; دور القيم في بناء المجتمعات والجماعات | مجلة المجتمع

العنوان دور القيم في بناء المجتمعات والجماعات

الكاتب سالم الفلاحات

تاريخ النشر السبت 02-مارس-2013

مشاهدات 61

نشر في العدد 2042

نشر في الصفحة 40

السبت 02-مارس-2013

تبنى المجتمعات وتدوم على حجم القيم العالية التي تتمتع بها.. والقيم هي العمود الفقري الذي يرتكز عليه كل نظام وحزب وفئة وهيئة وشخص والعلاقة وطيدة بين تراجع القيم والثورات بأنواعها.

وتصل القناعة حتى لـ مكيافيلي في صحوة ضمير ليقول: من يريد أن يمسك بالحكم بفاعلية فعليه الالتفات لطبيعة شعبه، وأن يفعل الخير؛ لأن الشر لا يحفظ السلطة، ولابد من كسب حب الناس له، وإلا انقلبوا عليه، مع أنه يرى في مواقع أخرى أن الحكم لا يقوم على الأخلاق إنما على سلطة الاستبداد، واستخدام القوة أكثر من الرحمة !!

ولا شك أن الكارثة القيمية أخطر بكثير من الكوارث الطبيعية وضياع المباني والمقدرات .. ودعك من الذين يريدون تحسين صورة اختلال القيم وزوالها بعنوان:  أن السياسة لا ثوابت لها ولا دين... فتلك حالات مؤقتة وشاذة، ولن يكتب لها الدوام طويلا إن خلت من القيم العليا وسرعان ما تنهار.

أخلاق سامية

 ويعبر عن القيم بالأخلاق السامية، التي أعلى من شأنها علماء الاجتماع، وتغنى بها الشعراء والحكماء والبلغاء، وقبلهم جميعاً كتاب الله عز وجل القائل لرسوله عليه الصلاة والسلام: وَإِنَّكَ لَعَلى خلق عظيم (القلم)، فأعظم مدح لخاتم المرسلين كان بوصفه بالخلق العظيم وقال رسول الله صلي الله عليه ولم :إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، وفي الحديث ملمح عظيم ظاهر للعيان، فمن كريم خلقه عليه السلام اعترافه بكرم أخلاق السابقين، وأنه كان لبنة لإتمامها فقط، ولم يكن هو المنشئ لها أو المتفرد بها ، ثم إنه جعل الرسالة كلها الأخلاق الكريمة، وقال عليه الصلاة والسلام: «عنوان صحيفة المؤمن حسن خلقه.

ليس هناك فاصل بين المبادئ المجردة وواقع الحال عنده، وليس هناك انفصام بين النظرية والتطبيق أو بين الشعارات والواقع كما هي الحال عند الكثيرين اليوم.

 حالة مميزة

ولا شك أنها حالة مميزة لا يصلها معظم الناس ولا يدانونها ، ولا شك أن المسألة نسبية اليوم شريطة تحقق الحد الأدنى منها . ولا غرابة في استنتاج أمير الشعراء شوقي عندما قال:

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت

                             فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

فإن أقفرت أمة من الأخلاق العالية والقيم الرفيعة ذهبت إلى زوال واندثرت، وهذه سنة مطردة تنطبق على الناس جميعا دون استثناء من هنا حذر «كيندي» و «خروشوف» شعوبهم من الانجرار وراء الملذات، وألا يغادروا مطالب القيم الأخلاقية.

وقديماً كان العرب في جاهليتهم يتمتعون ببعض القيم التي لا يتنازلون عنها، قال شاعرهم:

أغض الطرف إن بدت لي جارتي

                                  حتى يواري جارتي مثواها

وقالوا في ليلة محاولة قتل النبي عليه الصلاة والسلام الشهيرة، وهم يحجمون عن دخول البيت كيف نتسور على بنات عمنا؟!

أي ندخل عليهن البيت. وقال ذاك الأعرابي الذي كافأ من أركبه جواده في الصحراء بالهرب به بعيدا، ثم رجع إليه بعد يأس صاحبه الذي كاد يندم على المعروف أتدري لم رجعت إليك؟ قال: لا. قال : رجعت إليك حتى لا ينقطع المعروف بين الناس !!

وذاك الطائي الذي لم يجد إلا جواده لينحره لضيفه، والأخير لا يعلم. وذاك الصحابي الذي أطفأ السراج ليأكل الضيف الطعام القليل وحده، وهو يتظاهر بأنه يأكل معه، وقد ركز القرآن على هذا المعنى بوصفه الرسالة بأنها تزكية للنفوس فقال تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأميِّينَ رَسُولا منهم يتلو عليهم آياته ويُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (الجمعة)، فالتزكية في النص مقدمة على التعليم هنا لبيان أهميتها وإن كانت لا تتم إلا بتعليم وبيان.

تعظيم القيم

والقرآن الكريم حافل بهذه المعاني وتعظيم شأن القيم، ففي موضوع الزكاة يقول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهَرُهُمْ وتزكيهم بها وصل علَيْهِمْ إِن صلاتك سكن لَهُمْ والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) ﴾ (التوبة)، وقد كان الاصطباغ بالقيم العالية هو علامة الفوز كما قرر القرآن الكريم في قاعدة كلية : ﴿ وقد أفلح من تزك (14) ﴾ (الأعلى).

وجعل القيم العالية تستل الضغائن من النفوس، فقال تعالى: ﴿ادفع بالتي هي أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) ﴾  (فصلت).

قال: وصدق الشاعر أبو الفتح البستي الذي

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم

 فطالما استعبد الإنسان إحسان

أقبل على النفس تستكمل فضائلها

فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

 مكارم الأخلاق

 والإحسان من أعظم مكارم الأخلاق فالانتقال من حالة العداء الشديد إلى الصداقة والحميمية لا تتم بالقهر ولا بالمال إنما بحسن المعاملة، وهي ثمرة القيم العالية وهذا معمول به وصحيح.

وقد قرر الرسول عليه الصلاة والسلام في إجابته عن سؤال عائشة رضي الله عنها : أنهلك وفينا الصالحون ؟! قال: «نعم إذا كثر الخبث»، وما الخبث إلا فقدان القيم وانتشار الفوضى والفساد.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: «توشك القرى أن تخرب وهي عامرة. قيل : وكيف تخرب وهي عامرة؟ قال: إذا علا فجارها أبرارها وساد القبيلة منافقوها ... وعن أبي هريرةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلي الله عليه وسلم  : «إذا كانَ أَمْرَاؤُكُمْ خَيَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ، وَكَانَتْ أَمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ فَظَهْرُ الأَرْضِ خَيْرٌ من بطنها، وَإِذَا كَانَتْ أَمَرَاؤُكُمْ شَرَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بَخَلاءَكُمْ، وَأَمُورُكُمْ إِلَى نسَائِكُمْ فَبَطْنُ الأَرْضِ خَيْرٌ لكم من ظهرها ...

 العلاقة بين الناس

بنى الإسلام العلاقة بين الناس على الأخوة الإنسانية والأخوة الوطنية والأخوة الإيمانية، فخاطب البشرية كلها بـ «يا أيها الناس»، وحرم الظلم على جميع الناس وجعل الانتصار للمظلومين قيمة عليا دون النظر إلى خلفياتهم العقدية والسياسية في الحديث القدسي: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ...

ورتب العلاقة بينهم على أساس التاخي النار في هرة ودخل رجل الجنة في كلب والرأفة بالطير : ردوا عليها ولدها من فجع هذه بولدها ، كما قال الرسول صلي الله عليه وسلم عن قبرة. ولما اشتكى رسول الله صلي الله عليه وسلم  لخديجة زوجه يخاف على نفسه قالت: كلا والله لا يخزيك الله أبدأ إنك لتصل الرحم، وتغيث الملهوف الاجتماعي الشامل، ونداء واعتصموا بحبل الله جميعا، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان.. وكذلك دخلت امرأة وتعين على نوائب الدهر، فهذه الأخلاق الرفيعة التي يتمتع بها - حسب فهم خديجة ستحفظه وتحفظ الفطري قبل الإسلام عقله وكيانه.

وفي الحديث التالي من آثار القيم وأهميتها في الحفاظ على سلامة المجتمعات يقول الرسول  صلي الله عليه وسلم  :يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، وهم المتمتعون بمكارم الأخلاق، ينفون عنه تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين.

دلالة عظيمة

وانظر لهذا الحديث العظيم الدلالة أيضًا لو تأملته، يقول الرسول صلي الله عليه وسلم  : إنها ستكون سنوات خداعات، يخون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، ويكذب فيها الصادق ويصدق فيها الكاذب، وينطق فيها الرويبضة»، قالوا : ومن الرويبضة يا رسول الله؟ قال:الرجل التافه يتكلم في أمور العامة. القيم الخيرة مبثوثة في الأفكار والأديان والمذاهب المتعددة، وليست حكرًا على جهة وإنك لتقرأ كيف أن الضباط الكبار والقادة العظام كانوا يؤدون التحية لمن قتلوهم من أعدائهم اعترافا بشرفهم وتضحيتهم، وهم أعداء وفي معركة قتال.

القيم الضرورية المطلوبة غائبة ومتوارية ومما يؤسف له تعرض من يتحلى ببعضها للسخرية والنقد والاتهام بالسطحية والغفلة والسذاجة لا يتسع المقام ولا المقال للحديث عن القيم الغائبة والمتوارية لكثرتها أولا، ولنباهة القراء ثانيا ولئلا يتوهم البعض أنه هو المقصود بذاته فقط، وفي الإشارة ما يغني أولي الأفهام عن العبارة.. لكن أولى الناس بالمحافظة على القيم الراقية وإعلاء شأنها هم الذين يشكون من ضعفها. ويستشعرون أهميتها وخطورة فقدانها من المجتمعات، ولعلهم الأكثر حملاً والأعظم مسؤولية، وإلا تساووا مع من ينتقدونهم ويأخذون عليهم سلوكهم، ولكن من القيم المفقودة أن يرى الإنسان عيوب الآخرين، ولا يلتفت إلى عيبه إلا بالتسويغ والتحسين. طال المقال، ولم أقل ما أردت قوله إلا أن مما استفزني، وهو كثير اتهام الإسلاميين في مصر بتدبير التحرش الجنسي في میدان التحرير لأن الذين استحيوا ماتوا ! ، وصدق الرسول القائل:إنه مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت.

الرابط المختصر :