العنوان دراسة في التلمود (الحلقة الثانية)
الكاتب د. محمد علي البار
تاريخ النشر الثلاثاء 17-نوفمبر-1987
مشاهدات 68
نشر في العدد 843
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 17-نوفمبر-1987
لقد ألف الكتبة والكهنة المقيمون
في معابد فلسطين ومدارسها التلمود الفلسطيني كما ألف الأحبار في بابل التلمود البابلي.
وكان هؤلاء الأحبار يقولون إن
موسى لم يترك فقط لشعبه شريعة مكتوبة تحتويها.
الأسفار الخمسة المسماة بالتوراة
«والتي كتبت بعد وفاة موسى بفترة امتدت إلى عشرة قرون حتى أخذت صيغتها النهائية»، بل
إنه ترك أيضًا شريعة شفوية تناقلتها الأجيال.
ويقول أحد مفسري التوراة الأوائل
سيمون بن لاكيش: إن المراد من الألواح التي أعطاها الرب لموسى هي الوصايا العشر والمراد
بالقانون «الناموس» هو القانون المكتوب في التوراة أما الوصايا فهي المشنا حيث جاء
في سفر الخروج ٢٤ :١٢ «إنا سنعطيك ألواح الحجر وقانونًا ووصايا كتبناها لتعلمها لهم»..
ويرجع لفظ كتبناها إلى أن الأنبياء والأحبار هم الذين كتبوها «لتعلمها لهم» أي تعلمهم
معناها وتفاصيلها وشروحها وهي الجمارة.
ويضيف هؤلاء الأحبار أن المشنا
تناقله عن موسى أربعون طبقة من الأحبار شفاها جيلًا بعد جيل حتى جاء الحاخام الأكبر
لديهم يهوذا هاناسي فوضعها في كتاب بعد أن أضاف إليها وعدل فيها وذلك في الفترة ما
بين ۱۸۹ – ۲۰۰ ميلادية.
الفريسيون هم الذين كتبوا التلمود
ومع هذا لم يقبل جميع الأحبار
قدسية التلمود ومصداقية هذه التعاليم المنسوبة إلى موسى عليه السلام. وتميز الصدوقيون
بموقفهم الواضح ضد قدمية تعاليم المشنا وأنها ليست من عند الله ولا واجبة الطاعة.
وتعترف دائرة المعارف اليهودية
العامة لعام ١٩٤٨ بأن اليهود الإصلاحيين لا يقبلون السلطة الإلزامية الكلية للتلمود
رغم اعترافهم بالدور العظيم الذي لعبه التلمود في تحديد وحسم عقائد اليهودية ونظرياتها
وتذكر دائرة المعارف البريطانية أن طائفة القرائين التي ظهرت في العراق وفارس في القرن
الثامن الميلادي «بعد الإسلام» أعلنت أن التلمود ليس من تعاليم الرب بل من نسج الأخبار
وأكاذيبهم كما قامت حركة هاسكالا والحركة الإصلاحية بالقضاء على قدسية التلمود وذلك
في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر «بعد الميلاد» واعتباره كتابًا مليئًا بالأساطير
والتلفيقات والتحايل.
وفي الوقت الذي كان الأحبار
الصدوقيون يشككون في قداسة التلمود كان الأحبار الفريسيون يؤكدون أن تعاليم التلمود
هي أهم من تعاليم التوراة ذاتها.
الفريسيون فرقة من أحبار اليهود
ظهرت على مسرح العقائد اليهودية في القرن الثاني قبل الميلاد وكان نفوذهم ضخمًا عند
ظهور المسيح عيسى بن مريم عليه السلام وهم الذين آذوه واتهموا أمه مريم عليها السلام
بالزنا.. وحاولوا قتله وصلبه وافتخروا بذلك.
يعتبر الفريسيون مؤلفي التلمود
وكاتبيه وتنسب إلى مجموعة الأحبار الذين عاشوا في القرن الأول والثاني للميلاد كتابة
المشنا، والمشنا هو متن التلمود البابلي والفلسطيني.
ويقول الفريسيون إنهم أتباع
عزير «عزرا» المتوفى سنة ٤٤٤ ق.م، وعزير هذا هو الذي ساهم مساهمة فعالة في صياغة التوراة
بعد النفي البابلي وضياع ما كان موجودًا من نسخها. وإليه تعزى أيضًا كثير من تعاليم
التلمود الشفوية.
ويعتبر اليهود «عزرا» أكبر معلم
يهودي بعد موسى عليه السلام.. وقد رفعوا مكانه كما ذكر القرآن الكريم إلى درجة التأليه..
(وقالت اليهود عزیز ابن الله).. مضاهاة لأقوال الأمم الوثنية التي
كان اليهود يعيشون بين ظهرانيهم.
وما إن زالت طبقة الصدوقيين
عام ٧٠ بعد الميلاد حتى تمكن الفريسيون من فرض آرائهم على جميع اليهود. وقبل اليهود
كافة منذ ذلك الحين أوامر التلمود وتعاليمه على أنها أوامر الله مباشرة، واستقرت في
أذهانهم قولة التلمود «أن أقوال الحاخامات هي أفضل من أقوال الأنبياء» «وأن تعاليم الحاخامات لا يمكن
نقضها ولا تغييرها ولو بأمر الله».
واستمرت التعاليم الشفوية تزداد
يومًا بعد يوم إذ إن كل خبر كان يضيف إليها ما يشاء دون قيد بحيث إنها كانت من الكثرة
والتناقض بحيث لا تستطيع أي ذاكرة بشرية أن تختزنها لهذا بدأ مجموعة من كبار أحبار
اليهود بتدوين ما يرونه من هذه التعاليم وذلك منذ نهاية القرن الأول بعد الميلاد وكان
من أبرزهم يهوذا هاناسي الذي كان أول من جمع هذه التعاليم المسماة المشنا والمنسوبة
إليه منذ ذلك الحين.
يقول الفيلسوف والحبر اليهودي
موسى بن ميمون في مقدمة كتابه «شرح المشنا»: «منذ أيام معلمنا موسى حتى حاخامنا المقدس
«يهوذا هاناسي» لم يتفق أحد من أحبار اليهود على أي عقيدة من العقائد التي كانت تدرس
علانية باسم «القانون الشفهي» بل كان رئيس محكمة كل جيل «السنهدرين» يضع مذكرة عما
سمعه عن سلفه وشيوخه لينقلها شفهيًا إلى شعبه. وهكذا ألف كل فرد من هؤلاء الأحبار كتابًا
ليستفاد منه حسب درجة كفاءته إذا كان متمكنًا من القوانين الشفوية.
وما توصل إليه السابقون من قرارات
أعلنت في مختلف الأجيال وقررتها المحكمة العليا «السنهدرين» وهكذا تقدم الزمن حتى أتى
حاخامنا المقدس الذي جمع لأول مرة كل ما يتعلق بالطريقة والأحكام والقرارات. وشرح القانون
المروي عن موسى المأمور به في كل جيل».
وهكذا يعترف موسى بن ميمون الذي
قال عنه اليهود «ما بين موسى إلى موسى لم يظهر واحد كموسى» يعترف صراحة بأن رئيس كل
محكمة كان يضع مذكرة عما سعمه عن سلفه وشيوخه ويضيف إليها ويحذف منها ما شاءت له أهواؤه
واستمر هؤلاء من عهد عزرا (القرن الخامس قبل الميلاد) حتى القرن الأول بعد الميلاد
يضعون هذه التعاليم الشفوية.
أهم الشخصيات التي كتبت المشنا
هناك مجموعة من الحاخامات اشتركوا
في تأليف المشنا وهي متن التلمود المعتمد لدى اليهود ويسمى هؤلاء التنائيم أي معلمو
الشريعة. وقد اشتركت ستة أجيال متتابعة في صياغة المشنا كان أولهم الحاخام هليل سنة
١٠ ميلادية وآخرهم يهوذا هاناسي (۱۸۹ – ۲۰۰م) وأهم هذه الشخصيات هي:
الحاخام هليل
يعتبر الحاخام هليل أول من ابتدأ
بتدوين المشنا وكانت بداية غير موفقة حيث لم يرتب الأقوال على أبوابها بل كان جمعًا
حسبما اتفق.
ولد هليل في بابل ثم انتقل إلى
فلسطين وأصبح هليل رائد ورئيس اليهود في القدس «أورشليم» الأربعين سنة (٣٠ قبل الميلاد
حتى سنة ١٠ بعد الميلاد) وتولى رئاسة طائفة الفريسيين الذي هاجمهم المسيح عليه السلام
نتيجة انحرافهم وجعلهم أنفسهم أربابًا من دون الله. وأسس هليل مدرسة دينية تعرف باسمه
«بيت هلیل» واستمرت فترة من الزمن بعد وفاته. وكانت لهليل قداسة لدرجة الزعم أن وحيًا
نزل من السماء يقول «كل من يخالف كلمات هليل فقد استحق الموت».
الحاخام عقيبا والحاخام إسماعيل
ولد الحاخام عقيبا بن يوسف في
فلسطين ما بين سنة ٤٠ إلى ٥٠ ميلادية، وتوفي سنة ١٣٥م ويعتبر مؤسس الحاخامية واليهودية.
وقد وضع بنفسه كثيرًا من تعاليم
التلمود وجمعها جمعًا غير مرتب مع ما كتبه هليل، وتميز عقيبا كما تقول دائرة المعارف
البريطانية (ج ۱۰۰۷/۱۷)
بالتفكير المنطقي وباستخدام القياس بينما
قام الرابي إسماعيل المقارن والمعاصر له بإنشاء مدرسة أخرى تميزت بوضع تفسير للكلمات
التي تبدو زائدة في تعاليم التوراة المكتوبة والشفوية.
الحاخام مئير
وهو تلميذ الحاخام عقيبا.. ومئير
تعني المنير ويسميه اليهود أيضًا بعل هانس أي «صانع المعجزات» وهو أحد علماء الجيل
الثالث من الحاخامات الذين يسمون التنائيم ولفظ «تنا» آرامي ويعني «المعلم» والتنائيم
تعني «معلمو الشريعة».
وقد قام مئير هذا بمحاولة تنسيق
ما كتبه أستاذه عقيبا كما أضاف إليه شيئًا من تعاليمه الخاصة.
الحاخام يهوذا هاناسي
يعتبر يهوذا هاناسي أول من جمع
المشنا ورتبه ترتيبًا جيدًا بحيث يمكن معرفة أبوابه وقوانينه بعد أن كانت مضطربة أشد
الاضطراب ومتناقضة أشد التناقض لهذا يسمى يهوذا هاناسي الحاخام المقدس أو الأمير..
وكما ذكر موسى بن ميمون فإن تعاليم المشنا كانت مفرقة ومبعثرة وغير متفق عليها «حتى
أتي حاخامنا المقدس يهوذا هاناسي» الذي جمع لأول مرة كل ما يتعلق بالطريقة والأحكام
والقرارات».
وقد قام يهوذا بجمع ما كتبه
هليل وعقيبا ومئير ثم عكف على ذلك الخليط العجيب ونقحه وزاد فيه وحذف منه.. وأخرج المشنا
التي اعترف بها أغلبية اليهود منذ ذلك الحين حتى يومنا هذا واعتبارها قانونًا من السماء
يفوق في أهميته تعاليم التوراة ذاتها. وقد عكف يهوذا هاناسي على عمله هذا إحدى عشر
عامًا (۱۸۹ - ۲۰۰ ميلادية) في مدينة صبورة في
فلسطين.
وانتشرت منذ ذلك الحين مشنا
يهوذا الذي عرفت باسمه وأدخلت عليها إضافات متعددة على مدى العصور والأجيال ولكنها
ظلت العمود الفقري للتلمود..
وترى أقلية من الباحثين اليهود
أن يهوذا هاناسي لم يدون المشنا، وإنما تم ذلك التدوين في القرن السادس الميلادي بواسطة
الأحبار المعروفين باسم السبورائيم أي المناطقة. ولكن هذا الرأي مرجوح.. وتعترف أغلبية
المصادر بفضل يهوذا هاناسي على اليهود وأنه هو الخير المقدس مؤلف المشنا المحتوي على
التعاليم الشفوية التي ظل اليهود يتناقلونها حسب زعمهم من زمن موسى عليه السلام في
القرن الرابع عشر قبل الميلاد إلى نهاية القرن الثاني بعد الميلاد (أي ١٦٠٠ عام).
وأحكام المشنا إما عامة مجهولة
المصدر وإما آراء الحكماء أي حكماء اليهود وتتمثل المشنا التي كتبها يهوذا هاناسي في
نصوص قانونية وقرارات تسمى هلكا (ولا شك أنها هلاك لمن يتبعه).
ولغة المشنا هي العبرية الحديثة
وهي مختلطة بألفاظ يونانية ولاتينية مع اللغة الآرامية. ورغم أن هناك تلمودًا بابليا
وتلمودًا فلسطينيًا إلا أن المشنا فيهما واحدة والاختلاف بينهما يقع في الشروح المسماة
«جمارة».
(يتبع)