العنوان دلالات مهمة ظهرت أثناء معالجة الأزمة ستظهر آثارها في المرحلة المقبلة
الكاتب محمد حسن طنون
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يناير-2000
مشاهدات 59
نشر في العدد 1383
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 04-يناير-2000
سحابة الخلافات تتبدد بعد تبني مجلس الشورى لتوصيات لجنة الإصلاح
الخرطوم:
مع قرب بداية العشر الأواخر من رمضان سكن بحر الخلافات الهائج وهدأت العواصف التي كانت تتقاذف سفينة الإنقاذ بعد أن دخلت السفينة في المجال البحري الشوروي.
حسم مجلس الشورى الأمور في ساعة من الزمان، بدأ أعماله قبل أذان الظهر بساعة وأنهاها مع الأذان وهرع الأعضاء إلى الصلاة وهم مستبشرون مطمئنون ماذا حدث في الاجتماع الاستثنائي لهيئة مجلس شورى المؤتمر الوطني؟
ترأس الجلسة رئيس مجلس الشورى الدكتور عبد الرحيم علي وهو مدير جامعة إفريقيا العالمية.
عند بداية الجلسة تلا عضو الهيئة القيادية التي يرأسها الدكتور حسن الترابي تحفظات الهيئة القيادية على توصيات لجنة الإصلاح ولوحظ أن الهيئة القيادية لم تأت إلى الاجتماع بالمشروع الذي ذكر أنه يمهل الرئيس شهرًا للرجوع عن قراراته وإلا فإن المؤتمر يعتبرهم خارجين عن الحزب.
لقد بذلت جهود كبيرة قبل انعقاد المجلس لسحب كل الاقتراحات التي تؤدي إلى تصعيد الموقف وينتج عنها الانقسام الذي لا يريده أحد.
بعد تلاوة تحفظات الهيئة القيادية التي تلخصت في أربع بنود تليت قرارات لجنة الإصلاح ورأب الصدع وأهمها:
- بقاء الرئيس والأمين العام كل في موقعه على أن يصبحا ناصحين للآخرين دون السعي لإحداث انشقاق أو تجاوز الحركة الإسلامية حالي رفض أي منهما التوصيات.
- أن تكون البيعة العامة للرئيس والبيعة الخاصة للتنظيم وتكون الشورى ملزمة لا معلمة.
- ألا يتخذ الرئيس أو الأمين العام أي قرار دون الرجوع للأجهزة الشورية والمؤسسات التي تحكم المؤتمر.
- فصل التداخل والازدواجية بين الحزب والجهاز التنفيذي بحيث يضع الحزب السياسات العامة والخطط والبرامج ويقوم الجهاز التنفيذي بتنفيذها دون تدخل من الحزب في الأداء اليومي وإنما يتولى المحاسبة الدورية.
- إعادة تشكيل الهيئة القيادية للمؤتمر الوطني والجهاز التنفيذي وتكملة هيئة الشورى بشخصيات قيادية لها السبق في الحركة.
- وضع اللوائح المنظمة للعلاقات بين الأجهزة المختلفة في المؤتمر الوطني والجهاز التنفيذي.
- إعادة صياغة النظام الأساسي للمؤتمر الوطني بواسطة مجلس الشورى بعد تفويضه من المؤتمر العام.
- يلتزم الطرفان بحكم المحكمة الدستورية في قضية حل المجلس الوطني وإعلان حالة الطوارئ.
- رفع حالة الطوارئ بالمجلس ما تيسر.
تلك هي السمات الأساسية لمقترحات لجنة الإصلاح ورأب الصدع التي تشكلت من خيرة الرجال من كل قطاعات الحركة الإسلامية، والتي تكونت قبل ثلاثة أشهر وواصلت الليل بالنهار لوضع حلول جذرية للنزاع الذي طال أمده بشكل يهدد وحدة الصف.
بعد أن استمع أعضاء مجلس الشورى لاقتراحات لجنة رأب الصدع تقدم الدكتور إبراهيم أحمد عمر رئيس لجنة الأربع عشر المكونة بالتساوي من الجهة القيادية والجهاز التنفيذي بتلاوة مقترحات اللجنة بأول بند يدعو إلى إعفاء الرئيس من رئاسة المؤتمر والمكتب السياسي لفترة انتقالية وكذلك إعفاء الأمين العام من رئاسة الهيئة القيادية لفترة انتقالية إلى أن تهدأ الخواطر ولكن الأعضاء هاجوا وماجوا ولم يتركوه يكمل بقية الاقتراحات.
بعدئذ طرحت اقتراحات لجنة الإصلاح ورأب الصدع للاقتراع ففازت بالإجماع مما أضفى على الجو ارتياحًا عامًا وألقى الرئيس عمر البشير كلمة قصيرة أبدى فيها موافقته على القرارات ولكن الدكتور حسن الترابي لزم الصمت. لكنه الصمت الذي يدل على الرضا رغم التحفظات التي لم يؤخذ بها.
وهكذا أسدل الستار على مسرح اللامعقول في السودان -مسرح الخلافات- بحكمة رجال الحركة الإسلامية الذين تحركوا لاحتواء الأزمة.
لم يمارس الإسلاميون تدمير الذات الذي ينشب نتيجة النزاع والذي يؤدي إلى الفشل وذهاب الريح، وكاد التدمير يحدث لأن أشخاصًا غرباء دخلوا ووجدوها فرصة لتصفية الحسابات الشخصية، ولكن الله سلم.
بالطبع الاختلاف في وجهات النظر برؤى اجتهادية أمر مطلوب ومقبول شرط ألا يؤدي إلى التنازع والتصارع.
الآن «الحمد لله» هي النغمة السائدة في أوساط الإسلاميين خاصة والسودانيين عامة لا سيما وقد أكد الرئيس عمر البشير «أن المؤتمر الوطني سوف يظل الوعاء الجامع لأهل السودان ولا مجال لشق الصف وقيام كيان جديد ولا بديل لوحدة التنظيم والحركة ولا مجال للانقسام والتشرذم وأن التمسك بمشروع السودان الحضاري أمر لا مساومة فيه ولا نكوص عن طريق الشهداء وهذا عهدنا أبدًا إن شاء الله».
ونشير هنا إلى جهود قادة الحركات الإسلامية في الخارج الذين توافدوا على العاصمة السودانية منذ أن بدأت الخلافات في الأفق وعلى رأسهم الشيخ يوسف القرضاوي والشيخ عبد المجيد الزنداني وقيادات من الإخوان المسلمين ومن الجماعة الإسلامية في باكستان.
ماذا تعني القرارات التي قدمتها لجنة رأب الصدع والتي تبنتها هيئة شورى المؤتمر الوطني؟
لهذه القرارات أهمية كبرى ودلالات عظيمة أولها أنه ولأول مرة في تاريخ الحركة الإسلامية تبرز قوة ثالثة من القيادات الوسيطة مسنودة بقواعد تنظيمية واعية لبسط رؤاها وقراراتها على الطرفين وتؤكد حكم المؤسسات.
ثانيًا: يلاحظ أن القرارات وضعت كوابح لاندفاع المتشددين في المؤتمر الوطني المحيطين بالدكتور حسن الترابي.
ثالثًا: ألزمت القرارات رئيس الجمهورية بالعمل على رفع حالة الطوارئ بأسرع وقت ممكن وبقبول حكم المحكمة الدستورية التي هي من مؤسسات النظام.
رابعًا: يتوقع أن تظهر قيادات وسيطة في المرحلة القادمة سواء في الجهاز التنفيذي أو في المؤتمر الوطني خاصة لو تم محاسبة المتسببين في الأزمة من الطرفين حسب أحد أهم بنود القرارات.
خامسًا: هذه القرارات جعلت الطرفين يلتزمان بوحدة الجماعة والإصلاح وأن المعالجات الإصلاحية ستستمر لتشمل الدولة والمؤتمر الوطني.
سادسًا: ما حدث يمثل سابقة إسلامية في حسم الخلافات ومعالجة حضارية ستظهر آثارها الإيجابية على الجميع.
سابعًا: تبدد رهان الأعداء الذين توقعوا الانقسام وراهنوا عليه لضرب الإنقاذ.
ثامنًا: قدمت الحركة الإسلامية فقهًا جديدًا لحسم الخلافات وفق الضوابط الشرعية خاصة أن البيعة العامة لرئيس الجمهورية، ويقوم التنظيم على العهد والتواثق بين الجماعة وأن الشورى ملزمة للدولة والتنظيم ولا كبير على الشورى الحرة.
واضح أن هذا الفقه الذي مورس لملم الجميع من القواصم.