; دعوة إلى توثيق جريمة الحرب على غزة | مجلة المجتمع

العنوان دعوة إلى توثيق جريمة الحرب على غزة

الكاتب صلاح عبدالمقصود

تاريخ النشر السبت 28-فبراير-2009

مشاهدات 71

نشر في العدد 1841

نشر في الصفحة 28

السبت 28-فبراير-2009

خلال زيارتي لغزة التي تمت منذ نحو ثلاثة أسابيع شاهدت أكبر سجن في العالم.. سجن محاط من كل جانب بالجدر الفولاذية والإسمنتية، وقبلها بالأسلاك الشائكة المكهربة. هذا السجن - بشهادة الجميع - يمثل أكبر سجن في العالم، فسكانه مليون ونصف المليون نسمة، لكنهم سجناء بلا حقوق فالسجين له حق المأكل والمشرب والعلاج والمأوى، لكن سجناء غزة لا حقوق لهم! 

سجناء غزة محاصرون من كل مكان براً ويحرا، ومراقبون من كل الجهات سواء الحدود البرية أو البحرية، كذلك هم مراقبون جوا بطائرات الاستطلاع والأقمار الاصطناعية الإسرائيلية. 

الداخل إلى قطاع غزة يستطيع أن يشاهد هذا السجن الكبير الذي فرض عليه الحصار منذ عامين عقابًا له على ممارسة حقه الانتخابي واختياره لـ حماس آراد العدو قتل هذا الشعب بالحصار ومنع الغذاء والدواء والوقود عنه، لكنه فشل فحاول قتله في الحرب المدمرة التي شنها عليه جوًا وبحرًا وبرًا لاثنين وعشرين يوما، فحصد أرواح ما يزيد على ١٤٠٠ شهيد وأصاب وجرح ما يزيد على العشرة الاف معظمهم من الأطفال والنساء والشيوخ (حيث إن آلاف الجرحي تم علاجهم بالمنازل، ولم تشملهم إحصاءات وزارة الصحة).

الزائر لغزة سيلاحظ بوضوح أكبر متحف في التاريخ.. متحف مفتوح يضم في جنباته أكبر توثيق الجرائم الحرب الصهيونية في هذا المتحف ستجد المساجد والمدارس والجامعات والمستشفيات والمنازل التي دمرها العدو وسوى بها الأرض ستجد المصانع المدمرة والمزارع المجرفة والحيوانات والطيور التي تم قتلها ستطالع عينك سيارات الإسعاف التي تم قصفها.

تجول في مدن القطاع وفي أطرافه.. اذهب إلى جحر الديك .. والعطاطرة وعزبة عبد ربه، وحي الزيتون، ورفع الفلسطينية تجول في تل الهوى أو قل الإسلام كما سماها الشيخ الشهيد أحمد ياسين، وجبل الريس وجبل الكاشف. 

قم بزيارة تلفزيون الأقصى وقناته الفضائية، والمكاتب الإعلامية التي قصفها العدو. 

تعرف على بعض المجازر التي ارتكبها العدو في أنحاء كثيرة من مدن القطاع.

ولتأخذ نموذجًا لذلك عائلة السموني التي دمر العدو بيوتها، واحتجز أفرادها في منزل أحدهم وقام بتصفهم بثلاثة صواريخ أودت بحياة ثلاثين منهم وأصابت أكثر من خمسين إصابات بعضهم خطيرة. إذا ذهبت إليهم ستشم رائحة الموت رائحة الدماء والأشلاء ستجد أن العدو قام بتدمير بعض المناطق والقرى تدميرا شاملا لم يبق منها شيئًا.. لم يترك بشرًا أو حجرًا.. لم يسلم حيوان أو زرع تستطيع أن تلاحظ ذلك وأكثر منه في قطاع غزة.

لقد ذهبت في مهمة تحقيق التوثيق جرائم الحرب التي ارتكبها العدو الصهيوني في حق المدنيين عموما، والصحفيين على وجه الخصوص تلك المهمة قام بها وقد من الاتحاد الدولي للصحفيين واتحاد الصحفيين العرب وانتهت إلى أن العدو ارتكب جرائم حرب موثقة. 

لكنني هنا اقترح على زملائي الصحفيين الأبطال في قطاع غزة والذين نجحوا في نقل صور محدودة من جرائم العدو تلك الصور التي حركت الشارع العربي والإسلامي والدولي، وأيقظت الضمائر النائمة أو المخدرة... كما اقترح على المنظمات الحقوقية داخل غزة وخارجها العمل على توثيق كل الجرائم التي ارتكبها العدو بالصورة والصوت. بشهادات الشهود لتبقى وثيقة تاريخية يمكن الاستفادة منها في محاسبة هذا العدو وقياداته السياسية والعسكرية.

والاقتراح الآخر أقدمه إلى الأستاذ إسماعيل هنية - رئيس الوزراء الفلسطيني - وحكومته ويتلخص في استثمار الحدث بالتوثيق الدقيق مهما كلفهم الأمر، وتحويل جزء من مناطق الدمار، وهي كثيرة للغاية إلى متحف مفتوح يشهد على بربرية العدو الذي ارتكب حرب إبادة بحق البشر والحجر والحيوان والنبات. 

لتبقى صورة المجلس التشريعي شاهدة على إرادة الشعب الفلسطيني التي أراد أن يكسرها العدو، ولتبق صورة قصر الحاكم المصري - سابقًا - شاهدًا على أن مصر ليس لها خاطر عند العدو الذي عقد النظام معه اتفاقية سلام وتطبيع، لتبق سيارات الإسعاف المدمرة شاهدًا على غلظ العدو وقسوته وإجرامه. 

أتمنى أن تضم غزة هذا المتحف المفتوح ليبقى شاهدًا على إجرام العدو، وصمود الشعب الفلسطيني العظيم هذا الشعب الذي يستحق الحياة والكرامة لأنه - ببساطة - قدم ما لم يقدمه أي من شعوب الأرض.

ولم يدفعه الدمار الهائل الذي تعرض له إلى التسليم، أو رفع الراية البيضاء العدو مجرم وجبان!

الرابط المختصر :