; المجتمع الأسري (1368) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الأسري (1368)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 21-سبتمبر-1999

مشاهدات 74

نشر في العدد 1368

نشر في الصفحة 60

الثلاثاء 21-سبتمبر-1999

دموع التوتر.. سامة!

الكويت: ناهد إمام

مجرد عبارة بسيطة وبلا قصد يُطلقها المرء فتثير من كان أمامه وتغضبه، محدثة سلسلة كبيرة من الانفعالات.. هكذا اصبحت السمة الغالبة على معظم الناس في حياتنا المعاصرة، فالكل متحفز.. جاهز للغضب والثورة، وأكثر استجابة للانفعال والتوتر. 

حول التوتر.. سماته.. أسبابه.. وطرق التخفيف من حدته تحدثت الدكتورة هيفاء السنعوسي - الأستاذة بجامعة الكويت وخبيرة الاستشارات الأسرية.

في البداية تقول: لا نستطيع أن نتخلص نهائيًا من التوتر، فالتوتر المحاط بإطار من الحرص على النجاح في أمر ما مثلًا شيء مهم ومطلوب، وإنما نقصد بالتوتر هنا الدرجة المرضية الخطيرة التي تظهر معها أعراض عضوية ملازمة لتلك الحالة النفسية كالصداع، وضربات القلب السريعة أو غير المنتظمة والام أعصاب الوجه أو الفك أو الأسنان والام الظهر والصدر والرقبة والام المعدة والقولون العصبي.. إلخ، من أعراض ليس لها أسباب عضوية. 

فالتوتر ليس أمرًا سهلًا أو حالة نفسية بسيطة، فقد اكتشف الأطباء مؤخرًا وحسب أحدث الإحصائيات في بريطانيا أن ٩٥% من الحالات المرضية في الطوارئ الليلية أسبابها نفسية، وثبت أيضًا أن أمراض القلب المفاجئة يكون التوتر سببها الوحيد أو أحد أهم أسبابها، إذ تتأثر عضلة القلب مع توالي أزمات التوتر فتضعف العضلة، ويبدأ الفرد يعاني من ضربات قلب سريعة أو غير منتظمة، ويدخل القلب في الوهن والضعف ويستسلم للمرض. 

وترى الدكتورة هيفاء أن المتوتر لا بد أن يطرق بابًا آخر غير باب الطبيب، ولا ينتظر حتى تتفاقم آلامه النفسية منعكسة على جسده.

وتقول: عندما يتألم الإنسان من واقع يسبب له التوتر سواء تمثل ذلك في ضيق من شخص ما، أو مكان ما، أو وضع ما، أو حتى موقف ما، فإنه ليس امامه سوى أحد هذه القرارات وهي: المقاومة، أو التكيف، أو الانسحاب مما يسبب له الضيق والتوتر.

الاعتراف والتسامي

وعن خطوات تخفيف التوتر تقول الدكتورة هيفاء: لا بد أولًا من الاعتراف بوجود التوتر وتمثل مخاطره النفسية والعضوية مع خلق مجموعة من الحوافز لتنفيذ خطة عمل للتخفيف من التوتر، منها قول الرسول r: «إن لبدنك عليك حقًا»، فالإنسان لا يهلك نفسه بالتوتر، بل يراعي أمانة الله في النفس والبدن.

كذلك الخشوع في الصلاة، فقلة الخشوع أو انعدامه دليل التوتر وخلق الرغبة في التركيز والخشوع أثناء الصلاة يقلل من التوتر، ويجعل الصلاة نقية.

 ولا بد أيضًا من استثمار الوقت فيما ينفع كالأذكار والأدعية وقراءة القرآن بما يمثل راحة واستجمامًا من اللهاث والركض الدائم وراء متطلبات الحياة، وينفع كذلك في هذا الإطار الابتعاد عن الشبهات كالغيبة والنميمة، وذلك عندما يدخل الإنسان في إطار اجتماعي يسبب له الضيق والتوتر ولا يحقق له الهدوء أو الاتزان النفسي.

 ثانيًا، وبعد الاعتراف بأنك متوتر يأتي تشخيص أسباب التوتر وتحديدها، وما عليك إلا إحضار ورقة تُسجل عليها أسباب توترك سواء كان رئيسك أو زميلك أو حتى الخادمة، أو الأبناء أو حتى الأقارب.. إلخ، وقد يكون سبب توترك مكان ما، أو موقف، وعليك تسجيل كل ما يكدر حياتك وهذه أهم نقطة في التشخيص.

 أما المرحلة الثالثة - والكلام للدكتورة هيفاء - فهي وضع الحلول لما يثير توترك وضيقك، فعلى سبيل المثال هناك طرق كثيرة لتخفيف حدة التوتر في إطار وضع الحلول، فلو كان انخفاض المستوى العلمي لابنك مع بذلك الجهد لمساعدته للارتفاع بمستواه هو سبب توترك فالحل هو التسامي على الموقف، اعترفي بقدراته الحقيقية، ولا تطلبي منه المستحيل، وواصلي اهتمامك به، ولكن باعتدال وبما لا يسبب لك وله التوتر والضيق.

 وأحيانًا يتطلب الأمر من الإنسان - لكي يخفف من حدة توتره - أن يكون إيجابيًا، وأن يسعى لتغيير وضع يسبب له الضيق وينكر عليه أن يستكين بحجة التحمل أو التكيف لأن ذلك لن يحل مشكلته ولن يخفف توتره بل على العكس يحرق نفسه ويهلكها، ثم يندم فالصبر على التكدير ليس سياسة دائمة أو ناجحة. 

وعن طرق ووسائل تخفيف حدة التوتر. تقول لا بد مما نسميه المعالجة الذاتية، وتشمل التقرب إلى الله بشتى أنواع العبادة، وبدون هذه القاعدة الإيمانية لا تكون هناك معالجة ذاتية.

هناك أيضًا التنفيس عن المشاعر وعدم كبتها. وكما يقول المحللون في علم النفس كن ضاحكًا أو باكيًا فالابتسامة تخفف التوتر، وكذلك البكاء فدموع التوتر تحوي مادة سامة لا تكتميها، ولكن نفسي.. ابتسمي أو ابكي ولا تسحقي مشاعرك أبداً، وأهم قاعدة في الاستشفاء أن تتكلمي من قلبك ولا تزيفي مشاعرك.. من تحبينه اظهري له الحب، ومن لا تقبلينه أظهري له ذلك بلطف وكياسة وبطريقة غير مباشرة حتى لا يصبح النفاق طبعًا وجزءًا من خلقك ومسببًا دائمًا للتوتر.

وتنصح الدكتورة هيفاء بـ «مخاطبة الذات». تقول: قولي في نفسك «لي الحق في أن أعبر عن رأيي» واعلمي أن إرضاء الناس لا ينال... قولي في نفسك أيضًا: «إن أخطائي ليست نهاية العالم وعليه فلا تحاسبي نفسك بشكل مدمر عند التقصير.

كذلك استخدمي العلاج به التغييب أو الحجب» مع شخص ما يسبب لك التوتر، وكذلك المواقف والأماكن التي تزعجك حتى يبرمج عقلك على نسيانه ويستجيب، والناس في ذلك يختلفون حسب درجة الحساسية ومع هذا التغيب حرري نفسك من أي قيود أو التزامات، ومثال ذلك لو أنك ابتليت بقريبة لا ترتاحين لرؤيتها ولا تعجبك طباعها ولا بد من زيارتها، فلا تترددي في الاعتذار تليفونيًا لظروف قاهرة مثلًا.

وما كذبت فالحقيقة أن ظروفك النفسية قاهرة وغير مواتية أرسلي باقة ورد أو هدية واعتذري بلطف، وبذلك لا تكونين قد نافقت ولا كذبت ولا توترت.

الاستمتاع بالحياة

وتدعو الدكتورة هيفاء إلى تجديد الحياة لتخفيف التوتر.. تقول: لا شك في أن الحياة الجافة المكدرة باعث قوي على التوتر، فنحن نعيش وكأننا في رحلة برية أو خيمة في صحراء، نطرد المتعة من حياتنا ونملؤها بما يثير الأسى والضيق والاكتئاب فالمفروشات الزاهية الجميلة، والديكورات الأنيقة والتحف الثمينة، والأواني الغالية لغرفة الاستقبال والألوان القائمة الكتيبة، والمفروشات غير المنمقة. والأثاث القديم لغرفة المعيشة بذريعة أن الأطفال يزرعون الفوضى وقلة النظام والنظافة في المكان.. فأين إلقاء الضوء على النفس وتغيير الأنماط الرتيبة؟ ولماذا دائمًا تلقي الضوء على الآخرين ونهمل أنفسنا وبيوتنا؟!

وتواصل دكتورة هيفاء حديثها فتقول: إنني لا ابالغ حينما أقول إنك عندما تأكلين في طبق مشروخ رديء قليل القيمة فإن نفسك تتأثر وتنشرخ هي الأخرى بعكس الطبق الجميل الزاهي الجديد، فكل يبعث في النفس مشاعر مغايرة للآخر.

هي دقائق في حياتنا لا نوليها اهتمامًا، ولكنها مؤثرة شئنا أم أبينا فالحياة ليست رحلة مؤقتة بل هي حياتك إلى أن تموتي، وينبغي أن تستمتعي بها وتعيشيها كما ينبغي. 

وتشير دكتورة هيفاء هنا إلى أهمية إيجاد الشريك والمستمع الجيد وحامل الهموم لتخفيف التوتر والمسؤوليات، وأولى خطوات النجاح في ذلك التوفيق في اختيار هذا الشريك، ومحاولة التخفف من الالتزامات الأسرية والخارجية بإشراك أفراد الأسرة بطريقة ذكية وغير مباشرة عن طريق تزكية الآخرين وبراعتهم في إنجاز المهام، وبث الثقة فيهم.

الرياضة.. والغذاء

وتعد التمارين الرياضية المنتظمة أحد أهم طرق تخفيف حدة التوتر- ومنها - كما ترشد الدكتورة هيفاء السنعوسي - تمرين والعشرين تنفسًا.

 ويعتبر هذا التمرين اختيارًا للتنفس، ويؤخذ فيه نفس عميق بطيء يتبعه ٤ أنفاس قصيرة سريعة مع تكرار التمرين ٤ مرات، أما التمرين كاملًا فيكرر ٣ مرات يوميًا. 

  • الخشوع في الصلاة. التسامي على المواقف.. والتنفيس عن المشاعر تخفف التوتر

وتقول الدكتورة هيفاء يمكنك ممارسة هذا التمرين كلما أحسست بتوتر أو ضيق، وإحساسك بالدوخة بعده دليل على التوتر لكن بالاستمرار والمتابعة سيصير تنفسك طبيعيًا وعاديًا. 

ومن التمارين الأخرى تمرين «الشد والاسترخاء وتمرين تحريك الدورة الدموية وتمرين «تدليك الاقدام وفي الأول يشد الجسم لأعلى بالوقوف على أطراف الأصابع مع رفع اليدين الأعلى مع شهيق كأنك تطاولين سقف الغرفة، ويكرر من ٤ - ٥ مرات يوميًا، وفي حالة التوتر يبطؤ سير الدورة الدموية، لذا يمارس التمرين الثاني لتحريكها عن طريق الربت بخفة على الساقين والساعدين وأجزاء الجسم الأخرى.

وأخيرًا بعد تمرين تدليك القدمين من أهم التمارين التي تساعد على التخفيف من التوتر، فالقدم تحمل الجسم بأثقاله وهمومه وخريطته وفيها راحته، ويعتمد هذا التمرين على وضع قدميك في ماء دافئ لمدة ربع ساعة جففي قدميك.. ابدئي عملية عصر لقدميك ثم الضغط بالإبهام في كلتا يديك على باطن القدم، ويمكن الاستغناء عن نقع الأقدام في الماء. وبعدها سيزول الصداع وما شابهه من آلام توترية بإذن الله.

 وتنصح الدكتورة هيفاء هنا بالتزام نظام غذائي يعتمد على الماء والتمر والعسل، فهذه الأغذية تخفف التوتر وتغذي الجسم مع الابتعاد عن الأكلات ثقيلة الدسم، وتناول الخضراوات والفواكه بكثرة والتقليل من شرب الشاي والقهوة والمنبهات وكذلك تناول شراب النعناع فهو مهدئ جيد للأعصاب. 

وأخيرًا - والكلام للدكتورة هيفاء- لا تعتمدي على الذاكرة وحدها، بل دوني مواعيدك ومسؤولياتك وخططك في مفكرة أو مذكرة خاصة بك، فذلك مما يعينك على التنظيم، ويخفف توترك. 

خلف كل داعية ناجح.. خديجة

خديجة التي يعنيها هذا المقال هي أم المؤمنين، وكل رمز لامرأة مؤمنة تقف بجوار زوجها صاحب الدعوة لتؤمن له جانبًا من جوانب الحياة، وتوفر له الجو الملائم الذي يلتقط فيه أنفاسه، ويجدد نشاطه، ويخرج إلى الناس حاملًا إليهم النور، والهداية بعزيمة قوية، وهمة عالية ونفس أبية.

 يقول الداعية الإسلامي أحمد عبد الخالق - من علماء الأزهر: إن الدعوة تتعرض لمحن وابتلاءات وإن أهل الدعوة يتعرضون في بعض البلدان لحملات التضييق والإيذاء، وكل واحد منهم في حاجة ماسة إلى خديجة لتعيد إليهم البسمة من جديد وتقوي من عزيمته وترفع من معنوياته وتغرس في نفسه الأمل وتحنو عليه.. لأنه إذا عدمت خديجة فسوف تكون المحنة على الداعية شديدة، إذ إنه لا يجد من يفتح له قلبه، ولا يجد من يعيد إليه نشاطه.

 إن البيت الذي لا يوجد فيه تعاون بين المرأة وزوجها على طاعة الله وعلى تبليغ دعوة الله ولا يوجد فيه تفاهم بين الزوجين على أهمية الدعوة في حياتهما لتكون لها الأولوية في حياتهما وتفكيرهما.. هذا الجو الذي يخلو من كل ذلك. جو غير صحي وهو كفيل بأن يجلب أمراضًا اجتماعية لا حصر لها - عافانا الله منها.. 

ويشير الداعية الإسلامي إلى أن كثيرًا من النساء يفرحن إذا قدمن هدية ثمينة لبعض صديقاتهن في أي مناسبة مجاملة لهن ولكنهن يحزن حزنًا شديدًا إذا انفق أزواجهن اليسير من المال في سبيل الله، وإذا طلب بذل وعطاء لله عز وجل جاءت الحجج والأعذار والمستقبل وما - ينبغي أن نقوم به تجاه الأبناء من توفير مستقبل سعيد، ويضيف: إننا نريد في كل بيت من بيوتنا خديجة ونرفض أن تكون فيه امرأة نوح وامرأة لوط.

أما بنت الشاطئ، فتذكر لنا كيف وقفت أم المؤمنين بجانب رسول الله r قبل بعثته وبعدها وكيف كانت تهون عليه كثيرًا من الهموم والمواقف التي كان يتعرض لها، وذلك لتتأسى بها كل امرأة تريد لدعوة الله أن تنتشر ولدين الله أن يسود. 

تقول: وما شارف على الأربعين حتى كان قد ألف الخلوة في غار حراء واستطاب ریاضته الروحية التي يحس من خلالها كأنما يدنو من الحقيقة الكبرى ويستجلي السر الأعظم وما كانت خديجة في وقار سنها وجلال أمومتها لتضيق بهذه الخلوات التي تبعده عنها أحيانًا أو تعكر صفو تأملاته بالمعهود من فضول النساء، بل حاولت ما وسعها الجهد أن تحوطه بالرعاية والهدوء ما أقام في البيت فإذا انطلق إلى غار حراء ظلت عيناها عليه من بعيد وربما أرسلت من يحرسه ويرعاه دون أن يقتحم عليه خلوته أو يفسد عليه وحدته.. ثم تواصل الحديث عن خديجة ودورها فتقول: فما نزل عليه الوحي في ليلة القدر وهو في غار حراء حتى انطلق يلتمس بيته في غبش الفجر خائفًا شاحبًا مرتعد الأوصال.. وما إن بلغ حجرة زوجه حتى أحس أنه وصل إلى مأمنه.... فحدثها في صوت مرتجف عن كل ما كان ونفض لديها مخاوفه: أتراه يهذي حالمًا؟! أم به جنة؟!... ابدًا لا.

لقد هتفت في ثقة ويقين الله يرعانا يا أبا القاسم أبشر يابن العم اثبت.. فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة والله لا يخزيك الله أبداً.. إنك لتصل الرحم. وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف وتعين على نوائب الدهر.

فأشرقت أساريره وزايله روعه فما هو بالكاهن ولا به جنة.. وهذا صوت خديجة العذب الحنون ينساب مع ضوء الفجر إلى فؤاده فيثبت فيه الثقة والأمن والهدوء وأحس الراحة والطمأنينة وهي تقوده في رفق إلى فراشه فتضعه فيه كما تفعل أم بولدها الغالي ثم تهدهده بصوتها الحلو تنثر على مضجعه اسنى الأحلام. ومازالت بنت الشاطئ تلقي الظلال على خديجة وتبرز شيئًا من مواقفها المشرقة، مع أعز مخلوق في حياتها إلا وهو زوجها رسول الله r.

 فطوبى لكل امرأة تقف مع زوجها تسانده وتشد من أزره وطوبى لكل مسلمة تسهم في بناء مجتمع مسلم تقوم أسسه على المنهج القويم. وطوبى لكل مجاهدة في سبيل دينها تبذل من قوتها ومالها وعرقها، وتسهر مع زوجها.. تفكر له في أمر دعوته، وتعينه على القيام بواجبات الدعوة، وتحتسب كل ذلك عند الله تعالى ليكون لها في موازين الحسنات يوم القيامة.. ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (فصلت:30) 

 أحلام علي 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 42

137

الثلاثاء 05-يناير-1971

الجامعة والأساتذة الزائرون[1]

نشر في العدد 5

134

الثلاثاء 14-أبريل-1970

هل نستجيب؟