العنوان دعاء الجنرال.. يحرص مشرف على إرضاء الداخل بإظهار النزعة الدينية
الكاتب سمير شطارة
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أبريل-2000
مشاهدات 64
نشر في العدد 1397
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 25-أبريل-2000
توجهات خطيرة لحكومة مشرف بخفض ميزانية الدفاع والموافقة على توقيع اتفاقية حظر التجارب النووية
استياء شعبي متنام نتيجة المردود الضعيف لمشروع المحاسبة ورفع أسعار البترول والغاز
خلال خطاب له مؤخرًا إلى الشعب الباكستاني عبر الإذاعة والتلفاز أوضح الجنرال برويز مشرف رئيس السلطة التنفيذية في باكستان استراتيجية بلاده في المرحلة المقبلة، داعيًا الله في ختام خطابه بقوله: «يارب أقطع على نفسي عهدًا لن أخلفه، بأن أكون أمينًا وفيًا لديني وبلدي وشعبي وارزقني البصيرة لأميز بين الحق والباطل، وأعني على إقامة نظام العدل، واهدني إلى الصراط المستقيم».
كان لهذا الدعاء أثر كبير في إزالة سوء التفاهم الذي أثار الأوساط الكبيرة المحافظة في باكستان حول ما أذيع عن رأي مشرف في مصطفى كمال ولكن الجنرال «المحنك»، أراد أن يسترضي أغلبية الأوساط المحافظة، وهو بذلك يضرب عصفورين بحجر واحد، فهو من جهة طمأن المجتمع الدولي إلى علمانية أفكاره وتطلعاته عندما أطلق بعض التصريحات الممجدة لمصطفى كمال، ومن جهة أخرى استرضى الشعب بمواصلته الطريق المستقيم وفاء لدينه كما قال.
المقلب لصفحات التاريخ السياسي في باكستان يجد أمثلة كثيرة للجنرال «المناور»، ويجد التاريخ الباكستاني حافلًا بهذه الصور التي تلعب على الحبلين، ولكن لا يزال الجنرال مشرف لم يأخذ فرصته لتنفيذ «الأجندة» التي طرحها على الشعب الباكستاني، فقد يكون من الممكن منحه فرصة لإثبات استقامته وصدقه، إذ إنه نجح في المرور من «عنق الزجاجة» وأثبت للعالم أنه ليس إرهابيًا ولا هو من دعاة الإرهاب وأنه إن لم تكن العلمانية طريقه فهي أقرب الطرق لقلبه، وأثبت في الوقت نفسه للمجتمع الباكستاني أن الإسلام هو الخيار الوحيد، وأن قوة باكستان مستمدة من الحضارة الإسلامية وأنها امتداد للماضي العريق الذي تضرب جذوره في التاريخ.
وعلى الرغم من المطالبات الدولية لاستئناف الحياة الديمقراطية من جديد، فإن الشعب الباكستاني لم يعر أهمية قصوى للديمقراطية فإن أولى أولوياته أن يمضي الجنرال مشرف في برنامج «المحاسبة» الذي وعد به ووضعه على رأس أجندة حكومته، فالناس هنا لم يعودوا يهتمون كثيرًا بالإصلاح السياسي بقدر النجاح في الإصلاح الاقتصادي، لذا فإنهم رحبوا صراحة بقدوم العسكر إلى الحكم أملًا في إنقاذ البلاد من فساد «الديمقراطيين».
وقد أعد البروفيسور خورشید أحمد وزیر المالية السابق تقريرًا قدمه للحكومة العسكرية حول أولويات الحكومة لانتشال باكستان من مستنقع المديونية والفقر المدقع، ووضع في هذا الصدد أربع نقاط للخروج بالبلاد من مأزقها الحالي هي:
إتمام مشروع المحاسبة بلا تمييز.
إخراج البلاد من أزمتها الاقتصادية الخانقة.
التنسيق بين الحاجات الأمنية الداخلية والسياسة الخارجية.
إصلاح النظام الانتخابي.
الشعب الباكستاني يعيش حالة من اليأس من حلول السياسيين، ويشعر بأن الانقلاب العسكري، وإن لم يحقق لهم الانتعاش الاقتصادي، فيكفيه أن ينتقم من الأشخاص الذين أوصلوا البلاد إلى الإفلاس، ولذلك ركز تقرير وزير المالية السابق على المحاسبة وإصلاح النظام الاقتصادي وتحسين الوضع الأمني الداخلي والخارجي.
أجندة مشرف: استقبل السياسيون والمراقبون أجندة الجنرال مشرف بمشاعر مختلطة، ففي الوقت الذي أثنى عليها عامة الشعب الباكستاني فقد رأى المراقبون أنها لا تختلف كثيرًا عن سابقاتها، وتحتاج إلى سنوات طوال لتحقيقها أو تحقيق جزء منها، ويعد تشكيل مجلس الأمن القومي الإنجاز الحقيقي الذي أجمعت عليه الأرضية الباكستانية بقطاعاتها وأطيافها، ولكن بقي أمامه العبء الأكبر وهو استكمال بقية بنود «أجندته» المليئة التي عجزت الحكومات الديمقراطية عن تنفيذها، خاصة أنه أمام قطبين سيحرص على إرضائهما هما المجتمع الداخلي والمجتمع الخارجي.
كان يوم السابع عشر من نوفمبر الماضي هو اليوم الأخير للمهلة التي منحها مشرف لسداد الديون، وفي الوقت ذاته كان يوم الحسم بالنسبة لمشرف نفسه ليثبت للمجتمع الباكستاني مدى صدقه في استرجاع الديون ومحاسبة المفسدين، وكانت السلطات العسكرية الباكستانية أصدرت فور الانتهاء من المهلة الممنوحة قرارًا بمنع السفر لقائمة الأسماء المستدينة، واحتجاز بعض أصحاب الديون، أما من تمكن من الخروج من البلاد أو المتواجد خارجها أصلًا فقد صدرت ضده أحكام غيابية توجب عليه الدفع أو السجن، فيما لم يتجاوز ما تم دفعه ۲٪ من مجموع القروض الإجمالية وبقيت نسبة ٩٨٪ من الديون في جيوب وأرصدة المسؤولين وعائلاتهم.
ولم تنج حملة المحاسبة من انتقادات قطاعات إعلامية ورسمية كثيرة، وذكرت هذه الانتقادات أن المحاسبة اقتصرت على الرؤوس الكبيرة والمسؤولين البارزين، ولم تشمل عناصر الفساد في المؤسسات الحكومية والرسمية وغيرها.
وكرد فعل على هذه الانتقادات قام مشرف بإنشاء «لجنة المحاسبة الوطنية» التي من مهامها محاسبة كل المدينين أو المتورطين في قضايا فساد في صفوف المؤسسات الحكومية المدنية أو العسكرية، وتعنى هذه اللجنة بمحاسبة المخالفات منذ عام ١٩٨٥م.
ولم يخف بعض المراقبين مخاوفه من وجود نيات للمؤسسات العسكرية تستهدف الأحزاب السياسية الكبرى ومن ثم القضاء على الحياة الديمقراطية على اعتبار عدم كفاءة الأحزاب السياسية، خاصة أن الجنرال مشرف نفسه انتقد الزعماء السياسيين واصفًا الحالة السياسية في باكستان بأنها تشويه للديمقراطية وأن الزعماء السياسيين لم يستوعبوا الديمقراطية، ولم يستطيعوا فهمها، ولذلك ظهرت الديمقراطية في باكستان بصورة لم يقبلها الشعب، ولا المنطق العقلي.
وعزا مشرف تردي الحياة السياسية في باكستان إلى نظام الانتخابات البرلمانية في البلاد، لذلك من المتوقع لدى بعض المراقبين أن تقوم الحكومة العسكرية بتغيير نظام الانتخابات لهدفين أساسيين القضاء على الوجوه القديمة ونظام حكم العائلات التي تتوارث رئاسة الأحزاب السياسية الكبرى في البلاد مثل عائلتي بوتو وشريف، حيث سيطر على الساحة الباكستانية موروث فكرة الطبقية في الفكر الهندي. والثاني إيجاد نظام يضمن للمؤسسة العسكرية بقاءها على سدة الحكم -وباعتراف شعبي ودولي- لفترة طويلة باعتبار الجيش الأكثر أهلية لذلك، والأكثر ضمانًا وحفاظًا على مصالح البلاد.
إنجازات وإخفاقات
تجاوزت الحكومة العسكرية أكثر من سنة أشهر منذ تسلمها لزمام الأمور في باكستان وسط تفاؤل شعبي كبير بأن «العسكر» يمتلكون العصا السحرية التي من خلالها سيغيرون حال البلاد في جميع جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعلمية وحتى «الأسرية» غير أن شهور العسل مضت وبقيت البلاد غارقة في مستنقع الفقر والتخلف والديون الخارجية، ومن هنا بدأ الشعب ينتبه إلى أن سياسة الجنرال مشرف لا تختلف كثيرًا عن سياسة نواز شريف بل على العكس، ففي حكم نواز كانت هناك فسحة كبيرة لتنظيم المظاهرات الصاخبة وغير الصاخبة للتعبير عن رفضها لسياسات الحكومة بينما في حكم الجنرال تعتبر هذه الأعمال من الكبائر.
لقد انتهى شهر العسل بين الحكومة العسكرية والشعب الباكستاني، وتبين أن «عصا موسى» لم تكن بيد الجنرال مشرف لتفلق الصعوبات، والواقع أن لغة الأرقام والحساباتوحدها هي التي جعلت المواطن الباكستاني غير متفائل بإمكان تحسن الأوضاع.
وبالأرقام لا بالأوهام خاطب كثير من المثقفين والسياسيين والإعلاميين حكومة العسكر، ماذا أنجزت هذه الحكومة؟! لقد أخفقت في استرجاع الأموال التي سلبت من خزينة الدولة، وما حصلت عليه لا يتجاوز ٩ مليارات روبية فقط من أصل ۲۱۱ مليارًا.
كما خاب أمل الشعب في الحكومة عندما رفعت مؤخرًا أسعار البترول والغاز داخل باكستان برغم الوعود بأنه لن يرى زيادة في الأسعار لاسيما الغاز والبترول، وإذا ما كانت الحكومة مضطرة لرفع الأسعار بناء على قرار صندوق النقد الدولي وضغوطه، فلماذا يرفع سعر الغاز الذي هو من إنتاج باكستاني ولا يستورد منه شيء؟ وقد حاولت الحكومة أن تسترضي الشعب برفع الرواتب، غير أن قيمة الزيادة في الراتب كانت بمعدل ۱۰۰ روبية فقط وهو «ما يعادل دولارين» وهذه الزيادة لا تقارن بنسبة ارتفاع أسعار البترول والغاز!
هذا من الناحية الاقتصادية، أما من الجانب الأمني فقد استمرت أعمال العنف الطائفية والإرهابية في أنحاء البلاد ومازالت الصحف الباكستانية مليئة بأخبار الجرائم والسرقات وحالات الاغتصاب، وكان من بين هذه الأعمال الإرهابية قتل رئيس المحكمة العليا في إقليم بلوشستان وتفجيرات إسلام آباد قبلها، وأحداث العنف المستمرة في كراتشي، ونحو ١٥ تفجيرًا هزت البلاد في أنحاء متفرقة منذ تولي العسكر مقاليد الأمور.
ومن جانب آخر برزت قضيتان مهمتان على الساحة الباكستانية أدتا إلى زيادة الغضب الشعبي على حكومة العسكر، أولاهما الانخفاض الذي طرأ مؤخرًا على ميزانية الدفاع الباكستاني إذ بلغت ميزانية الدفاع لهذا العام ٧ مليارات روبية فقط، فيما وصلت ميزانية الدفاع عند جارتها وعدوها التقليدي الهند إلى نحو ٩٠ مليار روبية، وهذا الأمر وبلاشك يقلق الشعب الباكستاني الذي لا يخفي مخاوفه من التمدد العسكري للهند، وتهديدها لأمن باكستان.
الحظر النووي
والقضية الثانية هي الموافقة المبدئية لحكومة العسكر على توقيع اتفاقية الحظر الشامل لإجراء التجارب النووية المعروفة «CTBT» ويذكر في هذا المقام عندما ألقى نواز شريف رئيس الوزراء المخلوع خطابًا أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة في بدايات عام ١٩٩٩م أعرب فيه عن استعداد باكستان للتوقيع على اتفاقية «CTBT» في سبتمبر من العام نفسه إذا ما ضمن لها رفع الحظر الدولي الذي فرض عليها عقب التجارب النووية، وإعفاؤها من سداد الديون الخارجية ومنحها قرضًا ماليًا من صندوق النقد الدولي إضافة إلى بعض الشروط الأخرى، عندما ذكر شريف ذلك قامت الدنيا في باكستان ولم تقعد سواء من الشعب، أو قيادات الجيش، فالتوقيع مسألة قومية واستراتيجية وليس من حق الحكومة التصرف بها.
أما الآن فإننا نرى الجنرال مشرف يوافق على التوقيع من غير ضجيج أو صخب كذلك الذي رأيناه في عهد شريف، مما يشي بأنه ما لم تتمكن من صنعه الحكومات الديمقراطية على الصعيد الدولي بسبب المعارضة الداخلية فإن العسكر أوفر حظًا في ذلك، وهو ما بدأ يقلق أوساطًا شعبية واسعة، فخطاب المؤسسة العسكرية إزاء التوقيع على اتفاقية «CTBT» اختلف كثيرًا، ومواقفها المبدئية تظهر موافقتها على التوقيع غير أنها بانتظار تهيئة الأجواء الداخلية لذلك قبل الإقدام عليه، سواء كانت الموافقة مع سبق الإصرار والترصد أو أنها رضوخ للضغوط الدولية!
لا تعاون نوويًا بين مصر وباكستان
«لم نناقش على الإطلاق مسألة التعاون في المجال النووي»، هذا ما صرح به في الأسبوع الماضي الجنرال برويز مشرف -رئيس باكستان- عقب لقائه بالرئيس المصري في العاصمة المصرية.
ما تم مناقشته بين الطرفين هو تأكيد الجنرال مشرف: «أننا سنبذل كل ما في وسعنا للتعاون مع مصر للقبض على أي عناصر إرهابية ولن نسمح باستخدام باكستان أبدًا من قبل أي منظمة أو عناصر إرهابية لنشر الإرهاب في أي مكان بالعالم، وبالتأكيد ضد مصر».
في المقابل لم تعط أي إشارة حول استعدادها للتوسط لنزع فتيل التوتر القائم بين باكستان والهند بشأن منطقة كشمير المحتلة، وهو مطلب باكستاني تكرر بشكل واضح خلال اللقاء والمحادثات معًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل