; دروس من التجربة السودانية (٣).. التعامل مع المجتمع الدولي أسسه وأهميته ومحاذيره | مجلة المجتمع

العنوان دروس من التجربة السودانية (٣).. التعامل مع المجتمع الدولي أسسه وأهميته ومحاذيره

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أبريل-2000

مشاهدات 59

نشر في العدد 1397

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 25-أبريل-2000

  • الدول لا تعيش في فراغ بل تتعامل مع مجتمع محلي وبيئة إقليمية ومجتمع دولي، ولكل دوره في ضبط إيقاع الحياة من حولنا

  •  واجبنا أن نعرف القدر المشترك الذي يمكن التعاون مع الواقع الدولي من خلاله والثوابت القاطعة التي لا يجوز التنازل عنها

 

مر بنا كيف ينبغي على الحركة الإسلامية أن تدرس واقعها المحلي جيدًا، وأن تتفهم حقيقة أنها ليست وحدها في الساحة الوطنية، وأنه لا يجوز لها أن تدعي احتكار حب الوطن أو الإخلاص في العمل لمصلحته، ورأينا أنه من دروس التجربة السودانية البليغة أن نتعلم كيف نحترم التعددية السياسية، وأن نتعود الممارسة السياسية في إطار وطني عام يتم فيه الاحتفاظ بالثوابت مع تقديم تنازلات في إطار البرامج العملية، وأنه إذا كانت الحركة الإسلامية رفعت شعار صاحب المنار: «نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه، فإنه إما أن نصك شعارًا جديدًا يناسب العمل الوطني أو توسع فهمنا لشعارنا السابق حتى يشمل الوطنيين جميعًا.

أمثلة تطبيقية من الواقع: وقبل أن ندلف إلى درس جديد فإنه من المناسب أن نستكمل ملف الدرس السابق وأن نقدم أمثلة عملية من الواقع في بلاد كثيرة تدلل على أهمية استيعاب هذا الدرس وتنزيله على الحياة السياسية.

فها نحن نرى المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان، تقض مضاجع العدو الصهيوني حتى قرر الانسحاب من طرف واحد نتيجة للخسائر الفادحة التي مني بها، هذه المقاومة الشجاعة قرر حزب الله أن يوسع الإطار الذي تعمل فيه، فتضم كل الفصائل اللبنانية الراغبة في المقاومة تحت اسم «السرايا اللبنانية الوطنية».

وهذا مثال على أهمية العمل في إطار وطني عام، بعمل عسكري يتميز بقدر عال جدًا من الحرفية والسرية يعتمد على أنشطة مخابراتية واستطلاعية بالغة الدقة، ومع ذلك يتم اتخاذ قرار بتوسيع إطاره العام رغم ما قد يكتنف ذلك من صعوبات ونرى أيضًا تجارب للمشاركة بحكومات ائتلافية في أكثر من بلد، مازال بعضها يعمل بصورة ضعيفة مثل الجزائر التي تقوم حركة حمس فيها بدور بارز في الحفاظ على الهوية الإسلامية كمكون رئيس في الثوابت الوطنية الجزائرية، وتعثر البعض في بلاد أخرى لسبب أو لآخر مثل الأردن واليمن، إلا أنها تظل علامات على طريق المشاركة السياسية تحتاج إلى دراسة وتحليل حتى نستفيد بإيجابياتها وتتجنب سلبياتها.

وكيف ننسى الدور السياسي النشط الذي قام به الإخوان المسلمون في مصر قديمًا وحديثًا، كيف تنسى المشاركة في الإعداد والتهيئة لثورة يوليو وما ترتب على ذلك من صراع مدمر أصاب الإخوان أنفسهم بأبلغ الضرر، ثم المشاركة الحديثة في تحالفات سياسية مؤقتة مع حزب الوفد سنة ١٩٨٤م ومستمرة حتى الآن مع حزب العمل منذ سنة ١٩٨٧م.

ومازالت حركة حماس في فلسطين تقدم رجلًا وتؤخر أخرى في إمكان بناء جبهة عريضة واقعية متماسكة تستطيع مقاومة الحل الصهيوني الأمريكي المفروض على منظمة التحرير الفلسطينية وتكون هذه الجبهة بديلًا وطنيًا واسعًا يندرج تحت لوائه كل أبناء الشعب الفلسطيني باختلاف توجهاتهم السياسية والفكرية، فهل يتحقق هذا الأمل؟

وخارج الإطار العربي لدينا المثال الواضح لأربكان في تركيا، وأنور إبراهيم في ماليزيا، كلاهما يحتاج إلى مقال منفصل، إلا أن الشاهد هنا هو أن هذه الرؤية السياسية الواقعية للعمل في إطار وطني عام تتجذر أكثر وأكثر وتستفيد بالقطع من كل هذه التجارب في المشاركة، وتستطيع مع الدرس والتحليل أن تتعلم من الأخطاء، وأن تقوم مسيرتها، وأن تحل محل نظرية الإقصاء والإبعاد أو نظرية العمل المنفرد بكل أخطارهما.

لا نعيش في فراغ

عاشت ثورة الإنقاذ السودانية حصارً شديدًا من المجتمع الإقليمي حولها، ومن المجتمع الدولي -خاصة أمريكا التي مازالت تمارس ضغوطًا- سياسية على كندا، وهي من أقرب حلفائها لوقف الاستثمار في مجال النفط السوداني لقد استقرت الثورة في شهورها الأولى الأسباب عديدة منها:

- التأييد المصري لها نظرًا للحساسية الشديدة التي يتبادلها الزعيم السوداني الصادق المهدي مع مصر. 

- التمويه الكبير الذي صاحب الانقلاب بالقبض على الدكتور الترابي مع بقية زعماء السودان.

 ولكن سرعان ما انقلب التأييد إلى حصار والاستقرار إلى مواجهات دامية، وجاء وقت كان السودان لا يتمتع بعلاقات طبيعية مع جيرانه التسعة، وكان ذلك حصيلة أسباب وممارسات سياسية:

كان الإعلان عن التوجه الإسلامي الصريح أحد أهم الأسباب. 

وكانت الرغبة في ممارسة دور إسلامي عالمي أممي عن طريق المؤتمر الشعبي الإسلامي العالمي سببًا ومدعاة للقلق الدولي.

وكان التدخل السوداني في صراعات القرن الإفريقي -وهي منطقة استراتيجية- مدعاة للدخول في صراعات مخابراتية، واستعداء أطراف الصراع المختلفة، والدخول إلى حلبة دولية خطيرة لم تستطع أمریکا نفسها البقاء داخلها فانسحبت من الصومال، بعد مقتل وسحل جنودها في شوارع مقديشو.

وكان فتح الحدود السودانية والسماح بدخول أفراد ينتمون لجماعات إسلامية عنيفة يسعها في النشاط مالا يسع الدول والحكومات، كان ذلك مبررًا لاتهام السودان بالإرهاب أو إيواء الإرهابيين.

وكان الفشل في حل المشكلات السياسية السودانية بالاتفاق مع الفرقاء السياسيين سببًا في دعم الدول المجاورة للحركات المسلحة ضد الخرطوم ردًا على دعم الخرطوم لجماعات أخرى معارضة أوغندية وإريترية. وطالت مرحلة الحصار إلى الدرجة التي أرهقت السودان، وسببت خلافات داخل المجموعة القيادية الحاكمة في كيفية معالجة هذا الحصار الشديد، واتجهت الرؤى إلى البحث عن مخارج بعيدة عن أمريكا وأوروبا والدول التي تدور في فلكهما إقليميًا، فكان الاتجاه شرقًا، إلى إيران والصين وماليزيا. 

فكانت استجابة إيران ضعيفة جدًا لأسباب عديدة، ولم توف الصين أو ماليزيا باستجابات تستطيع سد حاجة السودان أو تغنيه عن جيرانه أو القوى المهيمنة دوليًا. 

وكان لابد في النهاية من سياسة واستراتيجية جديدة تحاول فك الحصار المفروض على السودان وكان ذلك أحد أسباب الاختلاف أيضًا داخل الصف الحاكم.

أهمية فهم الواقع الدولي

من هنا يتبين لنا أهمية إدراك أننا لا نعيش في فراغ، بل نتعامل مع مجتمع محلي وبيئة إقليمية و مجتمع دولي، ولكل دوره في ضبط إيقاع الحياة حولنا، ولعله من نافلة القول بيان أن الله تعالى علم المسلمين من المرحلة المكية أهمية الربط بين الأحداث الدولية وواقع المسلمين كما جاءت إشارة في صدر سورة الروم ﴿غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ فِي بِضۡعِ سِنِينَۗ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (الروم: 2- 5).

وكانت عالمية رسالة الإسلام أحد أهم معالم الدعوة الجديدة ومن أهم ما يميزها عن غيرها من الرسالات السابقة وكان النبي ﷺ يبعث إلى قومه خاصة، وبعث إلى الناس كافة وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107) وانساحت الدعوة الجديدة لتواجه أكبر إمبراطوريتين في ذلك الوقت وتحل محلهما وتستفيد من حضارتيهما وتقتبس منهما النافع المفيد.

وقد أدرك الإمام الشهيد حسن البنا أهمية التعامل مع الواقع الدولي، وكانت أغلبية البلاد الإسلامية تحت الاحتلال فأعلن أن قوميتنا نسبة عالمية بانتسابها إلى الله تعالى، وأن حق الإنسانية علينا أن نقدم لها رسالة الإسلام لإنقاذ البشرية من مهاوي الضلال وأن ذلك ليس لطلب سلطان أو المال أو سلطة أو استعمار أو استبداد، وأوضح موقف الإخوان من الدول الأوروبية ودعاها إلى الجلاء عن البلاد الإسلامية أو مواجهة الحساب مع الشعوب الإسلامية،

وتحدث في رسائله عن السياسة الخارجية والحقوق الدولية والنزعة العالمية الإنسانية لرسالة الإسلام وأن الطريق معهد السيادة الفكرة العالمية وحلولها محل الفكرة الشعوبية القومية. وبين أن اختيار الإسلام لن يؤثر بصورة جدية في علاقتنا الدولية لأن خلاصة الكلام كما قال: «إننا إذا لاحظنا غضب الغربيين ورضاهم في تماسكنا بالإسلام أو بعدنا عنه، فليس لهذا من معنى إلا أننا إن لم نتمسك بالإسلام فلن نكسب رضاهم وسنخسر أنفسنا في حين أننا إذا تمسكنا بالإسلام وتجمعنا من حوله واهتدينا بهديه كسبنا أنفسنا ولا شك، وكان هناك احتمال قوي أن نكسبهم أيضًا بتأثير قوة الوحدة، فأي الرأيين أولى بالاتباع يا أولي الألباب؟!»

وهذا غيض من فيض من تعليقات وكلمات الإمام الشهيد.

ويكفي للتدليل على أهمية إدراك الواقع الدولي ووضع أسس واضحة للتعامل معه أن العالم الآن يعتمد مبدأ الاعتماد المتبادل في مجال الاقتصاد والعلم والتكنولوجيا ولا تستطيع دولة ما أو مجتمع أيًا كان أن يعيش في عزلة عن العالم. 

وها هي تجربة ألبانيا سابقًا، وتجربة أفغانستان حاليًا دليل واضح على صدق ما نقوله.

فالتبادل الاقتصادي أصبح عالميًا. والاستثمارات الأجنبية تشكل في معظم بلاد العالم نسبة لا يستهان بها من بنية الاقتصاد والدخل العام، وها هو السودان نفسه يضع معظم أماله الاقتصادية في أمرين:

  1. الاستثمار في مجال البترول، وتقوم به شركات أجنبية تتعرض لضغوط هائلة من أمريكا لوقف استثماراتها.

  2. تدفق رؤوس الأموال الأجنبية للاستثمار في مجالات الزراعة والصناعة والتجارة، وهي تحتاج إلى استقرار وأمن وعدالة لا يمكن أن تتوافر إذا عاش السودان في بيئة محلية وإقليمية ودولية قلقة. 

ومن هنا نفهم لماذا تتسارع خطوات المصالحة الوطنية ويتم التمهيد للتنازلات حتى في بعض الثوابت الكبيرة.

ونفهم أيضًا لماذا يستقبل السودان المبعوث الأمريكي الخاص بالسودان رغم كل الضجيج الصاحب ضد أمريكا، ونفهم لماذا اختفت المظاهرات الحاشدة ضد أمريكا التي كانت تملأ الشوارع من قبل؟!

لقد كان ضغط الواقع أشد وأصعب، ولعلنا نتذكر ما قاله الخميني عندما أعلن وقف الحرب أن القرار كان أشد عليه من تجرع السم.

أسس التعامل الدولي ومحاذيره

يجب علينا أن نتعلم الدرس وأن نبادر كحركات إسلامية بإعادة قراءة الواقع الدولي ومعرفة حقائقه، وتبين القدر المشترك الذي يمكن لنا التعاون من خلاله والثوابت القاطعة التي لا يجوز التنازل عنها.

كما يجب علينا إعادة قراءة تاريخنا في هذا الصدد، وهو ثري وغني في حالاته المختلفة حالة القوة والمنعة، وحالة الضعف والاستسلام لبناء نظرية جديدة في العلاقات الدولية من منظور إسلامي، وقد ساهم المعهد العالمي للفكر الإسلامي بالتعاون مع كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في مصر بدراسات قيمة في هذا الشأن لعلها تكون محل نظر الإسلاميين.

الرابط المختصر :