الثلاثاء 04-مايو-1971
هدايا جنون الخمر والاستهتار والغفلة ١٠٥٤٤حادثة في عام واحد!
إن التقدم الحضاري المادي الذي منح الإنسان عقلًا باحثًا عن كل وسائل المتعة والترفيه.. وعن كل ما يهدف إلى تخفيف مشاق العمل وتسهيل وسائل الحياة.. وتيسير متطلباتها.. حتى انطلق مع أهوائه ورغباته، يسابق الريح بالصواريخ، ويتخطى بمركبات الفضاء حدود الأرض ليحط رحاله على سطح القمر..
- لم يستطع هذا التقدم أن يصنع للإنسان سعادة نفسه واستقرارها، وأمنها وطمأنينتها.. فإذا به يهوي بنفسه على نفسه.. وبآلاته ومخترعاته على جسده الباني وعقله المخترع.. ويحطم ما كان يبغي راحته والمحافظة عليه..
- واستطاع الإنسان بسياراته ومركباته.. مع عزوفه أو تمرده على دينه وأخلاقياته.. أن يخلق «مشكلة المرور» التي ارتفعت مؤشرات حوادثها بصورة رهيبة مع هذا التقدم المادي.. حتى نظمت الهيئات العالمية أسبوعًا للمرور، تحاول به أن تستثير في نفس الإنسان أخلاقياته:
بند 1* بأن يحافظ على حياته! .
بند 2* بألا يتسرع..!
بند 3* بألا يغفل..!
بند 4* بألا يهمل..!
بند 5* بألا يستهتر..!
وتقدم الهيئات العالمية في حل المشكلة واستثارة هذه المعاني حثيث وضئيل، لا يتناسب مع الخطورة التي نكبت بها الإنسانية..
الإسلام وهذه البنود
البند الأول:
﴿وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ﴾ (النساء: ٢٩)
قرآن كريم
﴿وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ﴾ (البقرة: ١٩٥)
قرآن كريم
البند الثاني:
«إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى»
حديث شريف
﴿ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا﴾ (الفرقان: ٦٣)
قرآن كريم
البند الثالث:
﴿وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ﴾ (الأعراف: ٢٠٥)
قرآن كريم
البند الرابع:
«إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يقتنه»
حديث شريف
البند الخامس:
«كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»
حديث شريف
المحتسب ضابط مرور!
وكان يرعى تطبيقات هذه المعاني الحاكم المسلم؛ عن طريق نظام الحسبة والقائم عليها، المسمى: «بالمحتسب»، وهو موظف يراقب تصرفات الناس المرورية في الشوارع، والأخلاقية خارج البيوت.. إلخ
لقاء الشؤون العامة بوزارة الداخلية
* وفي مبنى وزارة الداخلية كان لقاؤنا مع المقدم/ يوسف السعد مدير إدارة الشؤون العامة، والأستاذ/ محمد الحسيني الذي قال:
المرور مشكلة العصر الحديث
* فازدياد عدد السيارات بهذه الصورة الكبيرة، وازدحام الطرق بها، واستهتار بعض السائقين ومستعملي الطريق بآداب المرور وقواعده؛ يزيد المشكلة خطورة.. حتى أصبحت الحوادث أمرًا مألوفًا، لكن "الوعي" هو الأساس في سبيل إنقاص عدد الضحايا..
ماذا تفعل وزارة الداخلية؟
- بذلت وزارة الداخلية وسعها للمحافظة على أرواح المواطنين، ولهذا تقيم أسبوعًا للمرور كل عام؛ لإرشاد المواطنين وتبصيرهم بالمخاطر التي يتعرضون لها.
- وتعمل الوزارة على تركيب إشارات ضوئية إلكترونية، وتعميم الإشارات الدولية في كافة المناطق، وتدرب رجالها من أفراد شرطة المرور؛ ليواكبوا التطور، ويتعاونوا مع المواطنين في درء الأخطاء والتقيد بقواعد المرور صيانة للأرواح..
- وقامت الوزارة بوضع العلامات الموضحة للدوارات وتحديد السرعات في الطرقات مع التخطيط الأرضي.
التعاون الحتمي
واستطرد يقول:
لا ريب أن مناسبة أسبوع المرور مناسبة جديرة بالاهتمام؛ لتذكير المواطنين ليؤمنوا بأهمية المرور وأثره على سلامتهم، وما من إنسان إلا ويريد العودة سالمًا إلى بيته وأسرته، ويريد أن يحيا حياة رغدة، سليم الجسم والعقل، يدرك صالح نفسه ومصلحة مجتمعه..
والتعاون بين مستعملي الطريق ورجال شرطة المرور هي الطريق لحياة أفضل، يدرك فيها المواطن مسؤولياته، ويدرك رجل الشرطة أنه يعمل مع بني وطنه لخدمة هذا الوطن الذي لا تغلو تضحية من أجله.
دليل الوعي
ويواصل الأستاذ/ الحسيني حديثه قائلًا:
ليعلم أفراد الشعب أن التقيد بآداب السير يدل على ثقافتهم ووعيهم، وأنهم مواطنون صالحون، وأن مهمة رجل المرور هو الإرشاد بلباقة والتصرف بالحسنى مع تنفيذ القانون في حزم.
أمل!
والأمل كبير في أن تثمر حملات التوعية في أسبوع المرور، ويستمر التعاون دومًا بين الشعب والشرطة لخير المجتمع ومصلحته، والناس بخير ما تعاونوا، وميدان التعاون هو الطريق الصحيح والقويم لإنقاذ الأرواح.
ومع انخفاض نسبة الوفاة في الحوادث المرورية؛ يتفاءل المسؤولون في وزارة الداخلية خيرًا، ويطمئنون إلى نجاح حملاتهم وجهودهم، إذ بلغت في عام ١٩٧٠/ ١٤٤حالة وفاة، بينما في عام ١٩٦٩/ ١٨٢.
من الداخلية إلى التربية
- وخرجت من وزارة الداخلية بالأمل المغبن بالمخاطر أخطو خطوات سريعة نحو الجهاز التربوي في الأمة إلى وزارة التربية لألتقي بـ «أبو طارق».. وكان سؤالي له:
س: يا أبا طارق هل أنت مع القائلين بأن كثرة السيارات وتعدد المركبات سبب كثرة الحوادث المرورية؟
- فأجاب على الفور: لا.. وألف لا.. والسبب أنه: كلما قل المجانين في بلد حتى ولو كان لكل فرد سيارة لتكاد تنعدم الحوادث..
* قلت له: وهل يقود المجانين سيارات؟
- قال: نعم.
أولًا: فالمخمورون مجانين في الماضي وفي الحال؛ لأنهم يعلمون مسبقًا ذهاب عقولهم حينما يتجرعون كؤوس الشراب فلا يستطيعون التحكم في أنفسهم فما بالك بسياراتهم.. ومع ذلك قيادة السيارات عندهم هواية ومزاج.. حطموا بها أعمدة الكهرباء أم أزهقوا بها الأرواح!
ثانيًا: المستهترون أيضًا مجانين.. جنون اللامبالاة.. لا تقدير للمسؤولية.. لا تفكير
بالعواقب.. لا معرفة بمواقع القدم.. إلغاء للعقل ونعمة التفكير.. والجنون فنون!
شريعة الله.. و..
قلت له: وما العلاج؟
قال: في شريعة الله دواء لكل داء حتى الأمراض المرورية.
قلت له: كيف؟
قال: أولًا: تحريم الخمر، ومؤاخذة المخمور بجميع جرائمه، فلو قتل وهو سكران نفذت فيه عقوبة القتل ولا مجال لتخفيف العقوبة.. أما ترى في القوانين الوضعية ما يدفع بمرتكبي الجرائم إلى الادعاء بالسكر لتخفيف العقوبة مما لا مجال معه في شريعة الله.
ثانيًا: علاج الأمراض الأخرى من الغرور والاستهتار واللامبالاة بالتربية الإسلامية؛ التي تغرس في نفس الإنسان التواضع والشعور بالمسؤولية تجاه الله ونفسه والناس..
فلو أن مسلمًا يفهم دينه ما زاحم بسيارته أخرى ليؤدي بها إلى التصادم.. وهكذا.
في إدارة المرور
- وخرجت من وزارة التربية إلى جهاز الإدارة والاشراف على حركة المرور ابتداءً من منح رخص القيادة وانتهاءً بالتقديم إلى محكمة المرور.. والتقيت مسؤول بإدارة المرور
٣٦٤ حادثة دهس في حولي
س: لماذا كانت أكبر نسبة من الحوادث؟
وأجاب المسؤول في حولي:
١- لأن أحياءها شعبية ومزدحمة بالسكان.
٢- طرقاتها وشوارعها ضيقة.
٣- حفريات وزارة الأشغال التي لا تكاد تنتهي في مكان حتى تبدأ في آخر.
٤- إهمال الآباء والأمهات في رعاية الأطفال، وتركهم يخرجون إلى الشارع دون كبير مصاحب أو يلعبون في الطرقات.
٥- قلة انتباه السائقين للسيارات لهذه الأوضاع عامة وانطلاقهم بسياراتهم كالمعتاد.
١٠٥٤٤حادث تصادم
قلت له:
كيف تصل نسبة حوادث الاصطدام وحدها إلى ١٠٥٤٤حادثة؟
قال: لذلك أسباب عدة:
١- عدم تقيد السائقين بالسرعة المطلوبة، فهي في داخل المدينة لا تزيد عن ٤٥ ك.م، وفي خارجها لا تزيد عن ٨٠ ك.م.
٢- عدم التزام بعض السائقين بالإشارات والعلامات.
٣- نظام الدوارات التي تزدحم فيها السيارات وفي اتجاهات متعددة دون توقف منتظم ودون شرطة تنظمها والأمر متروك للسائقين.
٤- طيش الشباب واستهتاره؛ ليس كلهم بالطبع.
٥- الجهل وعدم رعاية حقوق الآخرين.
٦- تحمل شركات التأمين لتكاليف الاصطدامات؛ مما لا يلقي المسؤولية المباشرة على الشخص.
٣٦٠ حادث انقلاب
قلت له: ما هي أسباب حوادث الانقلاب؟
قال:
١- تجاوز السرعة وخاصة في المنحنيات والمنعطفات.
٢- التوقف المفاجئ مع السرعة الزائدة.
٣- الانعطاف المفاجئ.
قلت له: ماذا ترون سيادتكم علاجًا لهذه الحوادث المرورية؟
- ابتسم وأمسك قلمًا أخذ يخط به على ورقة بيضاء أمامه؛ كأنما يكتب معي:
أولًا: أحب أن أطمئنك والمواطنين جميعًا بأن مشروع إزالة الدوارات واستبدالها بالإشارات الضوئية الإلكترونية سائر في التنفيذ بخطى سريعة، وكذلك إنشاء إشارات جديدة، ولعلك لاحظت ذلك في أماكن عديدة.
- نعم.. مثل دوار السالمية الفحاحيل.. والإشارات الثلاث من شارع المطار أمام خيطان وإشارات شارع السور.. إلخ.
ثانيًا: التوعية الدائمة.. فأسبوع المرور إشارة على الطريق للاستمرار.. وعندنا في الإذاعة: «همسة على طريق الصباح» بالبرنامج العام .. وبالتلفزيون: «العين الساهرة» وهذه برامج ثابتة..
والتوعية التي أعنيها:
١- توعية أخلاقية تنبع من ديننا الحنيف.
٢- وتوعية علمية تأخذ بأحدث الأساليب.
٣- وتوعية اجتماعية تبين الأخطار ووسائل درئها.
إغراء القانون بالمخالفات
قلت له:
كنت أحد النظارة في محكمة المرور يوم ٢٥ إبريل الماضي، حيث عرضت قضية شاب قاد سيارة أبيه بدون إجازة قيادة، وأحدث بالسيارة حادث تصادم.
- تنازل صاحب الحق المدني؛ أي المصدومة سيارته عن حقه، ورأف القاضي بالمتهم لحداثة سنه ومقتبل حياته فحكم بغرامة خمسة دنانير..
ألا ترى القانون الذي منح القاضي إمكانية الحكم بهذه العقوبة يغري المخالفات؟
- وأجاب المسؤول بدبلوماسية:
أولًا: أنا أحترم القاضي وحكمه
ثانيًا: إنها مجموعة عوامل؛ منها القانون.. وحينما نلقي بالمسؤولية على القانون وحده نجانب الصواب.
- وحاولت أن ننتقل إلى الحديث بصراحة، وتفنيد ثغرات القانون..
فقلت له: وأنا أعرض عليه قضية أخرى.. اصطدام سيارتين في شارع المطار أمام خيطان.. وحينما مثل المتهمان أمام القاضي وتقرير الخبير، ورأي المدعي في ملف القضية حكم على أحدهما وهو المتسبب في حادث الاصطدام بغرامة قدرها ثلاثة دنانير.
هل ترى سيادتكم القانون بمواده الجزائية يمثل قوة رادعة أو هيبة مانعة من وقوع الحوادث؟!
- فأجاب:
ما زلت عند رأيي السابق!
- قلت له وأنا أستعد لجمع أوراقي للاستئذان بالانصراف: بماذا تنصح كل سائق سيارة؟
- قال:
١- أن يتقي الله في نفسه وفي الناس.
٢- ألا يقود سيارته في حالة غضب أو ضيق أو إرهاق.
٣- أن يدرس جيدًا نظام المرور وتعليماته وأن يأخذ نفسه بتنفيذها.
٤- ألا يركن إلى أن سيارته جديدة، فينطلق بها بسرعة فائقة حدود المسموح به...
فالمفاجآت أكثر من أن تحصى.
٥- أن يعتمد على الله -أولًا وأخيرًا- .. ولا ينسى حين ركوبه دعاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- المأثور: «الحمد لله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون» .. فالله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين.
سائق يشكو..!!
* وفي الطريق استوقفت المواطن «أبو مطلق» الذي كان يقود سيارته في طريق «الجهراء»
ما الذي يضايقك في الطريق؟
أولًا: شرطي المرور الذي يعطل حركة السير من أجل تحية صديقه (والمسولفة معاه).
ثانيًا: كثرة أماكن عدم الوقوف وقلة أماكن السماح بالوقوف.
ثالثًا: عدم إنارة طريق الجهراء حتى الآن.
رابعًا: عمال يشتغلون في كل مكان.
خامسًا: سلطة تحرير المخالفات في أيدي ناقصي خبرة لا يحسنون التعامل مع الناس.
* وتركت «أبو مطلق» إلى شرطي المرور «أبوجاسم»:
* ما الذي يزعجك أثناء مباشرتك عملك؟
١- عدم اتباع الجمهور لنظام المرور.
٢- تذمرهم عند تحرير المخالفات.
- هل ستنجح حملات التوعية هذا الأسبوع؟
- لماذا لا تستمر الحملة بنفس القوة طوال العام؟
- لماذا لا تدرس آداب المرور في المدارس والمعاهد؟
- لماذا لا يعدل القانون لتكون له هيبته الرادعة؟
- لماذا لا يكون برنامج «العين الساهرة» في التلفزيون يوميًّا، ويلاحق الحوادث اليومية.؟
أسئلة راودتني بعد هذه الجولة.. فهل تجد طريقها إلى التنفيذ..؟
أبو هالة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل