العنوان دفاعًا عن الحق لا عَن ضياء الحق
الكاتب محمد المجذوب
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مايو-1979
مشاهدات 92
نشر في العدد 443
نشر في الصفحة 13
الثلاثاء 01-مايو-1979
- أصدقاء بوتو: ١٨ جريمة أخرى كانت تنتظر محاكمته
منذ صدر حكم القضاء الباكستاني بإعدام بوتو تحركت أسلاك البرق تنقل من كبار الحكام إلى الرئيس ضياء الحق شفاعاتهم به، وتستصرخه للعفو عنه.. فلما نفذ الرئيس حكم القضاء بالجاني، استأنفت الأسلاك العالمية اهتزازاتها تحمل الأسف، والاحتجاج، وتعلن الاستنكار لما وصفه بعضهم بكونه عملًا خارجًا عن حدود الأخلاق والإنسانية..
وتتحرك مواكب الهتَّافين في بعض المناطق إظهارا لنقمتها من إقدام حاكم على احترام قرار أصدره قضاء، أعاد النظر في تحقيقات القضية عددًا من المرات، ثم استقر على الإجماع بإدانة المحكوم في قتل رجل بريء دون مسوغ، سوى أنه صرخ في وجه القاتل على أعين الملأ بكلمة «لا» التي لا يطيق سماعها مستبد من طغاة الحكام..
ويقف الملايين متسائلين في حيرة:
أطبيعي هذا التلاقي من قبل أولئك المستشفعين أولا، والمحتجين أخيرًا، على نصرة الجاني الذي أدانه القضاء، أم أن ثمة تدبيرًا مركزيًّا هو الذي يوجه القوم إلى إطلاق هاتيك الصرخات على هذا النحو من التوقيت والتشهي؟
.. ولماذا؟..
وليس في وسعنا تعمق الخلفيات الكامنة وراء هذه الظواهر، ولذلك نجد أنفسنا مضطرين للاقتناع بأن الهدف الأقصى منها لا يعدو إثارة الغبار في طريق المسيرة الإسلامية، التي يقودها رئيس باكستان وحكومته، تألبيًا للغوغاء، وتشجيعًا لقادة الفتنة على الاستمرار في الطريق المناوئ لهذا الاتجاه.
وطبيعي أن أحكامنا في هذه الظواهر ستظل مقصورة علينا، لأننا لا نجد سبيلا إلى إعلانها عن طريق الإذاعات العالمية، فتظل أصوات المستغيثين أولا والمحتجين ثانيًا، هي المسيطرة وحدها على أسماع الناس، دون أن يقعوا لها على تفسير يخالف ما يريده هؤلاء الكبراء ومنْ وراءهم.
على أن هذا الحصار لا يُسوغ لنا نحن أن نسكت على مزاعم لا سند لها من الواقع؛ إلا كونها صادرة عمَّن بيدهم القدرة على فرض أهوائهم، وإذا لم نستطع مواجهتها بمثل قدرتها فلا أقل من أن نُبرئ ذمتنا، حتى لا يسجل التاريخ أن من أهل الحق كانوا في صفوف الشياطين الخرس، وقديمًا قيل: ما لا يُدرك كله لا يترك جُله.
وبمنتهى الاحترام والتقدير نتناول مدعيات كلٍّ من هؤلاء بكلمة يسيرة:
١- يقول كالاهان رئيس الحكومة البريطانية: من المؤسف جدًّا أن يرفض رئيس باكستان كل الشفاعات الواردة إليه من رؤساء العالم في بوتو.
ومع أن الزعيم البريطاني وقف عند حدود الأسف بإزاء إعدام بوتو، فمن حقنا وغيرنا عليه أن نسأله: في العام ١٩٤٣ حكمتم بالموت على ثلاثة من شباب فلسطين، لغير ما ذنب جنوه سوى الدفاع عن حق شعبهم في أرض أجداده، التي وهبتموها لشذاذ الآفاق، وتهاوت عليكم البرقيات من ملوك العرب ورؤسائهم مستصرخين مستشفعين بأولئك الأبرياء، ولكنكم تصاممتم ونفذتم بالثلاثة حكم الإعدام.
فأين كانت إنسانيتكم يومئذٍ؟.. ولمَ ضربتم بكل تلك الشفاعات عرض الحائط؟..
وجرائم الإمبراطورية البريطانية الاستعمارية في حق الشعوب لا تُعد ولا تحصى.
٢- وتتجاوز أنديرا غاندي حدود اللياقة، فتصف التنفيذ بأبشع ما تيسر لها من التعابير.. فلتسمح لنا بالتعقيب على تعقيبها بهذه الكلمات المتواضعة:
لقد أغرقت الهند بسيول الدماء في سبيل تثبيت حكمك عليها، وأبحت لنفسك تعقيم الملايين من الهنود بالإكراه، ولم تبال من أجل ذلك أن يسقط عشرات الضحايا الأبرياء، وأن تهدمي على المعارضين لهذه المحنة بيوتهم ومساجدهم.
فأين كانت غيرتك على العدالة.
وأين كانت رحمتك بالإنسان يومئذٍ؟..
أفإعدام قاتل تنفيذا لأحكام القضاء تصرف وحشي، وتعقيم أمة، والقضاء على الجموع الرافضة لهذا العدوان عمل إنساني؟..
قتل القضاء مجرما جناية لا تغتفر
وقتل شعب كامل مسألة فيها نظر!!
3- ويدعو زعيم كبير بالويل والثبور استنكارًا لتنفيذ الإعدام، وراح يصف ذلك التنفيذ بأنه تحدٍّ للأخلاقيات الإسلامية!
فنستميح هذا الزعيم الكبير العذر إذا نحن ذكرناه بما لا يسعه أن ينساه من أقدامه، ورهطه الحاكم على سوق الأفواج من دعاة الإسلام إلى المشانق، وقتلهم دون محاكمة بإطلاق النيران عليهم من وراء أبواب السجون..
ولهذا الكبير، الذي يعلن في كل مناسبة أنه مشارك في كل قرار اتخذ في ذلك العهد، توجه هذا السؤال: أکان تصرفكم يا سيادة الرئيس ُمتفقا مع أخلاقيات الإسلام يومئذٍ؟..
٤- ويعمد زعيم عربي ثانٍ إلى القرآن الكري؛م يذكر الرئيس الباكستاني بآياته الحاثة على الرحمة والعفو.. ولا أدري كيف نسى سيادته – هداه الله – هذه الآيات الكريمات يوم بعث بجنوده المسلمين لقتال إخوانهم مسلمي الصومال تحت راية السفاح الصليبي الماركسي منجستو!
وليته تذكر بهذه المناسبة على الأقل قول الشاعر الحكيم:
يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم
ولا حاجة لتذكيره بقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لحبيبه أسامة بن زيد بن حارثة: «أتشفع في حدٍّ من حدود الله!.. والله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطع محمد يدها»، لأن سيادته قد أعلن رفضه لكل قول يُنسب إلى رسول الله.. ولا حول ولا قوة إلا بالله!
٥- ويرتفع من الشمال صوت عربي ثالث، ليعلن عمیق أسفه لإعدام صاحبه.. وكل مسوغاته لهذا الأسف هو أن بوتو كان في مقدمة الساعين للتسوية السلمية مع "إسرائيل"!
ولعمر الله أنها لفضيحة جديدة يكشفها هذا التصريح، فيضيفها إلى سجل بوتو غير الطيب..
وأي جريمة تعدل الاعتراف بواقع "إسرائيل"، وحقها في كل ما اقترفته من اغتصاب لوطننا، وتشريد لشعبنا وإهراق لدمائنا!
وأنا لا أدري وربي أيريد ذلك الحاكم العربي، بتصريحه هذا، مدح بوتو، أم يريد تشويهه.. على طريقة بشار في الخياط الأعور الذي يقول فيه:
خاط لي زيد قباء ليت عينيه سواء
٦- ثم يأتي أيجاويد رئيس حكومة تركية، التي تقف متفرجة على دماء شعبها تهرق في بلدها دون أن تقوم بأي جهد رادع للأشقياء، يأتي هذا الرئيس ليعرب عن استنكاره لمثل هذا الضرب من العقاب يصير إليه رجال السياسة..
كأن من حقِّ رجل السياسة أن يقتل الناس، وأن يبغي في الأرض بغير الحق، وأن يهلك الحرث والنسل؛ دون أن يتوقع على طغيانه عقوبة، أو يستشعر مسئولية.. والمؤسف حقًّا هو أن تغلب مكيافيلية العصر على عقول الساسة المسلمين حتى تنسيهم المبدأ الأول في السياسة الإسلامية، وهو أن وظيفة الحاكم في الإسلام لا تتجاوز حدود الخدمة العامة، التي تجعل منه أبا لكل فرد من الأمة، يقف حياته كلها لحمايتها من الفساد، ويقودها أبدًا في سبيل الرشاد، لا رئيس حزب كل همه ترسيخ قدمه في مجال السلطان، ولو كلفه ذلك ضرب الأمة بعضها ببعض، وإغراقها أخيرًا في مستنقعات الهوان والخذلان.
والعجب العجاب، من مديري هذه الحملة الظالمة على حاكم باكستان، أنهم على الرغم من تباكيهما لمصير صاحبهم، لم يستطيعوا أن يمنعوا عملاءهم في الإذاعات العالمية من الاعتراف ببعض جرائر بوتو على شعبه، إذ أطبق هؤلاء كلهم على القول إنه المخلوق الذي تجرد عن الرحمة، ولم يكن ليردعه شيء عن تنفيذ كل ما يراه مساعدا على استبقاء سلطانه، مهما اقتضاه ذلك من أكداس الضحايا..
وقد صرح أحدهم، وهو يذيع أخبار الاحتجاج المفتعل، بقوله: ولكن لم يكن ثمة من أمل بنجاة بوتو من الموت، لأن ثماني عشرة جريمة أخرى كانت تنتظر محاكمته، وكل منها كافٍ للقضاء بإعدامه.
ولقد آن أن نلفت أنظار أولئك المتباكين على بوتو إلى حقيقة كبيرة لم تخطر على مخيلاتهم قط.. لأنها من غير المألوف في أنظمتهم الحاكمة.
إن الحاكم الأعلى في الأنظمة الوضعية جميعًا، سواء شرقت أو غربت، هو امرؤ فوق القانون، وله من الصلاحيات المطلقة ما يسوغ له مخالفة القضاء في كل أحكامه فيعفو عمن يشاء، ويُخفف عمن يشاء، وقد حدث أن محكمة شرعية أصدرت قرارها بإعدام عدد من البهائيين لثبوت ارتدادهم عن الإسلام، وبدلًا من أن يأخذوا طريقهم إلى حبل المشتقة، ليكونوا عبرة لأمثالهم من عملاء اليهودية العالمية، صدر قرار الحاكم الأعلى بتعطيل قضاء الشريعة وإخراجهم من السجن ليستأنفوا مسيرتهم في تضليل الجاهلين.
هذا الضرب من الفوضى، المهددة لأحكام القوانين، لا وجود لها في في نظام الإسلام، الذي دخلت باكستان أبوابه على يد رئيسها المؤمن الشجاع الفريق ضياء الحق؛ إذ المعلوم عند أهل العلم بكتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – أن الجناية تظل قابلة للتسوية بين أهل الجاني وأهل المجني عليه حتى أثناء عرضها على القضاء، فاذا أخفقت جهود الإصلاح، حتى صدر حكم الشريعة في القضية أعطى الفريقان فرصة جديدة للتصالح بعد أن تكون الدماء قد بردت، وتهيأت النفوس لقبول الحل المعقول، فإما أن يتم الخير بعفو أولياء الدم، أو يُصر هؤلاء على القصاص، فيتولى ولي الأمر تنفيذ الحكم على الوجه الذي قرره القضاء دون أي حيف أو تهاون..
ومعنى ذلك بإيجاز أن ليس لولي الأمر في الإسلام حق العفو أو تخفيف الحكم، بل ينحصر عمله فقط ضمن حدود التنفيذ الحرفي للحد الشرعي.
وعلي ضوء هذه الحقيقة العالية يجب أن يفهم المستشفعون والمستنكرون موقف الفريق ضياء الحق بإزاء الحكم الصادر بحق بوتو.. إذ كان مستحيلا عليه أن يسلك في قضية الرجل غير السبيل الذي سلكه، ولو هو قد تدخل في موضوع الحكم فأحدث فيه أي تبديل أو تعديل لاعتبر خائنًا للشريعة التي أعلن إقامتها في باكستان المسلمة. وإنها لإحدى مميزات النظام الإسلامي الذي يبلغ فيه استقلال القضاء حدًّا تتقاصر دونه سلطة الساسة، بل تخضع له رقابهم، حتى ليحاكمون أمام ممثليه مع خصومهم أيَّا كان هؤلاء الخصوم..
وفي يقيني أن هؤلاء المستشفعين أولا، والمستنكرين ثانيًا، لو أدركوا هذه الحقيقة وحدها لأراحوا أنفسهم من عناء الاستشفاع والاستنكار، ولحنوا جباههم للشريعة التي ارتفعت فوق كل زعيم، ولو نطح السماء برقية، وسوت بعدالتها بين الناس جميعًا فلا فرق بين الحاكم والمحكوم..
فهنيئا لأهل الإيمان بالشريعة، التي لا سبيل غيرها لتأمين المظلوم من عدوان الظالم.. ومرحى لضياء الحق الذي لم تأخذه في الحق لومة لائم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل