العنوان دوافع عناية المسلمين بالقرآن الكريم (١من٣)
الكاتب أ.د. السيد محمد نوح
تاريخ النشر الثلاثاء 13-مايو-1997
مشاهدات 71
نشر في العدد 1249
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 13-مايو-1997
•تعددت أساليب البلاغة والفصاحة في القرآن الكريم فتعلقت به العقول الراشدة والأذواق الرفيعة.
•تعامل القرآن مع مختلف الدوافع الإنسانية ووازن بينها بدقة.
إن جريان القرآن الكريم منذ نزوله حتى يومنا هذا على الألسن من العرب والعجم والرجال والنساء والصغار والكبار والمرضى والأصحاء وعلى كل الأحوال، في السفر والحضر في السلم والحرب عند النوم وفي اليقظة في الصلاة وفي غير الصلاة قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم وكذلك العمل به في النفس وفي كل شؤون الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والتربوية والجهادية والصحية ونحوها، في أجيال من البشر لا يعلم عددهم إلا الله رب العالمين، ثم ما حفلت به المكتبة من علوم القرآن وعلوم الحديث والفقه والأصول والسيرة والتاريخ والعربية، نحوًا وتصريفًا وبلاغة وبيانًا وآدابًا وعلوم السياسة والتخطيط والإدارة والمتابعة وعلوم المناهج وطرق التدريس والتربية والاجتماع والدعوة والإعلام، وما ترتب على هذه العلوم من ابتكارات تقنية أثرت الحياة وأصلحتها، في الطب والهندسة والفلك وطبقات الأرض الجيولوجيا، والكيمياء والنبات والحيوان والحشرات والبحار والفضاء ونحوها. وكذلك الشبهات التي أثيرت حول هذا القرآن في محاولة للتشويش عليه وتعطيله، ونهوض العلماء لتفنيد هذه الشبهات وإبطالها بالحجة والبرهان، وأيضًا استخدام الحديد والنار في محاولات وأساليب لا يعلمها إلا الله من أجل تعطيل هذا القرآن في بلاد المسلمين وصرف الناس عن حفظه وتلاوته والاستمساك به وما يقابل ذلك من ثبات المسلمين على هذا القرآن غير عابئين ولا معولين على شيء إلا على مرضاة الله عز وجل، هذا الذي قدمنا وغيره يكشف لنا عن الجهود الضخمة المباركة التي بذلت في حفظ القرآن والمحافظة عليه دون تغيير ولا تحريف، ويفرض في الوقت نفسه أن نبحث عن العوامل والأسباب التي دفعت إلى هذه الجهود والاستمرار عليها حتى يومنا هذا مع تدعيم هذه العوامل وتلك الجهود بالحجة والبرهان لتكون محل اقتناع من الأجيال الحاضرة واللاحقة ولتظل ماثلة أمام أعينهم يحاكونها وينسجون على منوالها، ولا سيما في هذا الوقت الذي أحاطت بنا فيه الخطوب واشتدت فيه المحن وضيق الخناق حول أعناقنا ولم يعد أمامنا منفذ أو متنفس سوى اللجوء إلى الله والتحصن بكتابه وسنة نبيه ورسوله ﷺ، ومن هذا المنطلق نتحدث عن دوافع عناية المسلمين بالقرآن الكريم.
الدافع الأول: الاستجابة لدعوة الله والرسول
فقد دعا الله عز وجل كما دعا الرسولﷺ إلى صيانة وحفظ القرآن الكريم بأساليب ووسائل شتى مرة ببيان أثر القرآن في النفس وفي واقع الحياة إذ يقول سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (الأنفال: ۲) ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ (العنكبوت: ٤٥). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: ٥٧)، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (الإسراء: ۸۲) ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ (فصلت: ٤٤) ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ( الزمر: ۲۳).
﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ (التوبة: ١٢٤، ١٢٥) ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الحشر: ۲۱) ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ﴾ (الرعد: ۳۱) وإذ يقول النبي ﷺ «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده».[2]ومرة ببيان فوائد وثمرات ذلك... إذ يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ (فاطر: ۲۹) وإذ يقول النبي ﷺ «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن..... الحديث»[3] «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه».[4] «يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران، تحاجان عن صاحبهما»[5] «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»[6] «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق لهأجران»[7] «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين»[8] «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول «آلم» حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف وميم حرف»[9]«إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب»[10] «يقال لصاحب القرآن يوم القيامة اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها».[11]
أجل: لقد دعا الله ورسوله إلى صيانة وحفظ القرآن الكريم بكل هذه الأساليب وتلك الوسائل، واستجاب المسلمون لهذه الدعوة ولاسيما وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال: ٢٤) ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ۚ مَا لَكُم مِّن مَّلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ﴾ (الشورى: ٤٧) فكانت هذه الجهود الطيبة المباركة التي أثمرت في النهاية صيانة وحفظ القرآن من الضياع وأن يعبث به العابثون أو يتطاول عليه المتطاولون.
الدافع الثاني: بلاغة القرآن وفصاحته
ولقد كان من بين الدوافع التي شجعت المسلمين على بذل كل هذه الجهود التي تقدمت الإشارة إلى طرف منها: بلاغة القرآن وفصاحته وبيانه، ذلك أن البلاغة تتمثل في بلوغ المتكلم بكلامه ما يريد من نفس السامع بإصابة موقع الإقناع من العقل والوجدان من النفس، أوهي إعطاء كل مقام ما يناسبه من المقال، ولم يعرف في تاريخ البشر كلام قارب القرآن، فضلًا عن أن يساويه في قوة تأثيره في العقول والقلوب، فتراه مرة يسوق المعاني الكثيرة في كلمات يسيرة. يقول الأصمعي- رحمه الله- سمعت بنتًا من الأعراب تنشد:
أستغفر الله لذنبي كله قتلت إنسانًا بغير حله
مثل غزال ناعم في دله وانتصف الليل ولم أصله
فقلت لها: قاتلك الله ما أفصحك فقالت: ويحك! أبعد هذا فصاحة مع قول الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (القصص: ٧) فجمع في آية واحدة بين أمرين، ونهيين، وبشارتين[12] ومرة يكرر ألفاظًا من حرف، ومن حرفين، ومن جملة لعشرات المرات تصويرًا للمراد، ولا تكون هناك غرابة ولا تنافر ولا ضعف تأليف ولا تكرار في المعاني.. فمثلًا تكررت الميم سبع عشرة مرة في آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (هود: ٤٨) ولا غرابة ولا تنافر وتكررت أم خمس عشرة مرة في هذه الآيات.. ﴿فَذَكِّرۡ فَمَآ أَنتَ بِنِعۡمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِن وَلَا مَجۡنُونٍ أَمۡ يَقُولُونَ شَاعِر نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيۡبَ ٱلۡمَنُونِ قُلۡ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُتَرَبِّصِينَ أَمۡ تَأۡمُرُهُمۡ أَحۡلَٰمُهُم بِهَٰذَآۚ أَمۡ هُمۡ قَوۡم طَاغُونَ أَمۡ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُۥۚ بَل لَّا يُؤۡمِنُونَ فَلۡيَأۡتُواْ بِحَدِيث مِّثۡلِهِۦٓ إِن كَانُواْ صَٰدِقِينَ أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ أَمۡ خَلَقُواْ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمۡ هُمُ ٱلۡمُصَۜيۡطِرُونَ أَمۡ لَهُمۡ سُلَّم يَسۡتَمِعُونَ فِيهِۖ فَلۡيَأۡتِ مُسۡتَمِعُهُم بِسُلۡطَٰن مُّبِينٍ أَمۡ لَهُ ٱلۡبَنَٰتُ وَلَكُمُ ٱلۡبَنُونَ أَمۡ تَسَۡٔلُهُمۡ أَجۡرا فَهُم مِّن مَّغۡرَم مُّثۡقَلُونَ أَمۡ عِندَهُمُ ٱلۡغَيۡبُ فَهُمۡ يَكۡتُبُونَ أَمۡ يُرِيدُونَ كَيۡداۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلۡمَكِيدُونَ أَمۡ لَهُمۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ (الطور: ٣٠: ٤٣) ولم تكن غرابة ولا تنافر ولا تكرار للمعاني، وتكررت آية: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ (المرسلات: ٤٥) عشر مرات في سورة المرسلات وكذلك تكررت آية: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: ٧٣) إحدى وثلاثين مرة في سورة الرحمن، ولم تكن غرابة ولا تنافر ولا تكرار للمعاني، ومرة يضفي على الجمادات صورة الحياة والأحياء كما في قوله سبحانه: ﴿فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ (الكهف: ۷۷) ومرة يستجيش أريحية الناس ويحركها بهذا الأسلوب الجميل حتى تنهض لإعلاء كلمة الله ونصرة الضعفاء والمظلومين، فيقول سبحانه ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ (النساء: ٧٥) ومرة يسوق الكلام بطريق التمثيل ترهيبًا أو ترغيبًا، فيقول سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (البقرة: ٢٦٤: ٢٦٦).
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ﴾ (البقرة: ٢٧٥)، ومرة بطريق الحذف كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ (يوسف: ۸۲) ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ (الأعراف: ۱۱۷)، ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ (البقرة: ٦٠) ومرة بطريق تقديم ما حقه التأخير كقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: ٥) ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (هود: ۱۲۳)، ومرة بطريق القصة وما أكثر القصص في القرآن، إبرازًا لمواطن العظة والعبرة وحملًا على التفكر والثبات، إذ يقول سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (يوسف: ۱۱۱) ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٦)، ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (هود: ۱۲۰)، ومرة بطريق التلميح لا التصريح، مثل الخبر الذي يؤول إلى معنى الأمر أو النهي ومنه قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: ۱۱۰)، إذ المراد: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر وآمنوا بالله تكونوا خير أمة أخرجت للناس، ومنه قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ تَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (المائدة: ۷۸: ۸۱) إذ المراد: لا تعصوا ولا تعتدوا ولا تتركوا التناهي عن المنكر ولا تتولوا الذين كفروا، وإلا نزل بكم من العقاب مثل ما نزل بهؤلاء. وهذا التلميح أبلغ من التصريح في الحث على الفعل أو الترك، ولا شك أن الفطرة السليمة والعقول الراشدة والأذواق الرفيعة تستهويها هذه الأساليب البلاغية والبيانية فتتعلق بها في كل الأحوال، وفي سائر الأوقات وفي جميع العصور، يقول الشيخ الدكتور محمد عبد الله دراز شارحًا سبب قوة تأثير أسلوب القرآن: «أسلوب القرآن لا يعكس نعومة أهل المدن ولا خشونة أهل البادية، وزن المقاطع في القرآن أكثر مما في النثر وأقل مما في الشعر، وإن نثره ينفرد ببعض الخصائص والميزات فالكلمات فيه مختارة غير مبتذلة ولا مستهجنة ولكنها رفيعة رائعة معبرة، الجمل فيها ترتيب بشكل رائع حتى إن أقل عدد من الكلمات يعبر عن أوسع المعاني وأغزرها، إن تعابيره موجزة، ولكنها مدهشة في وضوحها، حتى إن أقل الناس حظًا من التعلم يستطيع فهم القرآن دونما صعوبة».[13]
الدافع الثالث: تجاوب القرآن مع الفطرة السليمة والعقل الراشد
ولقد كان من بين الدوافع التي دفعت بالمسلمين أن يضحوا بكل غالٍ ونفيس من أجل حفظ وصيانة القرآن على النحو المذكور آنفًا تجاوب القرآن مع الفطرة السليمة والعقل الراشد إذ الفطرة السليمة والعقل الراشد يدعوان المرء إلى إشباع كل غرائزه الطينية: من التملك والأكل والشرب والجنس، ونحوها، ولكن بضوابط تعطي الآخرين حقهم في إشباع هذه الغرائز، والقرآن لم يخالف إشباع هذه الغرائز بضوابطها المعروفة، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: ۳۱) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (المائدة: ۸۷، ۸۸) وفي المرء حب للعزلة والتفرد، وميل إلى حب الجماعة ومعايشتها والأنس بها، والقرآن لم يمنع الانخراط في الجماعة والانتفاع بها، ولكنه أكد على المسؤولية الشخصية أو الفردية، قال تعالى : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: ۲) ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: ۱۰۳) ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر: ۳۸) ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ (فاطر ۱۸) وفي المرء خوف ورجاء والقرآن لم يعارض ذلك، ولم يدع إلى إشباع واحد على حساب الآخر، بل دعا إلى إعمالهما جميعًا كل في مجاله وفي وقته، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الرعد: ٦) ﴿غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (غافر: ۳). ﴿مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ (فصلت: ٤٣) وهكذا يتجاوب القرآن مع الفطرة السليمة والعقل الراشد، كما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ (الشعراء: ۷۸)، ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ (الزخرف: ۲۷) يقول سيد قطب- رحمه الله- تعليقًا على آية الشعراء: «الذي أنشأني من حيث يعلم ولا أعلم، فهو أعلم بماهيتي، وتكويني، ووظائفي ومشاعري وحالي ومآلي، فهو يهديني إليه، وإلى طريقي الذي أسلكه وإلى نهجي الذي أسير عليه وكأنما يحس إبراهيم عليه السلام أنه عجينة طيعة في يد الصانع المبدع يصوغها كيف يشاء على أي صورة أراد، إنه الاستسلام المطلق في طمأنينة وراحة، وثقة ويقين»[14]، ويقول تعليقًا على آية الزخرف: «ويبدو من حديث إبراهيم- عليه السلام- وتبرئه مما يعبدون إلا الذي فطره أنهم لم يكونوا يكفرون ويجحدون وجود الله أصلًا، إنما كانوا يشركون به ويعبدون معه سواه فتبرأ من كل ما يعبدون واستثنى الله ووصفه بصفته التي تستحق العبادة ابتداءً وهو أنه فطره وأنشأه فهو الحقيق بالعبادة بحكم أنه الموجد، وقرر يقينه بهداية ربه له بحكم أنه هو الذي فطره، فقد فطره ليهديه وهو أعلم كيف يهديه».[15] ويقود هذا التجاوب أصحاب الفطر السليمة، والعقول الراشدة إلى محبة هذا القرآن والعمل على حفظه وصيانته من عبث العابثين وكيد الكائدين.
_________________________
[1] أستاذ الحديث المساعد بكلية الشريعة جامعة الكويت.
[2] الحديث أخرجه مسلم في الصحيح كتاب الذكر باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر٤/ ٢٠٧٤ رقم ٢٦٩٩ من حديث أبي هريرة ورقم ٢٧٠٠ من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري مرفوعاً.
[3] الحديث أخرجه البخاري في الصحيح كتاب فضائل القرآن باب من لم يتغن بالقرآن ٦/٢٣٥-٢٣٦من حديث عقيل وسفيان كلاهما عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة مرفوعًا ومسلم في الصحيح كتاب المسافرين باب استحسان تحسين الصوت بالقرآن ١/٥٤٥-٥٤٦ رقم ٧٩٢ من حديث أبي هريرة مرفوعًا.
[4] الحديث أخرجه مسلم في الصحيح كتاب صلاة المسافرين باب فضل قراءة القرآن١/ ٥٥٣ رقم ٨٠٤ من حديث أبي أمامة الباهلي مرفوعًا، وتمامه، اقرؤوا الزهراوين: البقرة، وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة، كأنهما غمامتان أو كأنهما غيابتان أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة، من حديث معاوية بن سلام، عن زيد، أنه سمع أبا سلام يقول حدثني أبو أمامة الباهليمرفوعًا، وعقب معاوية بقوله مبلغني أن البطلة السحرة.
[5] الحديث أخرجه مسلم في الصحيح كتاب صلاة المسافرين باب فضل القرآن سورة البقرة١/ ٠٠٤ رقم ٨٠٥ من حديث النواس بن سمعان الكلابي مرفوعًا.
[6] الحديث أخرجه البخاري في الصحيح كتاب فضائل القرآن باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه٦/ ٢٣٦ من حديث أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان- رضي الله عنه- مرفوعًا.
[7] الحديث أخرجه البخاري في الصحيح كتاب التوحيد باب قول النبي ﷺ الماهر بالقرآن مع الكرام البررة «تعليقًا ٩/١٩٢) ومسلم في الصحيح كتاب صلاة المسافرين باب فضل الماهر بالقرآن والذي يتعتع فيه١ ٥٤٩-٥٥٠٠ رقم ٧٩٨ كلاهما من حديث عائشة مرفوعًا واللفظ لمسلم.
[8] الحديث أخرجه مسلم في الصحيح كتاب صلاة المسافرين باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه١/ ٥٥٩ رقم ۸۱۷ من حديث عمر ، رضي الله عنه مرفوعًا.
[9] الحديث أخرجه الترمذي في السنن كتاب ثواب القرآن باب ما جاء فيمن قرأ حرفًا من القرآن ماله من الأجر٥/١٦١ رقم ۲۹۱۰ من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعاً.
[10] الحديث أخرجه الترمذي في السنن كتاب فضائل القرآن باب منه ٥/ ١٦٢ رقم ٢٩١٣من حديث ابن عباس مرفوعًا وعقب عليه بقول: هذا حديث حسن صحيح.
[11] الحديث أخرجه أبو داود في السنن كتاب الصلاة: باب استحباب الترتيل في القراءة ٢/ ١٥٣ رقم ١٤٦٤، والترمذي في السنن كتاب فضائل القرآن باب منه ٥/ ١٦٣ رقم ٢٩١٤ كلاهما من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا وعقب الترمذي على حديثه بقول: هذا حديث حسن صحيح.
[12] انظر: تفسير القرآن الحكيم للشيخ محمد رشید رضا١/ ۲۸.
[13] انظر: الفصحى لغة القرآن لأنور الجندي ص ٤٠.
[14] انظر: في ظلال القرآن ٦/ ٢١٩.
[15] انظر : في ظلال القرآن ٧/ ٣٢٦.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل