; دروس من أُحُد (245) | مجلة المجتمع

العنوان دروس من أُحُد (245)

الكاتب منير الغضبان

تاريخ النشر الثلاثاء 15-أبريل-1975

مشاهدات 70

نشر في العدد 245

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 15-أبريل-1975

أُحد جبل يحبنا ونحبه. هكذا خلّد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الجبل الأشم، أو قل هذا الصديق الأنيس.

 ومن أجل هذا نتعاطف معه واليوم يتعاطف معنا.

كما نحس بالحنين نحوه يوم تزلزل وكان عليه الرسول وأبو بكر وعمر وعثمان.

فناداه الحبيب اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان. بجانب الشهداء السبعين هناك وعلى رأسهم سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، هؤلاء الشهداء الذين كانوا ثمرة مرة للمخالفة ورمزًا رفيعًا للصمود على مدى التاريخ.

بيان من الله

بيان لا كالبيانات.. ليست مهمته الحديث عن التقدم والتراجع، وليست مهمته ذكر الأرباح والخسائر. وليست مهمته التمويه والتضليل. بل كان الحساب من الله لجنده المؤمنين.. إنه حديث من رب السموات والأرض لهؤلاء السبعمائة. وكشف كامل الأخطاء، وثناء من الله على جنده المخلصين، إنه بيان السماء للأرض ومهمته كما قال القرآن الكريم نفسه: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (آل عمران: 138)؛ فهو إعلام للناس من جهة، وتربية وهدى للمؤمنين من جهة ثانية.

1- فالمؤمنون هم وحدهم جنود المعركة: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (آل عمران: 121).

۲- رج المعركة: بنو حارثة وبنو سلمة وقد رأوا انخذال عبد الله بن أبي، وحدثتهم أنفسهم بالمسير مع ابن أبي وكانوا على شفير الهاوية فلو انضموا لابن أُبي خرجوا من حظيرة الإيمان إلى مستنقع النفاق: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (آل عمران: 122).

3- وحدة العقيدة لا كثرة العدد. ولن يضير المؤمنين أن يكونوا في العدد قلة ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (آل عمران: 123).

4- الملائكةُ تكملُ العدد: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ. بَلَىٰ ۚ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (آل عمران: 124).

5- المؤمنون والملائكة لا يملكون النصر. بل هم أدوات لقدر الله يحقق نصره. ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ ۗ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (آل عمران: 126) منه القوة. وهو الحكيم لمن يهب النصر ومتى يهبه.

6- سيد الخلق لا يملك النصر: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (آل عمران: 128)

يالله. البشر ممثلون بسيد ولد آدم وقد جرح وجهه، وشجت شفته، وكسرت رباعيته، وخضب الدم وجهه ووقع في الحفرة. راح يمسح الدم عن وجهه ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى الله. وإذا برب الخلق يؤكد لسيد الخلق أن لا رأي له في فلاح القوم أو هلاكهم فالأمر كله لله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (آل عمران: 128).

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (آل عمران: 129) إذن قد يتوب الله عليهم، ويفلحون. وقد خضبوا وجه نبيهم بالدم.

7- مواصفات الجنود المؤمنين في الجيش: إنها شروط الإيمان والجندية في جيش الإيمان.

 أ- عدم أكل الربا وتقوى الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (آل عمران: 130).

ب- الخوفُ من النار: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (آل عمران: 131).

ج- طاعة الله والرسول: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (آل عمران: 132).

د- المسارعة للمغفرة والجنة: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (آل عمران: 133).

ه- الإنفاق والكظم والعفو: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (آل عمران: 134).

و- الاستغفار عند ظلم النفس: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (آل عمران: 135).

 أما النتيجة: ﴿أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (آل عمران: 136).

8- الاعتبار بالماضين من الطغاة: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (آل عمران: 137).

وهكذا نرى أن الفقرات الثمانية كلها تحدد هوية الجيش المؤمن. وعمن يكون الحديث.

تلكم يا شباب الإسلام مقدمة البيان وإليكم تفاصيله.

1- إن اهتدينا به فنحن مؤمنون: ﴿هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: 138).

2- المؤمنون منتصرون وتلك أولى فقرات البيان. ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139).

3- لا عبرة بالخسائر المادية: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران: 140).

4- المحنة ضرورة. لماذا؟ أ- وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا. ب- وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ. ج- وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. فلو أحبهم لاتخذ منهم شهداء؛ بل يقصمهم ويهزمهم. إنها محنة الحب للمؤمنين الصادقين. ليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين. لا بد من أن يتميز المحبون المخلصون من الأدعياء. وشتان شتان بين التمحيص والإبادة. 

5- لا جنة بلا جهاد: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران: 142)

6- بين الحقيقة والادعاء: ﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ (آل عمران: 143).

7- الارتباط بالرسالة لا بشخص الرسول: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمران: 144).

8- النصر ثواب الدنيا. والمغفرة ثواب الآخرة: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا ۗ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمران: 145).

9- الرباني لا يعرف الوهن والضعف والاستكانة: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران: 146).

10- غاية الرباني: المغفرة فالثبات فالنصر: وما كان قولهم إلا ﴿أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: 147).

11- الخسارة بطاعة الكافرين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: 148) فهل لنا أن نعقل. وهل لنا أن ندرك أن الحديث عن اعتبار المعركة بين العرب واليهود هو انطلاق قومي، وأن القومية تضع المؤمن والكافر على حد سواء. وأنه يمكن أن تكون القيادة الكافرة على المؤمنين، وأن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: 148).

 ۱۲- الله خير الناصرين. وإن كانت الانطلاقة من القومية حفاظًا على العدد وجمعًا للصفوف. لتحقيق النصر فأنتم مخطئون. بل الله مولاكم وهو خير الناصرين. إنه يغنيكم عن الناصرين غير المؤمنين. اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم يوم رد كتيبة اليهود قائلاً: إنا لا ننتصر بأهل الكفر على أهل الشرك. إن أهل الكفر هم اليهود وهم النصارى وهم المرتدون. ولا يعفيهم إيمانهم بالله من الكفر، ولا يدخلهم في حظيرة المؤمنين. 

13- الرعب من الله يلقى على الكافرين. أي كافر كان. ولأنه أشرك بالله ما لم ينزل به سلطانًا وهو ظالم وهو في النار. ولا رعب مع الإيمان الصادق.

14- النصر قائم: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ﴾ (آل عمران: 152).

15- أسباب فقدان النصر: الفشل والتنازع في الأمر وحب الدنيا ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ (آل عمران: 152).

16- الابتلاء عفو وفضل: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (آل عمران: 152) ولولا عفو الله لانتهى المسلمون ولولا فضل الله لأبيد المسلمون. ولكن عين الله ترعاهم حتى في العقوبة فالمؤمن يعصي، والمؤمن يفشل، والمؤمن يحب الدنيا. فإن عوقب فيها فذلك عفو من الله وفضل كبير.

17- لا حزن على عقوبة الخطيئة: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ۗ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (آل عمران: 153).

18- الصامدون كوفئوا بالأمن النفسي: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ.. (آل عمران: 154) «فقد ألقى الله على المسلمين النعاس أمنة منه ما منهم رجل إلا يغط غطيطًا حتى تناطحت الرؤوس، وسقط سيف بشر بن البراء بن معرور من يده وسقط سيف طلحة من يده، ثم فزعوا وكأنهم لم يصبهم من قبل نكبة.

19- المؤمن الضعيف يتزلزل: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ﴾ (آل عمران: 154).

20- المعركة تكشف مستويات الإيمان: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (آل عمران: 154).

21- الخطيئة تورث العزار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ۖ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (آل عمران: 155) فلقد كان التولي نتيجة استدراج من الشيطان. ونتيجة خطأ أو معصية أورثت وهنًا في القلب، وضعفًا في الإيمان. أدى إلى التولي يوم الزحف، ومن فضل الله عليهم أنه عفا عنهم. وكفاهم من العقوبة الجزع النفسي والندم الداخلي العميق.

وهكذا نرى أن مستويات الإيمان والمؤمنين تتفاوت؛ فمنهم الرباني: الذي لا يعرف الضعف والوهن والاستكانة. قلبه موصول بالله يسأله المغفرة والثبات والنصر.

ومنهم الزال: تأتي العقوبة إليه وتنزل به البلية. فتذكره بربه وتعيده إليه. 

ومنهم المخطئ: الذي يمشي خطوات مع الشيطان. فينقطع قلبه عن الله في فترات. قد تخرجه من حضن الإسلام ببعض اللوثات الجاهلية، وقد تجعله محفوفًا بالجزع مكتظًا بالخوف حتى يؤوب إلى الله وتكون العقوبة النفسية والشعورية أضخم في عالم الواقع من العقوبة الحسية.

22- الأخوة بين الكافرين والمنافقين:  ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (آل عمران: 156) فالحسرة تأكل قلب المنافق من الخوف. وتأكل قلبه جزعًا من الموت ويثاقل إلى الحياة بل ويهيم في حبها وترتعد فرائصه من الموت.

23- المغفرة ولقاء الله: ﴿وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ (آل عمران: 157).

وشتان بين من يرى الموت حسرة على ملذاته، وحرقاً لفؤاده على شهواته من المنافقين والكافرين وبين من يرى الموت والقتل في سبيل الله زغرودة النصر وربيع الأماني بالمغفرة والرحمة ولقاء الله من المؤمنين.

24- حدود الرسالة: رحمة ولين، عفو واستغفار وشورى وعزيمة وتوكل: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: 159) وكما يقول الشهيد سيد قطب: ثم يجيء الأمر الإلهي له بالشورى بعد المعركة كذلك تثبيتًا للمبدأ في مواجهة نتائجه المريرة. فيكون هذا أقوى وأعمق في إقراره من ناحية، وفي إيضاح قواعد المنهج من ناحية، إن الإسلام لا يؤجل مزاولة المبدأ حتى تستعد الأمة لمزاولته. وإن الأخطاء في مزاولته مهما بلغت من الجسامة لا تبرر إلغاءه، بل ولا تبرر وقفه فترة من الوقت لأنه إلغاء أو وقف لنموها الذاتي، ونمو خبرتها بالحياة والتكاليف، بل هو إلغاء لوجودها إطلاقًا. وهذا هو الإيحاء المستفاد من قوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ. كما أن المزاولة العملية للمبادئ تتجلى في تصرف الرسول صلى الله عليه وسلم عندما رفض أن يعود إلى الشورى بعد العزم. واعتباره هذا ترددًا وأرجحة؛ وذلك لصيانة مبدأ الشورى لله أن يصبح المؤمنون وسيلة للأرجحة أو الشلل الحركي.

25- لا نصر إلا من الله: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (آل عمران: 160) هل يعقل العرب اليوم هذا المبدأ. ولو تجمعت امريكا وأعطت إسرائيل ألف طائرة وثلاثة آلاف دبابة. فإن كان الله معنا. فلن نهزم. ولو تجمعت كل دول العالم ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ ۗ؟.

من يا قوم: روسيا. والرأي العام العالمي والمعسكر الاشتراكي، وكل قوى الأرض: فإن خذلنا الله من الذي ينصرنا من بعده. أحد شيئين. إما أن نكون كافرين، فلنبحث عن غير الله. وإما أن نكون مؤمنين فيجب أن نعتقد اعتقادًا لا يقبل الشك أن الذي ينصر هو الله. والذي يخذل هو الله. ولا قِبل لأحد في الأرض بحرب الله. وعلى الله فليتوكل المؤمنون.

26- نعم ليسوا سواء: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَن بَاءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (آل عمران: 162) المنطق القومي يقول: أبناء العرب متساوون بغض النظر عن الدين. المنطق الوطني يقول: المواطنون متساوون أمام القانون لا تمييز بينهم على أساس دين أو جنس أو طائفة.

الله تعالى يقول: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَن بَاءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون.

27- من الظلمات إلى النور: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (آل عمران: 164) إنها منة الرسالة من الله لخلقه. وكم الفرق شاسع؟ وكم النقلة بعيدة بين الضياع في التيه والانبثاق من القرآن.

28- عودة إلى المعركة. فلماذا المصيبة. من أين أتت. لماذا الانتكاسة. إنها من النفس، من الأعماق. إن الضعف في الداخل. ليس من السلاح. ليس من تكالب الأعداء. إنها من النفس. 

﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (آل عمران: 165).

29- المصيبة للتمييز والتطهير: إنها بإذن الله. وعلمه وإرادته. لا بد من تميز الصفوف. لا بد من كشف المؤمن من المنافق، لا بد من تطهير الصف الداخلي، لا بد من صدق التعاقد مع الله.

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ۚ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا ۖ قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ ۗ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ * الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ۗ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (آل عمران: 166: 168).

ولقد تمت التصفية. وانخذل عبد الله بن أبى بثلث الجيش. فاتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام دعا يقول: يا قوم أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر من عدوهم، فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم ولكنا لا نرى أن يكون قتال. فلما استعصوا عليه وأبوا الانصراف عنهم قال: أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم نبيه.

كيف يمكن أن يكون هؤلاء المتخاذلون الحائرون المنافقون مثل من قدّموا دمهم وحياتهم ولحمهم دون رسول الله ولو تم النصر وانتهت المعركة في الجولة الأولى ليبقى كثير من النوعيات الحائرة المتخاذلة التي همت أن تفشل في جانب الادعاء والتبجح.

30- أما مقام الشهداء: فيا له من مقام. لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم جابر بن عبد الله فقال: يا جابر ألا أحدثك عن أبيك «وكان أبوه قد استشهد في أُحد»: قلت: بلى يا رسول الله. قال: إن الله لم يكلم أحدًا شفاهًا وكلم أباك فقال: تمن يا عبد.

فقال: يا رب أتمنى أن تعيدني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك ثانية، فقال الله له: أما هذه فقد سبق القول مني أنهم إليها لا يرجعون.

تمن غير ذلك. فقال: يا رب إذن أخبر إخواننا الذين في الدنيا أننا أحياء في الجنة نأكل ونتنعم حتى لا ينكلوا عن الجهاد ولا يتخلفوا عن رسول الله فأنزل الله عز وجل: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ  * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 169 : 171).

الرابط المختصر :