العنوان دراسة فكرية- الواقع الإسلامي المعاصر.. والبحث عن حل
الكاتب د عبد الحميد أحمد أبو سليمان
تاريخ النشر الثلاثاء 21-ديسمبر-1976
مشاهدات 102
نشر في العدد 329
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 21-ديسمبر-1976
إن الباحث في أحوال الأمة الإسلامية وفي حال الأمة العربية على وجه الخصوص، لا يصعب عليه تبين ما هي عليه من تخلف حضاري، وهوان سياسي، رغم كل ما تتمتع به من إمکانیات بشرية ومادية.
ويقظة الأمة الإسلامية إلى واقعها، ومعاناتها من تفوق أعدائها، أمر مضى عليه أكثر من قرنين، أخذت جيوش أوروبا تفتك خلالها بالجسد الإسلامي المريض، ومنذ ذلك الوقت حتى يومنا هذا في المؤتمر، والعالم الإسلامي يبحث عن حل ينقذ به نفسه وتراثه و مبدأه، ويعید به دوره الحضاري الخيِّر البناء في خدمة الإنسان.
وقبل أن نبدأ إعادة التشخيص، والإقدام على تجرع حل أو آخر، علينا أن نستعرض تاريخ الأمة الإسلامية الحديث، ومحاولاتها والحلول الفاشلة التي أقدمت على تجربتها حتى اليوم، كي لا يلدغ المرء المسلم من حل مرتين أو مرات على الأصح.
لقد مر العالم الإسلامي في بحثه عن حل لمشكلته الحضارية جوهريًا بنوعين من الحلول.
النوع الأول :حلول مستوردة من بطون التاريخ الإسلامي.
النوع الثاني: حلول مستوردة من التجربة الغربية الحديثة.
النوع الأول من الحلول وسبب فشله:
هذا النوع هو الحل التقليدي، وهو تعبير عن الامتداد التاريخي لوجود العالم الإسلامي الذي ينحدر من البناء والمؤسسات الاجتماعية التي أرساها النبي صلى الله عليه وسلم في عهد صدر الإسلام والتي مرت خلال البناء بالعصرين الأموي والعباسي.
هذا الحل التقليدي يتجسم في مادة الفقه التقليدي.
وتاريخ هذا الحل كان تراجعًا مستمرًا أمام تحديات الحياة المعاصرة وقوى العدو الغربي الغاشم، واضطر الحكام العثمانيون ومن بعدهم حكام العرب المستقلون بدءًا بمحمد علي في مصر، منذ بداية القرن التاسع عشر، إلى التخلي عن الفقه الإسلامي التقليدي في كافة وجوه الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية حتى لم يبق إلا رقعة متقلصة في دائرة حدود الأحوال الشخصية.
و تداعى الأعداء والأصدقاء باللوم على الفقه والفقهاء، والحق أن اللوم ذاته كان دلالة على عجز القوم عن فهم أزمتهم وجذورها فالفقه التقليدي لم يصنعه الفقهاء لغير عصرهم وما كان له أن يعبر عن غير زمانهم وأحوالهم، وهؤلاء- إذا درسنا بدقة علم أصول الفقه -قد حددوا لأنفسهم دور التعليق والتفصيل وصيانة المؤسسات التي قامت في الصدر الإسلامي لمجتمع الجزيرة، الذي كان مجتمعًا رعويًا زراعيًا بسيطًا، واستخدموا أسلوب القياس والضرورة والمصلحة وما إليها، من أجل مواجهة التطورات التي طرأت على مجتمعهم والتي لا تخرج في جوهرها من الكم إلى الكيف، وقد أدى هؤلاء الفقهاء دورهم بنجاح في حدود المهمة التي حددوها لأنفسهم، والتي تطلبها منهم عصرهم وظروفهم التاريخية.
إما أن يأخذ الخلف بالتقليد، ويقفلون باب النظر والاجتهاد، ويصرون على المتابعة رغم ما يواجهون من تغيير، وما فرض عليهم من تحديات لا بد لهم من مجابهتها، والتصدي لها، فهذا هو الخطأ، وهو خطأ الخلف من المثقفين والعلماء المسلمين.
كان على هؤلاء العلماء والمثقفين، أن يدركوا طبيعة التغيير الكيفي وما يتطلبه من عودة إلى منابع الشريعة في القرآن والسنة، لاستخلاص المبادئ والقيم التي تحكم فهم المسلم وعلاقاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والخلقية في ظل هذه الظروف والإمكانيات المتغيرة.
ولأضرب لكم بعض الأمثلة لتدركوا طبيعة الفشل الذي عانى وما زال يعاني منه الفكر الإسلامي المعاصر بشأن عجزه عن إعادة النظر في نظامه الاجتماعي، والإحاطة بوجهته ودوافعه وأسسه ومقوماته، حتى يمكن إقامة بناء نظام اجتماعي جديد له ذات الطبيعة الإسلامية وذات الشخصية المستقلة ويحقق نفس الأهداف المرجوة .
المثال الأول: هو أحكام العقود في المعاملات في الفقه التقليدي، فهذه الأحكام تقوم في جوهرها على حرية التعاقد بين العامل ورب العمل أو بين المتعاملين، وهذا اللون من أحكام التعاقد لا شك يمثل العدل في مجتمع زراعي بسيط التفاعل، والإنتاج فيه فردي، والتوازن فيه بين الموارد وعدد السكان القادرين والراغبين في العمل متناسب.
أما حين ندخل عصر الصناعة الميكانيكية وتخزين المواد، وحين تتغير وسائل النقل والمواصلات، وتتغير منابع الثروة وسبل إنتاجها، ويرتفع عدد السكان لانخفاض عدد الوفيات، ويتعقد النظام الاجتماعي والاقتصادي، فإن حرية التعاقد الفردي تصبح في كثير من الحالات وسيلة لاستغلال القوي للضعيف، وسلبه لقمة عيشه وحرية إرادته.
لذلك لا بد للمفكرين المسلمين من أن يدركوا معنى النظام الاجتماعي والاقتصادي الحديث، وأن يحدثوا من الفكر والنظم ما يحفظ معنى العدل والإخاء الإسلامي الذي أقام مثاله المشرع رسول الإسلام، منذ آخى بين المهاجرين والأنصار، في مجتمع المدينة المسلم، وقسم أموال الأنصار شطائر بينهم وبين المهاجرين.
والمثال الثاني: هو عن تصور المسلم لمعنى الاستهلاك، فإن التصور التقليدي هو تصور كمي، بمعنى أن المقام الأعلى هو استهلاك أقل القليل، ولو بلغ الأمر بالفرد المسلم في قلة استهلاكه إلى ما بلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لكان ذلك غاية في سلوك المسلم.
وإذا فهمنا معنى المجتمع الحديث وتحديات الصناعة والتكنولوجيا فيه، لأدركنا أن مثل هذا التصور عن الاستهلاك هو تصور ضار في بعض جوانبه لأن الآلات والماكينات مع الزيادة الهائلة في الأعداد والقوى البشرية، لا بد لها أن تعمل، ولا بد لها أن تستهلك وأن تستخدم وسائل متجددة متصاعدة من التكنولوجيا، وهذا يحتم الإنتاج للاستهلاك ، بل ويشجع عليه كيفًا وكمًا بقدر الطاقة، ولا تناقض في الحقيقة بين ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين كانوا قليلي الموارد والذين كانت تواجههم تحديات عسكرية هائلة، وبين ما يتمتع به المواطن في مجتمع صناعي حديث، لا بد لآلاته وتكنولوجيته وجموعه من الحركة والإنتاج، في كلا الحالين فإن المبدأ الإسلامي هو الاعتدال والعدل، وهو أمر يختص في العلاقة الإنسانية بالكيف لا بالكم.
من هنا كان لا بد للعقل المثقف ثقافة غربية أن يضيق ويزور عن تصورات تمثل له المجتمع المسلم وكأنه ناد "لفقراء الهنود".
المثال الثالث: نضربه من مادة العلاقات الدولية والاستراتيجية العسكرية ففي مثل هذا العلم يمكن أن نفهم ما كتبه الفقهاء المسلمون الأقدمون حين كتبوا في زمانهم في باب السير وباب الجهاد، وتناولوا أبوابًا في أمر التبييت (أي مهاجمة العدو ليلًا) أو قطع الشجر وتدمير البيوت، أو قتل النساء والأطفال، أما حين يكتب فقهاء معاصرون في ذات الأبواب ويعالجون ذات المشاكل، وكأننا ما زلنا نحارب بالعصى والنبال وما زالت تمتد المعارك شهورًا وأعوامًا، فإن الدهشة والرفض لا بد أن يبلغا مبلغًا عظيمًا من المختصين في هذه الميادين والعلوم.
إن الواقع الحديث والتصور العلمي للعلاقات والحروب الدولية لا يمكن أن يسمح بذلك التصور في كلياته أصلًا، وإن أمكن الجدل الذي لا طائل تحته في جزئياته، فإن وسائل الحرب الحديثة لم تعد تفرق بين ليل ونهار، ولا بين رجل وامرأة ولا بين مدني وعسكري.
إن التصور الإسلامي يكمن في التأثير على النظام العالمي، وتصوراته وأهدافه، ويكمن في الإطار الخلقي الذي يمد السياسي والعسكري المسلم بشخصيته الأصيلة المتميزة، فلا يسرف في القتل والتدمير ما مكنه الظرف الدولي والتكنيك العسكري.
النوع الثاني من الحلول وسبب فشله: هذا النوع هو الحلول المستوردة تعليمًا وتأثيرًا بالقالب الغربي.
وقد أخذت هذه الحلول الأجنبية المستوردة أطوارًا عدة، ومرت بمراحل متتابعة، في تركيا وفي البلاد العربية، فابتدأت بالقيام في الشئون الفنية والتكنولوجية، وخاصة في العلوم العسكرية وفي نظام الإدارة العامة، على يد سليم الثالث العثماني ومحمد علي والي مصر، ثم تطورت في تركيا ومصر إلى الفكرة الليبرالية في الحرية والدستورية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ثم بالوطنية ثم بالقومية الطورانية في تركيا كما يحددها المفهوم الغربي العنصري، وواكبتها ولحقت بها حركه لورانس وحسين العربية والفينيقية والمصرية والفرعونية ثم كان طور العلمانية ورأسمالية الدولة في تركيا على يد مصطفی کمال أتاتورك وخلفائه ورفاقه العسكريين منذ الربع الثاني من القرن العشرين .
ومنذ الحرب الثانية، بدأت دورة جديدة وجرعة مكررة من ذات الحلول، فعادت تركيا والبلاد العربية إلى تجربة اللبرالية الدستورية الديمقراطية مع إصرار على العلمانية والقومية (العنصرية)، بإلاضافة إلى الماركسية الروسية والصينية، وما واكب ذلك من فقدان الاستقرار السياسي والاجتماعي، وما زالت نتيجة هذه التجارب، رغم امتدادها قرونًا في بلد مثل تركيا، أنها بقيت تابعًا مسخًا وضعيفًا للفكر والوجود الغربي، وفي حاجة إلى حقن لا تنقطع من العون المالي لاقتصادها المتخلف الضعيف، إن تركيا اليوم هي أهون شأنًا وأقل وزنًا من الرجل العثماني المريض، ودول العالم الإسلامي المتخلف عامة في تجاربه الغربية المستوردة، من تكنيكية وقومية وليبرالية وعلمانية ورأسمالية وماركسية ليست إلا نسخًا مكررة من التجربة التركية الفاشلة بل هي أسوأ حظًا منها، لافتقارها إلى الماضي الإمبراطوري العثماني الذي تمتعت وأفادت منه تركيا في القرون الأخيرة.
وهكذا فإن الحلول المستوردة من تجربة تاريخية وحضارية غريبة عن الشخصية الإسلامية وأسسها ودوافعها وعوامل الحركة فيها وتجربتها التاريخية والاجتماعية، لا بد لها أن تنتهي بالفشل وأن تترك الأمة الإسلامية جسدًا مريضًا وفريسة سهلة للصهيونية والاستعمار ومرتعًا للظلم والتخلف والهوان، مهما بلغ انبهار بعض المثقفين بما للأمم الأخرى من فكر و تصورات، أطبقت إطاراتها على عقول هؤلاء المثقفين وأسرتهم بما تلقوا ولقنوا عن هذه التصورات وذلك لأن تلك الحلول والتصورات نابعة عن فكر وضمير وتاريخ غريب عن فكر وضمير وتاريخ الأمة.
سبب الفشل
ولتوضيح سبب فشل الحلول الأجنبية المستوردة، فإننا نضرب بعض الأمثلة للحلول والمؤسسات والأفكار المستوردة، التي واكبها النجاح في أرضها وفي تربتها، ولازمها الفشل في طول بلاد الأمة الإسلامية وعرضها.
المثال الأول :
تجربة العلمانية في تركيا، والعلمانية كما عرفت لنا هي فصل الدين عن الدولة، والخطأ يكمن في أصل التعريف، ولذلك كانت العلمانية خيرًا وبركة على الغرب، لم تنل منه تركيا إلا مسخ شخصيتها وبتر دورها الحضاري، في مرحلة التبعية والتخلف.
فالعلمانية في التجربة التاريخية والحضارية الأوروبية لم تعن في الحقيقة فصل للدين عن الدولة، إذ إن ما حدث تاريخيًا هو أن النظام الروماني تبنى المسيحية وكنيستها وتم التزاوج بينهما، ومنذ ذلك الحين أصبح دور الدين المسيحي يقتصر على الغيبيات وما وراء المادة، وبقي النظام الروماني بيد الحاكم المدني (فما لقيصر لقيصر وما لله الله)، ولما جاء ما عرف في أوروبا بعصر النهضة والتنوير الغربي (الثورة الفكرية)، فإن ما تم لم يكن فصلًا للدين عن الدولة، وإنما كان هدمًا للتحالف غير المقدس بين المصالح الإقطاعية الكنسية وبين الإقطاعيين، والذي جثم على صدر المجتمع الأوروبي وألزمه نظامًا تقليديًا، يحافظ فيه أطراف الحلف على مصالحهم، ويسد كل السبل أمام الإصلاح والتغيير، فجاءت حركة العلمانية لتعني بتحطيم قبضة ذلك التحالف، وفتح آفاق التفكير الحر بشأن النظام الاجتماعي، وأسسه، وأهدافه، فكانت الفلسفات الغربية الحديثة، وكانت الثورة الصناعية والتكنولوجية الحديثة، وبقيت المسيحية في موضعها في نطاق الغيبيات وما وراء المادة.
أما تركيا فحين تبنت مبدأ العلمانية وهي أرض وشعب وتاريخ وتجربة مسلمة، وقررت فصل الدين عن الدولة أو عن التنظيم الاجتماعي، لم يؤد ذلك إلى ثورة فكرية أو نهضة حضارية ولا إلى فتح الباب لفكر نير حر وتجديد لشباب الأمة كما حدث لأوروبا، وإنما كل ما عناه، وبلغ به الأمر هو مجرد ترجمة القوانين الأوروبية السويسرية، وإعلانها نظاما للدولة، ولما كان جوهر الإسلام هو في ضبط السلوك الإنساني، وتحديد معنى العلاقات الإنسانية في إطار نظرة شاملة تحيط بالغيب والشهادة (أي عالم المدركات الإنسانية)، فإنه كان حتمًا وطبيعيًا أن يقود ذلك التبني الأعمي لمبدأ العلمانية الأوروبي، إلى مجرد الترجمة، والقصور عن أداء الدور الذي لعبته العلمانية في الوجود الحضاري الأوروبي، وهكذا كان دور العلمانية في الجسد الإسلامي الحضاري وتأثيرها هو دور سقيم وتأثير مرضي في زعزعة وتخريب معالم الشخصية الحضارية التركية المسلمة، في جوانبها الروحية والمعنوية والمادية على السواء، وبذلك أصبحت عاصمة إمبراطورية آل عثمان قاعدة مهينة لأساطيل الأطلنطي، يتبرع لها الغرب بفتات المساعدات والمعونات، لتقيم أود الأتراك ونظامهم الاقتصادي المهزوز.
المثال الثاني:
ومبدأ الميكافيلية في جوهره يعني الانتهازية، والكيل بكيلين، القياس بقياسين، وأن الغاية في فهم صاحبها ومصالحه الذاتية تبرر الوسيلة مهما كانت ظالمة ومنحرفة والعصر الإسلامي الأول على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، عبر عنه بصدق وأمانة الأعرابي البسيط، رسول جيش المسلمين إلى قائد الفرس حين رد على سؤاله عن السبب الذي أتى بالمسلمين إلى فارس، فكان جوابه إنما جاء المسلمون لإخراج الناس من جور الأديان إلى "عدل الإسلام" هؤلاء المسلمون الذين قالوا الحق وطبقوه في صدق وأمانة حتى "على أنفسهم" أو "ذوي القربى" كما أمرهم القرآن، هؤلاء القوم الذين خضع لحكم عدلهم في أقل من ثلاثين سنة جل العالم المتحضر على عصرهم، بل وأقبل راغبًا على تبني دينهم ولغتهم وزيهم، ليكون جزءًا منهم، كان ذلك هو نصيب هؤلاء المسلمين الصادقين القائمين بالحق والعدل من التوفيق والنجاح، ومنذ أن أخذ المسلمون يقيسون بمقياسين، ويكيلون بمكيالين، وتهتز قيم العدل في علاقاتهم ومعاملاتهم، وجدنا قوتهم تتضاءل ونفوسهم وضمائرهم تتمزق، حتى بلغ الأمر بهم ما بلغ في العصر الحديث، حين أصبحت الفجوة هائلة بين ما تعتبره الأمة المسلمة حقًا وعدلًا وخيرًا، وبين ما تعيشه وتسلكه في حياتها في جل الوجوه، إن لم يكن فيها جميعًا، هذا الصراع في النفس المسلمة كانت نتائجه واضحة في شل الهمة والقدرة والدوافع المسلمة، فأصبحت أرض الإسلام أرض ضعف و تخلف وركود، أما وإن تلك هي حقيقة تجربة المسلمين النفسية، فكان أولى بهم أن يخلصوا أنفسهم من هذه القيم والأدران، لا أن يقبلوا عليها بانبهار مجدد، بتأثير علاقة التبعية الفكرية المعاصرة لأوروبا، حتى يمكنهم أن يستعيدوا قوة نفوسهم ومضاء عزمهم بسدهم لتلك الفجوة العقائدية والنفسية الهامة بين مثاليتهم وواقعهم، ولكنهم للأسف لم يفعلوا حتى اليوم، بل أخذوا يبالغون في الانحراف الفكري والعقائدي وفي الضعف والعجز.
من الناحية الأخرى فإن هذه الميكافيلية ذاتها في التاريخ الغربي وفي النفسية الغربية، لها أثر مختلف لأن التناقض بين مثالية الغربي وواقعه وإباحته لنفسه تعدد المقاييس والمعايير (التي بلغت أوج بشاعتها في استعمارهم واستغلالهم لأمم الأرض وفي عنصريتهم وظنهم أنهم طينة أسمى من سواهم) لم يترك من الأثر المدمر في النفس الغربية ولا في قدرتها مثل ما فعل بالنفس المسلمة، وذلك لأن الأبعاد العميقة في تكوين الضميرين والشخصيتين ودوافعهما وفلسفتهما تختلف وتتباين في أصولها ومنابعها.
ذلك أمر لا يصعب على المشاهد أن يدركه إذا ما دقق النظر في الشخصية الغربية وفي المجتمع وفي التاريخ الغربي، إن اسم الصوامع والأديرة والرهبان، هي أمم الظلم والبغي والاستعمار والعنصرية والطغيان، والتي عاثت في الأرض وولغت من دماء الشعوب ومواردها بما لا مثيل له في التاريخ.
ولكن هل لقومنا أن يدركوا تلك البديهية والقضية الأساسية، في أن ما يلائم قومًا، لا يلائم بالضرورة في الغالب قومًا آخرین، إذا اختلفت تربيتهم الفلسفية والحضارية والتاريخية؟
إن الصراع في النفس المسلمة بين ما هو حق وخير، وما هو باطل وشر، لا بد أن يشلها ويعطل حركتها، وذلك لأنها عقلية وشخصية ونفس بنيت في أساسها على مبدأ (التوحيد)، فالحق واحد وهو هدف حركة النفس المسلمة وغاية جهدها.
أما النفس المسيحية، فإنها تقوم في جوهرها على التعدد، وهو مسلمة فلسفية أساسية في تكوينها، مما يجعلها قادرة على احتواء النقائض فعلى سبيل المثال الله واحد، والله ثلاثة، هكذا دون تفسير ولا تبرير، والإنسان قد تم إنقاذه من الخطيئة الأزلية بصلب الإله الابن عيسى، والإنسان في ذات الوقت لا مهرب له من الخطيئة الأزلية، وجنة الله هي على هذه الأرض، وفي نفس الوقت، فإن جنة الله هي ليست على هذه الأرض، كما يقولون بلا كيف.
وهكذا فإن أسباب الفشل في تحقيق القوة والنجاح من خلال فرض إطارات غريبة وأجنبية على الأمم قد تصل إلى أبعاد سحيقة في التجربة الإنسانية من حضارة إلى أخرى ومن أيديولوجية إلى أخرى، ولا يكفي لفهمها النظرة الخاطفة إلى السطح والمشابهات والمقارنات الخاطئة السقيمة.
المثال الثالث:
هو تبني العنصرية الغربية التي أطلق عليها اصطلاح "القومية"، والقومية بمفهومها العنصري الغربي ظهرت بوادرها منذ انهيار النظام الإقطاعي الكنسي، فلم تجد شعوب أوروبا ما تركن إليه في تنظيمها السياسي إلا التمايز المادي بين شعوبها وبدلًا من أن تكون هذه القومية حلقة من حلقات الروابط والود ابتداء من رابطة الأسرة كما هو دورها ومفهومها الإسلامي﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ، واحِدَةٍ، وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا ونِسَاءً واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ والْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء:1).
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: 13)، أصبح التمييز المادي والعرقي وسيلة هدامة مريضة للتعالي والتسلط وأيديولوجية سياسية للتباغض، وميدانًا للصراع والتناحر.
ولكن هذا التباغض والصراع في النفس الأوروبية وفي الجماعة الأوروبية لم يشلها لأنها نفس كما سبق أن ذكرنا تقوم على التعدد ولذلك أمكن أن يمثل هذا الصراع العنصري منطلقًا لبذل نشاط استعماري هائل شمل العالم من أقصاه إلى أقصاه، ومكن الغرب من بناء حضارته ورفاهيته على أنقاض وعناء الشعوب الإفريقية والأسيوية.
أما النفس المسلمة حين تبنت المفهوم الغربي العنصري للقومية وهي نفس لا تسيغ الظلم ولا الاستعلاء، فقد انتهت بها طوارنيتها وفرعونيتها وفينيقيتها وإيرانيتها وبنغاليتها وهلم جرا إلى تفتيتها ووهنها ووقوعها فريسة سهلة للغربي المتعالي الغاشم.
وهكذا انتهينا إلى ما انتهينا إليه اليوم، بعد قرون من تجربة الحل التقليدي التاريخي والحل الأجنبي المستورد، إلى ما نحن فيه من ضعف وتخلف وهوان.
والسؤال إذا كيف الخروج من هذه الدائرة المفرغة ؟ وما هو الحل الجذري الذي يجب أن تتخذه الأمة وقياداتها الفكرية والسياسية المعاصرة؟
في العدد القادم الجواب على هذه الأسئلة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل