعينيات وجوهر موقفه هو أن الإسلام وتعاليم الإسلام ضمان لحقوقهم والأرواحهم، وتطمين على أموالهم ومصالحهم وذلك ما يريدون. (من رسالة بعثها الشيخ البنا إلى رئيس الوزراء محمد محمود باشا بتاريخ ١٤ ربيع الآخر ١٣٥٧ – ١٣ يونيو ۱۹۳۸).

والمعنى نفسه أكده بعد ذلك في كثير من المقالات والرسائل، ومنها مثلاً رسالة نحو النور. التي وجهها في رجب سنة ١٣٦٦ هـ / ١٩٤٧م، للملك فاروق وللنحاس زعيم الوفد.

المطالبة بإسلامية الحكومة

  1. في الرسالة نفسها التي وجهها الشيخ البنا إلى محمد محمود باشا رئيس الوزراء، اقترح الشيخ أن تتجه الحكومة وجهة إسلامية - وهذا يدحض ما جاء بالمسلسل أن فكرة المطالبة بإسلامية الحكومة نشأت أول ما نشأت لدى البنا عندما أضحى علي ماهر باشا رئيسًا للحكومة سنة ١٩٣٩م – وناقش فيها الاعتراضات التي يمكن أن تثور بوجه هذا التحول، ومن ذلك أن في الأمة عنصرًا ليس مسلمًا، ولا يرضى بحكم الإسلام، وقال: إن جواب ذلك مدفوع بالواقع، فقد عاشر هذا العنصر الإسلام قرونا فلم ير إلا العدل الكامل والإنصاف الشامل ولا تزال كلمات عمر بن الخطاب الخليفة الثاني لأميره على مصر مدوية في الآذان، مرددة على كل لسان يا عمرو، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا ... الأمر أوضح من الصبح إن كانت هناك عقبة فهي عقبة واحدة، ولنكن صرحاء في تعرفها والإفصاح عنها، تلك هي أن زعماء مصر أنفسهم لم يتشبعوا بالإسلام ولم يتصلوا بتعاليم الإسلام، ولم يفتتنوا بجمال الإسلام كرعوا من معين غير معينه، ودرسوا من كتاب غير كتابه، فهم به لا يقتنعون، وعلى حكمه لا ينزلون وأظن أن الأحداث كلها قد دلتهم على خطأ نظريتهم، ونادتهم بوجوب العودة إلى عقيدتهم، والتمسك بتعاليم دينهم. 
  2. في سنة ١٣٥٧هـ / ١٩٣٨م أيضًا أرسل البنا رسالة مطولة إلى أحمد خشبة باشا وزير العدل آنذاك، دعا فيها إلى الإصلاح القانوني على أساس الشريعة الإسلامية، ومما جاء فيها :

ياسيدي الباشا: إن صدور الأمة محرجة أشد الحرج لشعورها أنها تحكم بغير كتاب الله وشريعته.. أنقذونا يا باشا من هذا الحرج، وأخرجونا من هذه الورطة.. يا سيدي الباشا الأمر واضح لا يحتاج إلى بيان، وبقيت بعض شبهات يتعلق بها الذين يقفون في طريق الإصلاح يقول هؤلاء المرتابون إن في مصر عناصر غير إسلامية وطنية وأجنبية، إن حكمت بأحكام الإسلام كان ذلك متنافيًا مع حرية الدين التي كفلها الدستور للمواطنين، وإن حكمت بغير أحكام الإسلام كان ذلك نوعًا من الامتياز البغيض الذي حمدنا الله على التخلص منه، وإزاحة كابوسه عن الصدور (يشير إلى إلغاء الامتيازات الأجنبية سنة ۱۹۳۷م). هذه الشبهة مردودة بجزئيها فإنهم ان عوملوا بتعاليم الإسلام لم يكن في ذلك اصطدام بحرية الدين، فإن الحرية المكفولة هي حرية العقيدة وحرية العبادة والشعائر، وحرية الأحوال الشخصية، أما الشؤون الاجتماعية فهي حق الأمة ومظهر سيادتها، فهم فيها تبع للأكثرية، فإذا ارتضت أكثرية الأمة قانونا في هذه الشؤون الاجتماعية بصرف النظر عن مصدره، فهو قانون للجميع، إذ إن محاربة الجريمة من حق الدولة، بدليل أن الأمم الأوروبية وهي التي تفخر باحترامها للحرية والحقوق الشخصية وتزهى بأنها أقرت الديمقراطية ونادت بحقوق الإنسان، مع هذا هي تعامل كل نزلائها وأقلياتها بحكم القوانين الموضوعة المرضية عندها، بصرف النظر عن أديانهم وعقائدهم، فالإنسان في فرنسا أو إنجلترا أو ألمانيا أو نحوها سواء اكان نزيلاً يتمتع بجنسيته الخاصة أو مواطنًا يخالف الأكثرية في الدين يحاكم بمقتضى قانون البلاد الموضوع دون نظر إلى قانون بلده أو تشريع دينه. وبغير ذلك لا تتحقق سيادة الأمة ولا يتحقق استقلالها الداخلي، هذا إن عوملوا بأحكام الإسلام وبتشريعه».

فهم الإسلام

  1. سنة ١٩٤٣م كتب في مقالة تحت عنوان لماذا نخشى مؤكدًا أن أي تخوفات من قبل الأقباط أو غيرهم من الأجانب المقيمين في مصر على مستقبلهم هي مجرد أوهام لا أصل لها، وأن أوروبا يجب أن تفهم الإسلام فهما جديدا، وتغير موقفها الذي انطوى على خصومة عنيفة للإسلام.. ويجب على المسلمين أن يسعوا ليغيروا هذه الصورة في هذا العصر الذي تغيرت فيها الإحساسات، والنظرات العامة إلى الحياة وإلى الأديان على اختلافها. جريدة الإخوان النصف شهرية - العدد ٢٤ - ۱۸ ذي الحجة ١٣٦٢هـ / ١١ ديسمبر١٩٤٣م).

وعندما اعتقل الشيخ البنا في منتصف الأربعينيات على أثر اغتيال أحمد ماهر باشا تقدم نائب منفلوط بمجلس النواب توفيق باشا دوس (مسيحي) باستجواب للحكومة بخصوص اعتقال المرشد، ولم يلبث حتى أفرج عنه قبل موعد النظر في الاستجواب، ولما علم البنا بموقف توفيق باشا أمر بتشكيل لجنة سياسية من وكيل الجماعة وعضوية كل من الأستاذ وهيب دوس المحامي، والأستاذ لويس فانوس نائب أبنوب بأسيوط مع ثلاثة آخرين من الإخوان، وكان وكيل حسن البنا في لجنة انتخابات الطور سنة ١٩٤٤م رجل مسيحي متمصر اسمه باولو خرستو أحمد عادل كمال النقط فوق الحروف ص (۹) . (يتبع)

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 98

198

الثلاثاء 02-مايو-1972

افهموا الإسلام أولًا.

نشر في العدد 99

232

الثلاثاء 09-مايو-1972

بريد القراء(99)