العنوان وجهة نظر حول المصارف اللاربوية
الكاتب أحمد عثمان الحاج
تاريخ النشر الثلاثاء 30-أغسطس-1983
مشاهدات 80
نشر في العدد 635
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 30-أغسطس-1983
مع الترحيب والتشجيع لتجربة المصارف الإسلامية إلا أن الخشية قائمة أن تغدو مطية للأنظمة القائمة لتزيين باطلها؛ ما رأيكم؟
الرصيد الوجداني والإيماني في نفوس أفراد الأمة المسلمة يغري الكثيرين بركوب الموجة الإسلامية وفي مختلف الأشياء، وهذه الحيثية منطبقة على قضية المصارف الإسلامية ولا ريب كما تنطبق على غيرها، ولكن هذا التخوف لا يمنعنا من استغلال الفرص المتاحة مهما كانت مقاصد الآخرين كما لا يعني التغابي عن الظروف والملابسات التي تحيط بالتجربة والذي يعنينا مدى الضرر اللاحق بها من ناحية عملية وأما ما سوى ذلك فإنه لا يهمنا كثيرًا.
ألا ترى في إنجاز الصيغة الإسلامية للعمل المصرفي في ظلال الأنظمة الوضعية نوعًا من التخدير والصرف الملهى عن الهدف الأعلى: الجهاد في سبيل تحقيق الإسلام الكامل المتكامل؟
هذا أمر متصل بجمهور الإسلاميين في المقام الأول فالذي يظن أن إقامة المصارف الإسلامية هو الغاية والهدف وأهم، بل ما هي إلا ضلع من أضلاع الاقتصاد الإسلامي وجزئية صغيرة من البناء الإسلامي الكلي، فالمصرف الإسلامي إنجاز حسن غير أنه لا يعدو أن يكون مرحلة قصيرة من طريق طويل وكما سبقته مجهودات كثيرة حتى مثل واقعًا فلابد أن تتلوه مجهودات أكثر وأكبر حتى يمثل ما عداه من بناء الإسلام المنشود وهذه بدهية لا ينبغي غيابها عنا بأية حال.
يؤمل الناس كثيرًا على تجربة المصرف الإسلامي بافتراض مقدرته على تشييد صرح الاقتصاد الإسلامي ما قولكم؟
ينبغي علينا تصحيح المفاهيم في هذا السبيل فمثول المصرف الإسلامي لا يعني بالضرورة مثال الاقتصاد الإسلامي بمعناه الواسع في تحقيق العدل الاجتماعي وعدم الميل في توزيع الثروة، فذلك مجال يتصل بمهام دولة ومجتمع والمصرف مصرف في النهاية، ولن يستطيع تعدي حدوده التي وجد من أجلها، ووظيفة المصرف الإسلامي الآن محصورة في نفس الحرج القائم من التعامل الربوي السائد مع بعض التطبيقات الفقهية في مجال الاستثمار، وأما الاقتصاد الإسلامي فهو الإفراز والنتاج التلقائي لدولة الإسلام الموعودة بإذن الله، ولعل هذا اللبس منشؤه التسمية العريضة للمصارف بأنها إسلامية والأحرى والأدق أن نسميها لاربوية حتى يتضح دورها المحدود فلا تطالب بما لا تستطيع.
وماذا عن مثول المصرف «اللاربوي» في ظلال الفلسفة الرأسمالية التي تتحكم في الكثرة الغالبة من اقتصاديات العالم الإسلامي؟ ألا يتصور أيلولته إلى ترس موظف في آلة الرأسمالية الطاحنة؟
الحافز الذي قامت المصارف الإسلامية عليه هو مقاومة الفلسفات الاقتصادية الوضعية وذلك بهدم أسطورة الحتمية الربوية في التعامل، وهو أمر نجحت مصارفنا فيه حتى الآن وبصورة مذهلة للجميع.
وفهمي لقيامها في مناخ الفلسفات الاقتصادية الوضعية أراه صراعًا وليس تصالحًا معها بأية حال، وخطر الآلة الرأسمالية عليها قائم ولكنه محسوب إلى حد كبير- وتشويه ذلك الخطر لأدائها وصورتها لن يزول إلا في تبدل الأمر القائم، فالمحاسن الكاملة للنظام المصرفي الإسلامي إنما تتحقق في المناخ الإسلامي المتكامل الذي تتعاضد فيه جهود المجتمع المؤمن وتتناغم فيه صور الأداء وتتجاوب فيه الأجهزة والمؤسسات المختلفة في تحقيق رسالة الإسلام.
إذن ماهي الوظيفة الأساسية للمصرف اللاربوي وما آثاره المتوقعة على النظام الاقتصادي العالمي؟
لقد حطم قيام المصرف اللاربوي أسطورة الحتمية الربوية في التعامل، ومجرد قدرة مصارفنا على تثبيت حقيقة إمكان التعامل اللاربوي وظيفة أساسية لها وفي عمرها الراهن هذا.
ثم إننا نعلم أن علة الاقتصاد العالمي إنما تكمن- أكثر ما تكمن- في داء الربا الذي لا نستطيع إحصاء مساوئه وجرائره- وأزمة الديون العالمية الحالية والتي تهدد اقتصاد دول كثيرة وكبيرة- البرازيل مثلًا برهان مجسد لصورة هذا الداء الوبيل- ومثول الحيثية اللاربوية في التعامل وفي هذا الوقت بالذات إجابة عملية على حيرة الاقتصاد العالمي، وقد لا يكون أثر المصرف اللاربوي واضحًا الآن، ولكنه هز مسلمات سادت لقرون وقليلًا قليلًا سيجعل الكثيرين يعيدون النظر في صيغة التعامل الربوي القائمة وإزاحة الربا الذي يشكل حجر الزاوية في النظام الاقتصادي العالمي السائد منذر بتغيير البنية الاقتصادية كلها، وإعادة صياغتها من جديد، وستتضح هذه الآثار أكثر كلما امتدت رقعة المصارف اللاربوية في العالم وهي بحمد الله في امتداد وتنامي متصاعد.
حسنًا وجزاك الله كل خير.