العنوان العودة للمربع الأول يعني التفريط بمنجزات المرحلة.. دعوة لدعم برنامج شامل للمقاومة
الكاتب عبد الرحمن فرحانة
تاريخ النشر السبت 16-يونيو-2001
مشاهدات 66
نشر في العدد 1455
نشر في الصفحة 66
السبت 16-يونيو-2001
زرع المشروع الصهيوني في قلب منطقتنا على قاعدة القوة ومن البديهي أن يقال إن تفكيكه أيضًا لابد أن يعتمد على قاعدة القوة أيضًا، وفقا للشعار القديم ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة وفي ظل اختلال ميزان القوى الحالي يبدو هذا الشعار طرحًا خارج الفضاء السياسي.
والحقيقة أن استراتيجية الجدار الحديدي التي صاغها جابوتنسكي الداعية لإنشاء كيان صهيوني قوي بجدار صلب لتتكسر عليه معاول المقاومة العربية وبالتكامل مع استراتيجية شيمون بيريز -الحزمة الواحدة- التي تقضي بدمج الدرع النووي الصهيوني ببرنامج سلام وفق الشروط اليهودية، أقول إن النظريتين السابقتين هما اللتان أسستا لحالة اليأس العربي في ظل الهيمنة الأمريكية وباستقراء الواقع من خلال نظرة فاحصة على أحداث العقد الماضي نجد أن المنطقة عامة والشعب الفلسطيني خاصة قد مرا بتجربتين هما:
الأولى: خيار التسوية: اتفاق أوسلو.
الثانية: خيار المقاومة: انتفاضة الأقصى الحالية.
والمراقب أو حتى رجل الشارع العادي لا يجد عناء في تقرير أن التجربة الأولى المتمثلة بخيار التسوية قد وصلت إلى طريق مسدود نظرًا لوصول الطرفين للحظة الحقيقة وهي مناقشة الملفات المهمة المؤجلة، وبسبب هذا الانسداد والاحتقان الشعبي تفجرت انتفاضة الأقصى معبرة عن رفض الحالة التي أفرزتها هذه التجربة وبالتالي رفض منطق التسوية ويكفي في هذا السياق للتأكيد على حالة الفشل ما صرح به د. نبيل شعث معترفًا بأن السلطة قد أخطأت عندما سارت في طريق أوسلو، وهذا الاعتراف من أحد رموز عملية التسوية بعد الدليل الأكبر على فشل هذا الخيار.
وفي الاتجاه الموازي وفي نهاية العقد المذكور برزت التجربة الأخرى المتجسدة بانتفاضة الأقصى والمعبرة عن خيار المقاومة، ودون تحيز لهذا الخيار أو ذاك يمكننا ملامسة الإنجازات التي أفرزتها الانتفاضة الحالية ورصدها في المحطات التالية:
- إيقاف الجهود الدولية المحمومة الإغلاق الملف الفلسطيني بشروط توافق طموحات وأحلام المشروع الصهيوني.
- التخفيف الجزئي من ثقل الهيمنة الأمريكية وعودة الحياة لجهود التنسيق العربي الرسمي تحت وطأة الضغط الشعبي ولو في الحد الأدنى.
- ضخامة حجم الإيلام الذي أصاب الكيان الصهيوني على جميع الأصعدة الأمنية والبشرية والسياسية والاقتصادية وليس المجال مؤاتيًا لسرد الإحصائيات الصهيونية التي تثبت ذلك.
- زلزلة نظرية الأمن الصهيونية التي صيغت الحماية الكيان من خارج حدوده عبر مفردات مثل: الحرب الوقائية الضربة الإجهاضية- نقل المعركة لأرض العدو. المبادرة في الهجوم وعدم الركون لحالة ردة الفعل وغيرها التي تركز على خوض المعركة خارج إطار جغرافية الكيان كل هذه المفردات في النظرية الأمنية غدت مفرغة من معناها في ظل ضربات المقاومة التي تهز العمق الصهيوني.
- تحييد خاصية التفوق العسكري -اختلال ميزان القوى- وتفكيك استراتيجية الردع الصهيونية المعتمدة على القوة النووية بنظرية مقابلة صاغتها المقاومة ببساطة وهي توازن الردع- الرعب بمعنى إيقاع الإيلام في جسم الكيان الصهيوني، بما يقارب حجم الإيلام الذي يوقعه في صفوف الشعب الفلسطيني.
- تهديد الأمن الشخصي للمغتصب اليهودي في مدن العمق وفي جميع مناحي النشاط إذ إن العمليات الاستشهادية شملت المستوطنون والطرق الالتفافية والباصات ومحطاتها والمناطق الصناعية ومراكز التسوق المغلقة والأماكن العامة والمقررات الرسمية وحتى الملاهي الليلية.
في ظل هذه الإنجازات وما تمثله من فرصة تاريخية سائحة، هل من المعقول أن نرجع إلى المربع الأول وندعو لإيقاف إطلاق النار دون ثمن سياسي؟
لا شك أن السلطة تتعرض لضغوط دولية وإقليمية ناهيك عن التهديدات الصهيونية، ولكن ذلك كله لا يبرر التفريط بمنجزات المرحلة، وليس من المنطقي أن ينظر المرء لإحدى زوايا الصراع ويغفل الأخرى، بمعنى أن الطرف الآخر المقابل يعيش معاناة لم يمر بها منذ نشأة المشروع الصهيوني باعترافات عديدة من مسؤولية تدعم هذا السياق.
وفي خضم هذه المرحلة البالغة التعقيد من تاريخ القضية ليس الحل بالعودة إلى طاولة المفاوضات والانخراط في غياهب التيه السياسي لما قبل الانتفاضة، ولكون المرحلة تاريخية ولها ما بعدها فعلى السلطة أن تتحرر من قيود منطق الدولة التي لم تعشه أصلًا بشكله المكتمل والطبيعي، بمعنى أن على السلطة في هذه الفرصة السانحة بمنجزاتها أن تشكل حكومة وحدة وطنية من الفصائل الفلسطينية كافة على قاعدة برنامج شامل للمقاومة بعيد المدى، حتى لو استدعى الأمر من عرفات أن ينزل تحت الأرض في عودة للمنطق الثوري.
ما سبق ليس بلاغة لفظية أو تحليقًا خارج الفضاء السياسي، إنما هو أحد الحلول الاستثمار الفرصة السانحة التي أفرزتها الانتفاضة الحالية والخروج من مأزق أوسلو الخاطئ.
ورغم صعوبة الطرح إلا أنه يستحق العمل على قاعدته لأن ما يجري حاليًا في الميدان هو الذي سيشكل مستقبل القضية، بل والمنطقة بأسرها لعقود تالية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل