العنوان دراسة علمية تحليلية عن: القدس والأقصى
الكاتب يوسف كامل إبراهيم
تاريخ النشر السبت 19-فبراير-2005
مشاهدات 64
نشر في العدد 1639
نشر في الصفحة 18
السبت 19-فبراير-2005
تواجه القدس تحديات صهيونية شرسة تهويد قضى على جميع أراضيها وجدار يخنق الأحياء الفلسطينية.. وحفريات تحت أساسات الأقصى تمهيدًا لتدميره.
ماذا جرى بالضبط لمدينة القدس؟ وماذا يجري من حفريات تحت المسجد وما خطورته على المسجد والمدينة المقدسة معًا؟.. الدراسة التالية تسلط الضوء بالمعلومات والخرائط الموثقة.
فـ «القدس»... اسم يطلق على محافظة القدس التي تعتبر من أهم وأقدس محافظات فلسطين ويطلق على المدينة المقدسة بكل مكوناتها الإنشائية والمعمارية والسكانية والسكنية.
وفي القدس بدأ المشروع الاستيطاني اليهودي وبالقدس يستكمل حلقاته الأهم. والقدس، كما يقولون، هي قلب الصهيونية، أو هي جوهر المشروع الصهيوني ومآله الأخير الديني والسياسي.
وقد قامت سلطات الاحتلال في القدس الشريف على مدى العقود الثلاثة الماضية بارتكاب العديد من الممارسات التي هدفت إلى فرض وقائع جديدة على الأرض بهدم المنازل العربية ومصادرة الأرض وطرد سكانها خارج حدود البلدية، والإخلال بالتوازن الديمغرافي لصالح اليهود، وتهويد التعليم وضم المؤسسات الرسمية، واصدار القوانين والتشريعات التي تكرس عملية التهويد وتشويه مناهج التعليم العربي في القدس وفرض المناهج التعليمية السائدة في «إسرائيل» التي تتنكر لعروبة القدس وتاريخها العربي والإسلامي. لكن هذه الممارسات وغيرها لم تفت في عضد أبناء القدس الذين تمسكوا بديارهم وأرضهم وتاريخهم وهويتهم وينافحون بدمائهم وبكل ما يملكون.
فلسطين د. يوسف كامل إبراهيم – أستاذ الجغرافيا
دراسة علمية تحليلية عن: القدس والأقصى
جولة ميدانية تتناول جغرافية المسجد ومحتوياته وأهم معالمه
تاريخ الاعتداءات الصهيونية
كيف جرى ترسيم مدينة القدس أكثر من مرة حتى أصبحت مدنًا عدة؟
شبكة الحفريات والأنفاق أسفل الأقصى تحتوي على معابد يهودية.. يمكن التسلل منها إلى داخل المسجد
الموقع والتاريخ
«القدس» كمدينة تقع عند دائرة العرض ٣١٥٢ وخط الطول ٣٥١٣ على هضبة غير مستوية يتراوح ارتفاعها ما بين ۲۱۳۰ و ٢٤٦٩ قدمًا (انظر الصورة) وتبعد المدينة عن البحر الأبيض المتوسط حوالي ٣٢ ميلًا (٥٥ كم) غربًا، وعن البحر الميت ۱۸ ميلًا (۲۲كم) شرقًا، وحوالي ٢٦ ميلًا من نهر الأردن، وحوالي ۱۹ ميلًا من الخليل جنوبًا، و ٣٠ ميلًا من سبسطية شمالًا. وتبعد عن البحر الأحمر ٢٥٠ كم جنوبًا.
مدينة بيت المقدس
بيت المقدس، هي أعظم مدن فلسطين خاصة، والشام عامة وهي من أقدم مدن العالم قاطبة، وإن لم يعثر علماء الآثار ما يدل على ذلك، أو تعيد تاريخها لأكثر من ستة آلاف سنة خلت فقط.
وإلا ما معنى حديث رسول الله ﷺ، بما رواه عنه أبو ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه وأرضاه، يسأله بقوله: قلت يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: «المسجد الحرام»، قال: قلت: ثم أي؟ قال: «المسجد الأقصى»، قلت: كم بينهما؟ قال: «أربعون سنة، ثم أينما أدركتك الصلاة فصل فإن الفضل فيه». (رواه البخاري).
وقد كان فتح القدس سنة ٦٣٦م الموافق ١٥هـ على يد الخليفة عمر بن الخطاب، وصك فيها عهدة تقسم الحقوق وتوزع الواجبات وتحفظ للنصارى عليهم دينهم. وألا يسكنها أحد من اليهود.
وبقي بيت المقدس بأيدي المسلمين حتى مطلع القرن الميلادي العشرين وهم ينظمون شؤون حياتها، ويجملون طرقاتها ومبانيها ويحصنون سورها ويقيمون أبراجها، ثم سلبها الصليبيون من المسلمين فعاثوا فيها الفساد، وبعد ٩٩ عامًا استرد المسلمون بقيادة صلاح الدين الأيوبي، بيت المقدس. وما من أمة إسلامية حاكمة إلا وكان لها اليد الطولى في رفع شأن المدينة، وعلى رأسها مسجدها الأقصى ترميمًا وتجديدًا، حتى وقعت تحت الانتداب البريطاني الغادر سنة ١٣٣٦ هـ / ۱۹۱۷م، ومن ثم عهدوا بالبلاد إلى اليهود، حيث عمل الإنجليز طيلة انتدابهم على تقوية مركز اليهود في البلاد، سوى مدينة القدس داخل الأسوار ومجموعة من القرى بقيت نحو تسع عشرة سنة تحت الحكم الأردني ثم غدت تحت سيطرة اليهود منذ ١٣٨٧هـ الموافق ١٩٦٧م.
الحفريات في المسجد الأقصى
وهي نوعان حفريات ظاهرية للعيان وحفريات مخفية فالظاهر منها النفق الذي افتتح قبل سنة، وهو الواقع تحت سور المسجد الأقصى الغربي وعلى امتداده بدايته من ساحة البراق، وهو ما يدعوه اليهود بالحائط الغربي لهيكل سليمان (حائط المبكى المزعوم) الذي لا دلالة ظاهرة عليه، وينتهي شمالي مئذنة الغوانمة، في طريق المجاهدين التي تسمى اليوم بطريق الآلام..
وأما الحفريات الخفية – على ما يبدو فهي أوسع رقعة ولا تقل عن الأولى بل تزيد، وهي من دون ساحات المسجد الأقصى المبارك من الغرب إلى الشرق. وأحدها تجاه مبنى المسجد الأقصى المبارك، والآخر تجاه مسجد الصخرة المشرفة. ولهذه الحفريات أخطار عظيمة مادية ومعنوية؛ أهمها أنها تمس –بشكل مباشر– صلب الحياة الروحانية لدى المسلمين، والحفريات تشكل خطرًا بالغًا على مباني المسجد الأقصى المبارك وعلى رأسها المسجدان العظيمان: مبنى المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة، وفيها أجزاء تعد من أقدم الآثار العمرانية العظيمة في العالم، بل وقبة الصخرة التي هي أقدم الآثار الإسلامية الكاملة الباقية على الإطلاق. وقد تسببت هذه الحفريات في انهيارات في داخل الأنفاق، وهي تشكل على المدى البعيد، خطرًا على أساسات مباني المسجد الأقصى.
وقد قامت سلطة الآثار الصهيونية ووزارة الأديان بجهود حثيثة للتنقيب عن الآثار اليهودية المزعومة، وحفر الأنفاق على طول الحائط الجنوبي والغربي للمسجد الأقصى المبارك، ويصل طول النفق الذي يمتد اليوم من باب المغاربة وحتى المدرسة العمرية، إلى حوالي ٥٩١ مترًا. وقد أدت هذه الحفريات إلى تصدع جميع الأبنية الإسلامية من مساجد وزوايا على الحائط الغربي للمسجد وسقوط بعضها.
ويقيم اليهود مجموعة من الكنس والمعابد في هذه الأنفاق، ويحاولون بشكل مستمر التسلل إلى داخل المسجد، عبر هذه الأنفاق للوصول إلى قبة الصخرة المشرفة. ولا تزال هذه الحفريات مستمرة منذ ٣٣ سنة وحتى يومنا هذا.
ترسيم حدود المدينة
من خلال النظر إلى خريطة فلسطين يتضح أهمية الموقع الجغرافي للقدس، كونه نقطة مركزية في وسط فلسطين، إلى جانب أهميتها السياسية والحضارية والدينية، فبدأت أولى نقاط الارتكاز العمراني داخل أسوار المدينة حيث كانت المدن قديمًا تحاط بأسوار لكي يسهل المحافظة عليها ويسهل الدفاع عنها، وفي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، لم تعد مساحتها تستوعب الزيادة السكانية فبدأ الامتداد العمراني خارج السور وفي جميع الجهات ظهرت الأحياء الجديدة التي عرفت فيما بعد بالقدس الجديدة، إضافة إلى الضواحي المرتبطة بالمدينة التي كانت ومازالت قرى تابعة لها، وقد اتخذ الامتداد العمراني اتجاهين: أحدهما شمالي غربي، والآخر جنوبي.
ونتيجة لنشوء الضواحي الاستيطانية في المنطقة العربية، فقد جرى العمل على رسم الحدود البلدية بطريقة ترتبط بالوجود اليهودي: إذ امتد الخط من الجهة الغربية عدة كيلومترات، بينما اقتصر الامتداد من الجهتين الجنوبية والشرقية على بضع مئات من الأمتار، فتوقف خط الحدود أمام مداخل القرى العربية المجاورة للمدينة، ثم جرى ترسيم الحدود البلدية في عام ١٩٢١م.
حدود عام ١٩٤٦ – ١٩٤٨:
أما المخطط الثاني لحدود البلدية فقد وضع عام ١٩٤٦، وجرى بموجبه توسيع القسم الغربي عام ۱۹۳۱، وفي الجزء الشرقي أضيفت قرية سلوان من الناحية الجنوبية ووادي الجوز، وبلغت مساحة المخطط ۱۹۹. ۲۰ دونمًا، كان توزيعها على النحو التالي:
-أملاك عربية ٤٠٪
-أملاك يهودية ٢٦,١٢٪
-أملاك مسيحية ٨٦. ١٣٪
-أملاك حكومية وبلدية ٢.٩٪
- طرق سكك حديدية ۱۷.۱۲٪
- المجموع ١٠٠٪.
وتوسعت المساحة المبنية من ٤١٣٠ دونما عام ۱۹۱۸ إلى ۷۲۳۰ دونما عام ١٩٤٨، وبين عامي (١٩٤٧ و١٩٤٩) جاءت فكرة التقسيم والتدويل: فقد طرحتها اللجنة الملكية بخصوص فلسطين (لجنة بيل)، حيث اقترحت إبقاء القدس وبيت لحم – إضافة إلى اللد والرملة ويافا – خارج حدود الدولتين العربية واليهودية مع وجود معابر حرة وآمنة. وجاء قرار التقسيم ليوصي مرة أخرى بتدويل القدس. وقد نص القرار على أن تكون القدس (منطقة منفصلة) تقع بين الدولتين (العربية واليهودية) وتخضع لنظام دولي خاص وتدار من قبل الأمم المتحدة بواسطة مجلس وصاية يقام لهذا الخصوص. وحدد القرار حدود القدس الخاضعة للتدويل بحيث شملت عين كارم وموتا في الغرب وشعفاط في الشمال، وأبو ديس في الشرق، وبيت لحم في الجنوب، لكن حرب عام ١٩٤٨ وتصاعد المعارك الحربية التي أعقبت التقسيم أدت إلى تقسيم المدينة إلى قسمين.
وفي ١٩٤٨/١١/٢٠ وقعت السلطات الإسرائيلية والأردنية على اتفاق وقف إطلاق النار، بعد أن تم تحديد خط تقسيم القدس بين القسمين الشرقي والغربي للمدينة في ١٩٤٨/٧/٢٢، وهكذا ومع نهاية عام ١٩٤٨ كانت القدس قد قسمت إلى قسمين وتوزعت حدودها نتيجة لخط وقف إطلاق النار إلى:
- مناطق فلسطينية تحت السيطرة الأردنية ۲.۲۲۰ دونما (١١,٤٨٪).
- مناطق فلسطينية محتلة (الغربية) ١٦,٢٦١ دونما .(٨٤.١٣٪).
- مناطق حرام ومناطق للأمم المتحدة ٨٥٠ دونما (٤.٤٠٪).
المجموع: ۱۹.۳۳۱ دونما (۱۰۰٪).
وهكذا، وبعد اتفاق الهدنة تأكدت حقيقة اقتسام القدس بينهما انسجامًا مع موقفها السياسي المعارض لتدويل المدينة.
حدود عام ١٩٦٧:
وفي عام ١٩٦٤ ، وبعد انتخابات عام ١٩٦٣، كانت هناك توصية بتوسيع حدود بلدية القدس لتصبح مساحتها ٧٥ كم. ولكن نشوب حرب عام ١٩٦٧ أوقف المشروع، وبقيت حدودها كما كانت عليه في الخمسينيات.
أما القدس الغربية فقد توسعت باتجاه الغرب والجنوب الغربي، وضمت إليها أحياء جديدة لتبلغ مساحتها ۲۸ كم٢.
أثر حرب يونيو على الحدود:
بعد اندلاع حرب ١٩٦٧ قامت إسرائيل باحتلال شرقي القدس، وفي ١٩٦٧/٦/٢٨ تم الإعلان عن توسيع حدود بلدية القدس وتوحيدها، وطبقًا للسياسة الصهيونية الهادفة إلى السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض مع أقل عدد ممكن من السكان العرب.
وفي عام ١٩٩٥ توسعت مساحة القدس مرة أخرى باتجاه الغرب لتصبح مساحتها الآن ١٢٣ كم ٢.
القدس والأقصى بين المفاهيم والمصطلحات
هناك اصطلاحات ومفاهيم تتعلق بالمدينة المباركة وتلتبس على الكثير من أبناء الأمة الإسلامية، كان لابد أن نوضحها للقارئ العربي والإسلامي:
خلال الفترة العثمانية وقبل الاحتلال البريطاني لفلسطين «سنة ۱۹۱۷م» لم تكن هناك سوى قدس واحدة هي تلك التي تحيط بها أسوار سليمان القانوني التي بناها السلطان الكبير في منتصف القرن العاشر الهجري، إضافة إلى مجموعة من الأحياء أقامها العثمانيون خارج سور القدس في الشمال والشرق والجنوب، مثل حي الشيخ جراح في الشرق، وحي المسعودية في الشمال.
وفي أثناء الاحتلال البريطاني تلاعب المندوبون الساميون بالحدود البلدية للمدينة المباركة، فركز رسمهم لحدود بلدية القدس على التوسع جهة الغرب عدة كيلومترات حيث الكثافة السكانية لليهود أعلى. أما في الجنوب والشرق –حيث السكان عرب– فلم يتجاوز الامتداد بضع مئات من الأمتار، فمنعت قرى عربية كبيرة من الدخول ضمن الحدود البلدية للقدس وهي قرى الطور، ودير ياسين وسلوان والعيسوية، والمالحة، وبيت صفافا، وشعفاط ولفتا، وعين كارم.
هنا ظهرت القدس كمدن عدة لا كمدينة مسلمة واحدة – كما هو المعتاد:
«القدس القديمة» أو العتيقة هي تلك الموجودة داخل سور سليمان القانوني ومساحتها ۸.۷۱ دونم «الدونم = ۱۰۰۰م۲» وطول السور ٢٠، ٤كم، وتقوم على أربعة جبال هي جبل الموريا، وجبل صهيون، وجبل أكرا، وجبل بزيتا، ويوجد الحرم القدسي الشريف في الجنوب الشرقي للقدس القديمة فوق جبل الموريا.
و«القدس الشرقية» هي نفسها القدس القديمة مضافًا إليها الأحياء التي زادها المسلمون خارج السور، مثل حي الشيخ جراح، وحي باب الساهرة، وحي وادي الجوز وقد ظهر هذا المصطلح مع احتدام الصراع بين المسلمين واليهود في فلسطين قبل قيام الكيان الصهيوني، فقد تركز العرب في شرق المدينة بأغلبية كبيرة، في حين تركز اليهود بأغلبية ساحقة في غربها، فسمي القسم الشرقي بـ «القدس الشرقية»، وأطلق على الجانب الغربي اسم القدس الغربية.
و«القدس الغربية» هي القدس الجديدة التي نشأت في ظل الانتداب البريطاني على فلسطين لتستوعب الهجرات اليهودية المتتالية. وقد اتسعت اتساعًا كبيرًا. وضمها البريطانيون إلى الحدود البلدية للقدس عام ١٩٤٦م، فصارت مساحة القدس كلها ١٩٠٠٠ كم: أي أكثر من عشرين ضعفًا من القدس العتيقة.
و«القدس الموحدة»، مصطلح يستعمله اليهود دلالة على القدسين معًا «الشرقية والغربية»؛ لأن المدينة انقسمت عقب حرب سنة ١٩٤٨م، فسيطر الصهاينة على الجانب الغربي منها، واحتفظ الجيش الأردني بقيادة عبد الله التل بالجانب الشرقي، وحين سيطر اليهود على القدس كلها يوم 7 يونيو سنة ١٩٦٧م وحدوا المدينة وأصروا على فكرة القدس الموحدة عاصمة أبدية الإسرائيل!!
و«القدس الكبرى» هي القدس الموسعة التي يحاول الصهاينة بها صنع هوية للمدينة تنمحي معها هويتها الإسلامية، فتبدو الأغلبية السكانية اليهودية كاسحة، وتصبح مساحة الأرض التي يسيطر عليها العرب صغيرة جدا بالنسبة لما يسيطر عليه اليهود.
ويستهدف مشروع القدس الكبرى تطويق الأحياء العربية في المدينة القديمة، وفصلها عن الأحياء العربية القائمة خارج السور لإجبار العرب على معيشة صعبة تذوب هويتهم معها، أو يضطرون إلى الهجرة من بيوتهم وأوطانهم.
المسجد الأقصى
إضافة إلى السور الذي يحيط بالقدس العتيقة، هناك سور تاريخي آخر في المدينة هو سور الحرم القدسي الواقع فوق جبل الموريا في الجنوب الشرقي للقدس العتيقة، ويبلغ طول الضلع الغربي للسور ٤٩٠م، والشرقي ٤٧٤م، والشمالي ٣٢١م والجنوبي ۲۸۳ م. ويضم الحرم داخل أسواره لا بناء واحدًا، بل عددًا كبيرًا من الأبنية الإسلامية، أشهرها قبة الصخرة.
والمصطلح التاريخي «المسجد الأقصى»، إذًا أطلق مقصودًا به العموم كما كان يفعل أسلافنا قبل القرون المتأخرة، فهو كل هذا الحرم القدسي الواقع داخل السور، وحسب هذا المفهوم فإن مسجد قبة الصخرة جزء من المسجد الأقصى، ومسجد عمر الذي بناه أمير المؤمنين عند فتح المدينة وجدده عبد الملك بن مروان فيما بعد - هو أيضًا جزء من المسجد الأقصى.
جولة ميدانية عبر خريطة المسجد الأقصى
1 – المسجد الأقصى
المسجد الأقصى المبارك هو اسم لكل ما دار حوله السور الواقع في أقصى الزاوية الجنوبية الشرقية من مدينة القدس القديمة المسورة بدورها، ويشمل كلًا من قبة الصخرة المشرفة «ذات القبة الذهبية» والموجودة في موقع القلب بالنسبة للمسجد الأقصى، والمصلى القبلي. «ذي القبة الرصاصية السوداء»، والواقع أقصى جنوب المسجد الأقصى، ناحية القبلة»، فضلًا عن نحو ۲۰۰ معلم آخر، ما بين مساجد، ومبان وقباب وأسبلة مياه ومصاطب وأروقة ومدارس، وأشجار، ومحاريب، ومنابر ومآذن وأبواب، وآبار، ومكتبات.
٢- المساحة:
تبلغ مساحة المسجد الأقصى حوالي ١٤٤ دونمًا «الدونم – ۱۰۰۰ متر مربع».
ويحتل نحو سدس مساحة القدس المسورة وهو على شكل مضلع غير منتظم، طول ضلعه الغربي ٤٩١م، والشرقي ٤٦٢م. والشمالي ۳۱۰م، والجنوبي ۲۸۱ م. وهذه الحدود لم تدخلها زيادة أو نقصان منذ وضع المسجد أول مرة كمكان للصلاة. بخلاف حدود المسجدين الحرام والنبوي الذين تم توسيعهما عدة مرات. ومن دخل حدود الأقصى، فأدى الصلاة فهو كمن أدى خمسمائة صلاة فيما سواه عدا المسجد الحرام والمسجد النبوي.
٣- وضعه الحالي:
رغم أن الشؤون الإدارية والمالية للمسجد الأقصى المبارك تدار من قبل دائرة الأوقاف الإسلامية التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردنية، إلا أنه محاصر، ومداخله واقعة تحت سيطرة الاحتلال الصهيوني الذي بدأ للقدس القديمة منذ عام ١٩٦٧م. وتدعم حكومة الاحتلال، ولو بصورة غير معلنة المزاعم الصهيونية بأن الأقصى قائم فوق أنقاض ما يعرف بالهيكل، وأنه لا معنى لدولة الاحتلال بدون القدس، ولا معنى للقدس بدون الهيكل «بن جوريون – أول رئيس وزراء لدولة الاحتلال الصهيوني».
فالمسجد الأقصى في خطر.. حيث اقتطع جزء من حيطانه هو حائط البراق وسمي زورًا بحائط المبكى، ومنع المسلمون من الاقتراب منه، كما تعرض المسجد الأقصى لمحاولات عدة لإحراقه، وتفجيره وتخريبه، فضلًا عن الحفريات والأنفاق التي تشق تحت أساساته، ما أدى إلى تصدع أجزاء منه، وكذلك يتم تقييد حرية المسلمين في الوصول إلى الأقصى للصلاة فيه، وإعماره، أو ترميمه، فيما يتعرض العمليات اقتحام متكررة من جانب جنود الاحتلال والمتطرفين الصهاينة.
٤- مكونات المسجد الأقصى:
يخطيء الكثير من أبناء أمتنا الإسلامية بظنهم أن المبنى ذا القبة الذهبية هو المسجد الأقصى المبارك فالمسجد الأقصى هو الأسوار وما بداخلها من بنايات ومدارس ومساجد ومصاطب وقباب وأروقة ومحاريب ... إلخ.
والصورة المجاورة تشرح مكونات المسجد الأقصى.
مبنى المسجد الاقصى المبارك: هذا البناء ليس المسجد الأقصى المبارك بل سمي مجازًا بمبنى المسجد الأقصى وكان يسمى في السابق بالجامع أو بمسجد الرجال، وهذا البناء الحالي بني في زمن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان وكذلك بناء قبة الصخرة المشرفة ليس هو المسجد الأقصى المبارك، فالمسجد الأقصى المبارك أكبر وأشمل، فهو يحويهما ويحوي مئات المعالم الأخرى من قباب ومحاريب ومصاطب ومآذن واروقة ... إلخ.
وتحت الرواق الأوسط لمبنى المسجد الأقصى يقع مبنى المسجد الأقصى القديم والذي قامت الحركة الإسلامية بترميمه وافتتاحه للمصلين بعد عشرات السنوات من الإغلاق.
٢- الزاوية الجنوبية الشرقية للمسجد الأقصى المبارك وهي أعلى منطقة في سور المسجد، وهي تعتبر الحد الجنوبي الشرقي للمسجد الأقصى المبارك.
المصلى المرواني: وما يظهر في الصورة هو سطح المصلى المرواني الذي قامت الحركة الإسلامية برئاسة الشيخ رائد صلاح بتبليطه، بعد أن كانت قد نظفت المصلى المرواني ورممته، وافتتح في صيف ۱۹۹۸ للصلاة، وهو أعظم مشروع عمراني في المسجد الأقصى منذ مئات السنين. وقد حاول اليهود الاستيلاء على المصلى المرواني وبناء هيكلهم به ليكون لهم المدخل لهيكلهم المزعوم، إلا أن تنظيفه وترميمه وافتتاحه للصلاة حالا دون الاستيلاء عليه، وكانت زيارة شارون الاستفزازية للمسجد الأقصى المبارك مخصصة لزيارة المصلى المرواني والدرج العظيم الذي بني كمدخل أساسي له.
درج المصلى المرواني: في هذا المكان قامت الحركة الإسلامية بالحفر والكشف عن سبعة أروقة للمصلى المرواني، وقد أخرجت آلاف الأطنان من التراب وبني درج عظيم عريض يليق بهذا المصلى الكبير.
قبة الصخرة المشرفة: والذي يظنه الكثير من المسلمين المسجد الأقصى، وهذا خطأ، إذ إن المسجد الأقصى هو كل شيء داخل الأسوار ومبنى قبة الصخرة ما هو إلا مسجد من كثير من المساجد والمصليات والمعالم الكثيرة.. إلخ التي تكون المسجد الأقصى المبارك، وقد بني هذا البناء –الذي يعتبر أجمل المساجد والعمارة قاطبة– في زمن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان الذي خصص خراج مصر لسبع سنوات لهذا الغرض، وهذا البناء يحيط بالصخرة المشرفة التي عرج بالرسول الأعظم سيدنا محمد ﷺ منها إلى السموات العلى.
قصور أموية: هذه الآثار القصور أموية بدأت الحفريات من تحتها باتجاه المسجد الأقصى المبارك وتحت ساحاته وأبنيته، وفي سنة ۱۹۹۹م قامت حكومة باراك ببناء درج حتى السور الذي هو حائط المصلى المرواني والحد الجنوبي للمسجد الأقصى المبارك، وقد افتتحه باراك نفسه وادعى كذبًا أن هذا كان مدخل الهيكل المزعوم.
الزاوية الخنثنية: وهي أقصى الجنوب من المسجد الأقصى المبارك كانت مدخلًا للأمراء والخلفاء من قصورهم للمسجد الأقصى المبارك.
الزاوية الجنوبية الغربية: هذه الزاوية تعتبر الحد الجنوبي الغربي للمسجد الأقصى المبارك.
كلية الدعوة وأصول الدين: مبنى من مباني المسجد الأقصى في الجهة الجنوبية، وقد استعمل في السابق كمدرسة، وقد كان حتى سنة ۱۹۹۳ مقر كلية الدعوة وأصول الدين، وهو الآن يستعمل المكتبة المسجد الأقصى المبارك وقد أغلق بزمن الانتفاضة الأولى على أيدي السلطات الصهيونية.
١٠ – المتحف الإسلامي: وهو بناء قديم جدًا وبه مقر المتحف الإسلامي والذي يحوي آثارًت كثيرة من العهود المختلفة للحكم الإسلامي لبيت المقدس، وبداخل المتحف ما تبقى من آثار منبر نور الدين زنكي والذي احترق في سنة ١٩٦٩م على يدي المجرم الصهيوني مايكل روهان «انظر حريق المسجد الأقصى المبارك».
۱۱ – بوابة المغاربة: وتقع في الجهة الغربية للمسجد الأقصى المبارك، بمحاذاة حائط البراق والذي يسميه يهود زورًا وبهتانًا بحائط المبكى. وكانت هذه البوابة المدخل الحارة المغاربة والتي محيت عند احتلال القدس وطرد أهلها وقتلوا على أيدي يهود والتي يقوم على آثارها الآن حارة اليهود. وقد قام اليهود بإغلاق باب المغاربة بعد مجزرة الأقصى الأولى في ١٩٩٠/١٠/٨م بادعاء أن دخول المسلمين منه يشكل خطرًا على حياة المصلين اليهود بحائط المبكى المزعوم، وجدير بالذكر أن الاقتحامات البوليسية للأقصى المبارك تأتي منه دائمًا.
۱۲- حائط البراق: والذي ربط به المصطفى محمد ﷺ دابة البراق عند دخوله المسجد الأقصى المبارك، وهو ما يسميه اليهود كذبًا وزورًا بحائط المبكى بادعاء أنه آخر ما تبقى من هيكلهم المزعوم، وفي الساحة ترى طاولاتهم.
۱۳ – باب السلسة: وهو واحد من أكبر مداخل المسجد الأقصى المبارك من جهة السوق، وتحته يمر نفق ما أسموه «الحشمونائيم» والذي يبدأ من الجهة الجنوبية لحائط البراق وحتى الحد الشمالي الغربي من الأقصى المبارك.
١٤ – المدرسة العمرية: وتقع في الجهة الشمالية للمسجد الأقصى المبارك وتعتبر جزءًا لا يتجزأ منه ويحاول اليهود أن يستولوا عليها ليبنوا كنيسًا لهم بها.
١٥ – الحد الشمالي الغربي: ويقع في حارة المسلمين.
١٦ – الحد الشمالي الشرقي: ويقع بجانب باب الأسباط.
۱۷- باب الأسباط: ويقع في الجهة الشمالية للمسجد الأقصى المبارك ويعتبر الآن المدخل الأساسي للمصلين وخاصة من خارج القدس بعد إغلاق باب المغاربة، لأن الحافلات والسيارات لا تدخل إلا من جهته.
١٨ – بوابة الرحمة: وهي إحدى بوابات الأقصى المبارك والتي قام القائد البطل صلاح الدين الأيوبي بإغلاقها لأنها كانت تشكل خطرًا لاقتحام الصليبيين الأقصى منها، وخارجها تقع مقبرة الرحمة.
١٩ – مقبرة الرحمة: وبها قبرا الصحابيين شداد بن أوس وعبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنهما، وهذه المقبرة تستعمل حتى الآن، وبها قبور شهداء مجزرة الأقصى.
٢٠ – مقابر إسلامية
۲۱ – الحيان الإسلامي الغربي والشمالي: وقد استولى اليهود على بعض الأبنية فيهما بالقوة وحولوها إلى كنس.
الاعتداءات على المسجد الأقصى
قام الكيان الصهيوني، ومنذ اليوم الأول من احتلاله القدس الشرقية عام ١٩٦٧م بتغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى. وإيجاد وضع قائم جديد يكرس سيطرة اليهود على المسجد فقام بما يلي:
في الحادي عشر من يونيو عام ١٩٦٧م قامت إسرائيل بهدم حارة المغاربة المجاورة للحائط الغربي للمسجد الأقصى بعد مهلة ٢٤ ساعة أعطيت للسكان الإخلاء الحي، حيث تم طرد ٦٥٠ عربيًا من حارة المغاربة التي أوقفها عليهم الملك الأفضل الأيوبي في القرن الثالث عشر الميلادي. كما تم طرد ۳۰۰۰ عربي من حارة الشرف. التي أطلق عليها فيما بعد حارة اليهود. وبهدم حارة المغاربة استولى اليهود على الحائط الغربي للمسجد «حائط البراق» وأطلقوا عليها –زورًا وبهتانًا– حائط المبكى، وتم توسيع الساحة الملاحقة له.
- قام اليهود وفي نفس الفترة من عام ١٩٦٧م بهدم الزاوية الغربية للمسجد الأقصى والمعروفة بالزاوية الفخرية وهدموا ١٤ منزلًا فيها.
- قامت الشرطة الصهيونية في ١٩٦٧/٨/٢١م بالاستيلاء على مفتاح باب المغاربة «وهو من أبواب المسجد الأقصى».
- قام الصهاينة في عام ١٩٦٩م –وبحجة المحافظة على أمن اليهود في حائط البراق الشريف «المبكى»– بالاستيلاء على المدرسة التنكزية والمطلة على ساحة المسجد الأقصى المبارك وقاموا بطرد ١٠٥ أشخاص من ۱۰ منازل إلى جانب المدرسة وقاموا بتحويل المدرسة إلى مقر الحرس الحدود.
- قام اليهودي الأسترالي وينس دوهان في وقت لاحق من عام ١٩٦٩ بإحراق الجزء الجنوبي من المسجد الأقصى المبارك حيث تم إحراق منبر صلاح الدين الأيوبي والحائط الجنوبي الذي تعود زخارفه إلى العهدين الأموي والعباسي، وقد اعتقلته الشرطة الصهيونية وقامت بترحيله بحجة أنه مختل عقليًا!
- في عام ١٩٧٥ سمحت إحدى المحاكم الصهيونية بالسماح لليهود بالصلاة في المسجد الأقصى بالتعاون مع الشرطة الصهيونية في ساحات المسجد.
-استولت الشرطة الصهيونية على بوابات المسجد الأقصى المبارك، وتم منع المصلين من الدخول إلى المسجد بحجة المحافظة على الأمن داخل المسجد.
- قام اليهود بعدد من المجازر والمذابح ضد المصلين في المسجد الأقصى المبارك، كان أشهرها المذبحة التي قامت بها القوات الصهيونية في ١٩٩٠/١٠/٨م والتي أدت إلى استشهاد ۱۸ مصليًا وإصابة مئات ۱۰ الجرحى داخل المسجد.
- يقوم الصهاينة منذ عام ١٩٦٧م يمنع أي محاولة للترميم داخل المسجد للأبنية الإسلامية فيه من مساجد وقباب وسبل في محاولة لتركها تتساقط وتنهار ثم إزالتها.
إن الاعتداءات الصهيونية على المسجد الأقصى المبارك بدأت تتكرر وبصورة شبه يومية في السنوات الأخيرة، وفي ظل تصاعد الحديث عن المرحلة النهائية في المفاوضات السلمية بين الصهاينة والسلطة الفلسطينية.
المراجع:
http://www.alaqsa-online.com/ الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني
-هيئة الاستعلامات الفلسطينية البنك الوطني للمعلومات.
-فلسطين أرض الرسالات الإلهية: رجاء جارودي ص ۱۹۰، ترجمة: د عبد الصبور شاهين.
- القدس «تقرير شهري يصدر في القاهرة» العدد التجريبي، شعبان ١٤١٩هـ، ديسمبر ١٩٩٨م.
- حروب القدس في التاريخ الإسلامي: ياسين سويد، دار الملتقى للطباعة والنشر، بيروت ١٩٩٧م.
- فلسطين والانتداب البريطاني: ۱۹۲۲ – ۱۹۲۹: كامل محمود خلة، طرابلس، المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، ۱۹۸۲م.
- فلسطين أرض وتاريخ: محمد سلامة النحال.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل