العنوان دكتاتورية «الأقلية» في مصر - 2 مليون يهضمون «حق» 38 مليونًا..!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-سبتمبر-1977
مشاهدات 90
نشر في العدد 367
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 20-سبتمبر-1977
دكتاتورية «الأقلية» في مصر
2 مليون يهضمون «حق» 38 مليونًا!
أربعون شخصًا..
٣٨ منهم قالوا: نرغب في عبادة الله كما نريد وكما طلب منا هو ذلك سبحانه. ونتعهد -ونحن نعبد ربنا- بألا نظلم أحدًا ولا نجبر غيرنا على أن يكونوا مسلمين.
و٢ منهم قالوا: لا، لا يحق لكم أن تعبدوا ربكم كما تريدون، ويجب أن ينزل الــ٣٨ على رأينا نحن الاثنين، وإن لم يفعلوا فإننا نعلنه إضرابًا عامًّا في شكل صيام جماعي.. وشكل اجتماع يبدأ انعقاده في ٣٠ أغسطس، ويظل في حالة انعقاد دائم حتى تثوب الأكثرية إلى رشدها وتقلع عن مطالبها..
هذه ليست حكاية من العصر الحجري.. إنه منطق الأقباط في مصر الذي يريد إلغاء إرادة ٣٨ مليون مسلم مصري في سبيل تحقيق رغبة ٢ مليون قبطي!
مرة أخرى: هذه ليست أسطورة غابرة، وإنما خبر جديد بثته -من القاهرة- وكالة الصحافة الفرنسية مساء الإثنين الماضي.
يقول الخبر أو التقرير الإخباري: إن الطائفة القبطية في مصر بدأت الصيام لمدة أربعة أيام احتجاجًا على القوانين الإسلامية التي تبحث الحكومة تطبيقها.
مصدر وثيق الصلة بالبابا شنودة بطريرك الأقباط الأرثوذكس قال: إن الصيام تقليد ديني لدى أقباط مصر يلجئون إليه عندما يواجهون محنة شديدة ويرغبون في دعوة الرب إلى مساعدتهم فيها عن طريق الصلاة. وأضاف المصدر يقول: إن محنة اليوم -وهي أول حجر عثرة حقيقية تعترض طريق العلاقات بين الأقباط والدولة الإسلامية منذ سنوات عديدة- تتمثل في إعداد قوانين إسلامية يرى الأقباط أنها تهدد الحفاظ على عقيدتهم، من بين هذه القوانين وأخطرها -من وجهة نظر الطائفة القبطية- قانون يقضي بالحكم بالإعدام على كل مسلم يرتد عن دينه.
وأضاف المصدر الكنسي: إذا فرض وطبق هذا القانون فإن كثيرًا من الأقباط الذين يتزوجون من مسلمين أو مسلمات ويعتنقون الدين الإسلامي، فإنهم إذا عادوا إلى ديانتهم الأولى يعتبرون في عداد المرتدين ويتعرضون لحكم الإعدام. وقد أكدت البطريريكية القبطية أن القوانين الإسلامية هي سبب صيام الاحتجاج الذي يمارسه الأقباط.
وقد عقد المجمع الكنسي القبطي اجتماعات بصفة دائمة منذ ٣٠ أغسطس الماضي، ويجرى المجمع اتصالات مع السلطات في مصر..
وعلى الرغم من أن هذا المنطق يعتبر قانونًا من الاستفزازات التي تبرر ردود الفعل، كأن يدخل ۳۸ مليون مسلم مصري في إضراب عام عن العمل ويعتصمون بعشرين ألف مسجد، مطالبين برحيل الأقباط عن مصر كشرط لإنهاء الإضراب والاعتصام، فإننا نعد الاستجابة للاستفزاز نوعًا من الحمق، وضربًا من الغباء.
* فيومًا بعد يوم تتكشف خيوط استراتيجية بالغة الإجرام تستهدف إنهاك مصر وتمزيقها وتفتيتها، فمصر تتميز بالانصهار والتجانس الجغرافي والبشرى، ليس فيها مشاكل قوميات ولا نزاعات إقليمية، ولا نعرات عنصرية. وهذه ميزة كبرى إذا عززت في المستقبل بحركة تنمية جادة وشاملة، وبوعي ديني عميق ومستنير يرفع مستوى الكثافة البشرية ويقود خطاها ويهدى سعيها.. عندئذ تصبح مصر قوة ضاربة في المنطقة.
وهذا مستقبل يجزع منه العدو الصهيوني أشد الجزع؛ لأن بقاءه مشروط بوجود مصر الضعيفة؛ لا مصر القوية.
صحيح أن الاحتكارات العالمية تريد مصر سوقًا استهلاكيًّا ضخمًا لمنتجاتها وسلعها؛ بيد أنه لا تعارض بين أهداف العدو وأهداف الاحتكارات، فمصر الضعيفة -التي يريدها العدو تمثل -بضعفها- أحسن سوق للاحتكارات العالمية.
إنهم يخشون مصر المنتجة، ومصر المد العقائدي؛ أما مصر السوق فهي في مصلحتهم.
معنى الكلام أن الخصوم يريدون تخريب مصر وإلهاءها عن التوجه إلى أهداف عظيمة، وحين يقدم الأقباط على حركة استفزازية فتستجيب الأكثرية المسلمة لهذا الاستفزاز، تكون هذه الأكثرية قد ساهمت في تنفيذ سياسة الإجرام الدولي.
* الوعي الإسلامي في مصر يتسع ويتعمق، ومطالبه الإسلامية تزداد وضوحًا وتحديدًا، ومن الخير أن تمضي المسيرة المباركة في طريقها وصوب أهدافها.
الاستجابة للاستفزاز إنما هي التفات معيق وخفة لا تليق بالمؤمنين.
وكل حركة غير محسوبة ستؤدي إلى كبت ذلك الوعي أو صرفه عن أهدافه.
والاستجابة للاستفزاز حركة غير محسوبة وتصرف غیر موزون.
هل يفهم من هذا أننا ننادي بالسكوت والسلبية؟
لا.. طبعًا.
إن الموقف يحتاج الى تبريد الأعصاب والمشاعر ابتغاء المعالجة العاقلة المتزنة، خاصة وأن الحق بكل مقياس من المقاييس العادلة مع مسلمي مصر.
فما هو الموقف العاقل المتزن؟
هو احتواء الأزمة وتطويقها، وذلك بطرحها في الضوء ومناقشتها علنًا وبكامل الحرية.
فلا داعي للخوف أبدًا حين توضع القضية في إطارها الصحيح، وتتعرض للهواء النقي. والإطار الصحيح للقضية: أن تطرح على الرأي العام المصري بمنطق الحكمة؛ لا بانفعال الإثارة.
والطرح يتمثل في مجموعة أشكال وإجراءات:
* إجراء استفتاء عام حول مسألة القوانين الإسلامية، فهذه وسيلة ديمقراطية يبوء بالفشل والاستنكار العام من يرفض الاحتكام إليها، أو يرفض نتائجها.
* عقد ندوات عامة في التلفزيون والإذاعة وقاعات المحاضرات في الجامعات... إلخ، يكون موضوع هذه الخطة الإعلامية: ماذا يريد الأقباط بالضبط؟ هل يريدون ضمانات لحقوقهم الدينية؟
نعم، من حقهم أن يطالبوا بهذه الضمانات، فالتشريع الإسلامي لا يؤجل من هذه المطالبة لأنها موجودة في صميم تعاليمه.
هل يريدون فرض رغبة ٢ مليون قبطي على إرادة ۳۸ مليون مسلم؟
لا حق لهم في ذلك. لأن هذا منطق يتناقض مع العدالة ومع الحقوق الإنسانية التي أقرتها مواثيق المنظمات الدولية.
هل يريدون حرمان المسلمين من ممارسة حقهم في عبادة ربهم؟
لا حق لهم في ذلك؛ لأنه من التناقض الصارخ أن يطالب الأقباط -وهم أقلية- بحرية العبادة ويحاولون حرمان المسلمين -وهم الأكثرية- من ممارسة حرية العبادة.
هل يريدون إقامة دكتاتورية الأقلية في مصر؟
هذا مطلب يتناقض مع مبادئ الحرية ومع أمن المجتمع؛ لأن الأكثرية ستطالب بالتحرر من قبضة هذه الدكتاتورية، وتسلك السبيل الذي يحقق لها الحرية. وخلال هذا تحدث الزلازل والدوامات التي تبتلع أمن المجتمع المصري.
وفي حوار مفتوح.. وعلى الهواء.. وبالبث المباشر في التلفزيون نقترح أن تعقد ندوة بين الشيخ محمد الغزالي وبين البابا شنودة، تثار فيها تلك القضايا جميعًا، وتناقش بالمنطق، ويشاهد الناس من مع الحق، ومن يقف ضد الحق؟
من الإجراءات العادلة كذلك: إجراء إحصاء جديد للأقباط لكي يأخذون من الفرص في ضوء الإحصاء ما يستحقون.. لا يهضم حقهم. ولا يأخذون أكثر مما لهم. فإن اتضح أنهم مظلومون منحوا فرصًا جديدة، وإن اتضح أنهم أخذوا أكثر مما يستحقون أخذت منهم هذه الزيادة، سواء في فرص التجارة، أو المساكن، أو الوظائف العامة، أو حرية التحرك السياسي.
بهذا المنطق الهادئ المحق يمكن احتواء الأزمة وتطويقها وتفريغها من الشحنات الغامضة، والغضب غير المعقول، والمطالب الظالمة.
الوعي بالمخاطر
إن جهات كثيرة تنفخ في هذه الفتنة.. فبعد مقتل الشيخ الذهبي كتبت مجلة المستقبل -وهي مجلة نصرانية- مقالًا تحريضيًّا سافرًا تحرض فيه قوى مختلفة ضد اليقظة الإسلامية في مصر، وتبشر بحدوث حرب أهلية مصرية مماثلة لما حدث في لبنان، وتغطي تسليح أقباط مصر بكذبة كبيرة تدعي فيها أن المسلمين يتسلحون..
وجريدة الموند الفرنسية وهي تعلق على احتفال فؤاد سراج الدين بمرور ٥٠ عامًا على وفاة سعد زغلول، وصفت الأقباط بأنهم القوة السياسية الدينية الوحيدة في مصر التي احتفظت بكامل قواها ونموها في الربع قرن الأخير. كما قالت: إن فؤاد سراج الدين قد صف -وهو يخطب- ثلاثة من رجال الدين الأقباط على يمينه.
ومنذ سنوات نشبت فتنة بسبب أن الكنيسة القبطية قد خططت لتنصير مجموعات من شباب مصر، وأنها قد نصرت عددًا منهم بالفعل.
ويبدو أن هذه الخطة لا تزال سارية المفعول بدليل أن الكنيسة القبطية قد أفردت قانون الردة -المزمع إجازته في مصر- باحتجاج أشد، والاحتجاج الشديد يعبر عن أن الكنيسة تنوي تنصير أبناء المسلمين، وأن قانون الردة يمنعها من ذلك.
نحن لنا ملاحظات على قانون الردة -ليس هذا زمان نشرها- لكن اعتراض الأقباط ينصب على جوهر القانون ومبدئه.
بعد مقتل الشيخ الذهبي بساعات قلنا: إن على المطالب الإسلامية في التشريع والتقنين الكنيسة القبطية ستنتهز هذه الفرصة للاحتجاج بحجة أنها -أي الكنيسة- تكافح التطرف الديني..
واليوم نقول: إنه من المخاطر الكبرى التي ينبغي الانتباه إليها والحذر منها خطران ماکران:
* فالقصة كلها قد تكون مناورة قبطية تفتعل التشدد القبطي في وجه المطالب الإسلامية. وفي هذا الجو تظهر دعوة تقول: الحل الأفضل أن تتحرر الدولة من مطالب الطرفين، ولا سبيل إلى ذلك سوى أن تصبح الدولة علمانية، وهذه النتيجة في صالح الأقباط، لا في صالح المسلمين.
* وقد يستهدف الافتعال نفس الأهداف، ولكن من زاوية أخرى؛ زاوية تحقيق المزيد من مطالب الأقباط، كأن يطالبوا بالتعجيل بإنشاء جامعتهم التي يخططون لها، وأن يطالبوا بمزيد من الكنائس وفرص الوظائف العامة، وأن يطالبوا بإقامة مستعمرات جديدة مثل مستعمرة وادي النطرون، يستطيعون فيها ممارسة حقوقهم بعيدًا عن قوانين المسلمين.
إنهم يريدون تحقيق كل ذلك ثمنًا لرضاهم.
إن هذه المشكلة تفتح العين وتشحذ الانتباه وتركزه على مشكلات الأقليات المسيحية في العالم العربي.
إن ما يفعله الأقباط في مصر يمكن أن تفعله أي أقلية مسيحية في أي بلد عربي.
لقد انتشر الكتائبيون -مثلًا- في أقطار الخليج العربي وجاءوا أفواجًا أفواجًا أثناء الحرب الأهلية في لبنان.. وبمرور الزمن يشكل هؤلاء أقليات داخل بلدان الخليج العربي. وينبغي أن تكون هناك صحوة مبكرة لدرء هذا الخطر؛ لأن العلاج لا يجدي بعد استفحال الخطر.
وهذه ليست مشكلة دينية فحسب؛ إنها مشكلة سياسية، ومشكلة أمن كذلك.