العنوان دمعة على أبي الأعلى
الكاتب عبد القادر بن محمد المعماري
تاريخ النشر الثلاثاء 13-نوفمبر-1979
مشاهدات 64
نشر في العدد 458
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 13-نوفمبر-1979
نقلت وكالات الأنباء العالمية نبأ وفاة المفكر الإسلامي الكبير مولانا أبي الأعلى المودودي بالولايات المتحدة الأمريكية حيث حضر إليها للعلاج، ولزيارة ابنه الدكتور أحمد فاروق، عن عمر يناهز الست والسبعين عامًا ولقد كان رحمه الله من أكبر الدعاة والمفكرين الإسلاميين في هذا القرن بل أكثرهم إنتاجًا وأثرًا، وهو إلى جانب علمه وفكره سياسي قوي لا تلين له قناة، يقول كلمة الحق ولا يخاف في الله لومة لائم، وقد سبق أن سُجن وحكم عليه بالإعدام حتى اضطرت الحكومة إلى تخفيف الحكم عليه ثم العفو عنه تحت ضغط المسلمين المتحمسين لدينهم وعقيدتهم إذ كان يمثل رأي الإسلام الناصع، ويذكرنا بسيرة السلف الصالح في شدَّته في الحق، وإخلاصه لدينه وأمته الإسلامية وهو في باكستان ورفاقه من أعضاء الجماعة الإسلامية وراء كل المواقف التي يقفها الشعب الباكستاني في قضية الإسلام والمسلمين الأولى، قضية القدس وفلسطين، وهو القائل «إن هذه القضية لا يجوز لنا أن نتخلى عنها حتى لو تخلى الفلسطينيون والعرب أنفسهم، وأن كل شبر في بلاد المسلمين يغتصب تقع مسؤولية تخليصه على المسلمين».
أما أعماله في مجال الفكر فله القدح المعلى، فقد أغنى المكتبة الإسلامية وأثراها بعشرات الكتب، وعالج المعضلات والمشكلات السياسية والاجتماعية من وجهة نظر الإسلام، وأبان للمسلمين طريقهم إلى شريعتهم، وأثبت بالبراهين والأدلة الواضحة بأنها هي الكفيلة بسعادتهم في دنياهم وأخراهم وقد جذبت كتبه الشباب والمثقفين المسلمين لما فيها من العمـــــق والموضوعية بعيدًا عن العواطف والأساليب الإنشائية والخطابية، وهنا نرى كيف أن لجنة جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام قد حالفها التوفيق عندما قررت منحه الجائزة التي قبلها وصرف قيمتها إلى خدمة الإسلام.
لقد هزتنا وفاته هزًّا عنيفًا، إذ إننا لا نتصور أن يملأ الفراغ أحد غيره خاصة في هذه الظروف الدقيقة التي تمر بها الأمة الإسلامية، حيث تحيط بها الأخطار من كل جانب، هناك الكفر والإلحاد المسلح بمختلف أنواع الأسلحة، وهناك الإغراءات المادية ومحاولات إفساد الأجبال المسلمة وضرب المسلمين في عقائدهم وسلوكهم حتى يكونوا فريسة سهلة للغاصبين والحاقدين، ولعل عزاءنا الوحيد في وفاته هو ما خلفه هذا المفكر العظيم من تراثٍ، معينه ومنبعه كتاب الله وسنة رسوله، فهو مع تراث من سبقه من أعلام المسلمين ممن قضوا نحبهم وممن ينتظره يمثل نهرًا مزمجرًا يقلع الباطل ويزرع الأرض الطيبة بالحق والفضيلة، ولعل من فضل الله على هذا العالم الجليل، أن يكون آخر إنجازاته الرائعة هو الانتهاء من تفسير القرآن الكريم، والذي نرجو أن يترجم إلى العربية بأسرع ما يمكن، ليستفيد منه العرب أهل الإسلام الذين أخذ بعضهم يَمرُق من الدين كما يَمرُق السهم من الرمية، فأَنْزَلُوا شعار الإسلام ورفعوا شعار الكفر والعصبية، بينما الأعاجم يستميتون في سبيله وينافحون عنه ويجاهدون لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، فلا غرابة في ذلك، فالتاريخ يعيد نفسه فقد وقف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في يوم من الأيام يقول لقومه: «كذبتموني إذ صدقني الناس، وأخرجتموني إذ أواني الناس، ولعل مَن نسميهم بالمفكرين في دنيا العرب والمسلمين ونحيطهم بهالة من التقديس والتبجيل، ونسبغ عليهم معظم الألقاب.
وإذا ماتوا ضربنا عليهم الخدود وشققنا عليهم الجيوب، وهم في الواقع يستحقون الاحتقار والدوس بالأقدام؛ لأنهم يجردون أمتهم من شخصيتهم ويقضون على مقوماتها، وينفثون السموم في أفكار شبابها، وينخرون في جسم الأمة كما ينخر السوس في الخشب، يريدونها تستسلم لأعدائها، وتهزم في كيانها، قد بهرتهم الحضارة الغربية وجرفتهم تيارات المالية، فمنهم من جعل قبلته أمريكا وأوروبا، ومنهم من جعل قبلته الصين وروسيا، لا تاريخ عندهم إلا تاريخ اليونان، ولا حضارة إلا حضارة الفراعنة والرومان، حتى أن بعضهم اليوم ينادي بالتقاء من أسماهما بالفئتين المتحضرتين اليهود والمصريين، وترك من أسماهم بالأقزام والمتخلفين من العرب والمسلمين، وبعضهم نادى ببعث العصبية والجاهلية، وآخرون نادوا بالتوجه نحو الماركسية والتروتسكية وهنا يبرز فكر أبي الأعلى المودودي فكرًا أصيلًا شامخًا فوق العصبيات والجاهليات والماديات ومهيمنا على كل الأفكار؛ لأنه فكر الإسلام الأصيل ومصدر عزة الأمة وقوتها، والذي يتحدث عن أبي الأعلى المودودي، لا بد أن يجره الحديث عن الجماعة التي أسسها هو، وهي الجماعة الإسلامية في الهند والباكستان التي نذرت نفسها لله، ترفع راية الإسلام، وتنادي بتحكيم شريعة الله، وتدافع عن حقوق المسلمين في كل مكان، إنها الجماعة المؤمنة الصادقة الصابرة، ليست مع اليسار ولا مع اليمين، بل يتآمر عليها اليسار واليمين ويعارضها أهل الجمود وأهل الجحود، وذلك لأنهم على الحق لا يميلون ولا يتطرفون مع المتطرفين، ولا يجمدون مع الجامدين، فهم وسطٌ كما أرادهم الإسلام ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: 143).
طيب الله ثراك يا أبا الأعلى وجعل الجنة مثواك، وصب على قبرك شآبيب الرحمة والرضوان، وإن العين لتدمع وإن القلب ليخشع، وإنا لعلى فراقك لمحزونون، ولا نقول إلا ما قاله الصابرون «لا حول ولا قوة إلا بالله وإنا لله وإنا إليه راجعون وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل