; دور المساجد والمراكز الإسلامية في مجتمع الأقلية المسلمة | مجلة المجتمع

العنوان دور المساجد والمراكز الإسلامية في مجتمع الأقلية المسلمة

الكاتب محمود مصطفي حلاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 02-سبتمبر-1986

مشاهدات 68

نشر في العدد 781

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 02-سبتمبر-1986

الغزو التبشيري يمهد للغزو العسكري أو يأتي مرافقًا له حتى يلطف آثاره بتقديم الخدمات الاجتماعية والإنسانية.

إفريقيا اليوم تعد مركزًا عالميًّا مدعمًا للتبشير المسيحي والصهيوني.

أخي القارئ: نشرنا في العدد السابق حلقة عن دور المساجد والمراكز الإسلامية في مجتمع الأقلية المسلمة، وبينّا فيها دور المسجد في الماضي والحاضر، ثم الدور المستقبلي للمسجد، واليوم نتابع معك في حلقة جديدة عن أهمية المسجد والمجمع الإسلامي.

ثالثًا: أهمية المسجد والمجمع الإسلامي:

إن الهدف الأساسي من وجود المسجد والمجمع الإسلامي- إضافة إلى ما يقدمان من خدمات للمجتمع- هو ربط الجماعة بالمؤسسة الإسلامية التي تقدم لهم خدمات متنوعة، في كافة مجالات الحياة، وكذلك ربط المؤسسة بالمجتمع وباحتياجاته.

لقد دخل الإسلام في الماضي إلى بعض البلاد الآسيوية والإفريقية بلا أي استراتيجية، عن طريقين:

الأول: عن طريق بعض التجار العرب، بدافع من العقيدة والغيرة الإسلامية.

الثاني: عن طريق بعض الطرق الصوفية بدافع من الرغبة في ترويج التصوف.

وكانت النتيجة وجود إسلام مهيض، يهتم بالشكل أكثر من اهتمامه بالجوهر، والحق إن الذي ساعد على بقاء الإسلام وانتشاره بخطى متأنية، هو عنصر المقارنة بين الإسلام بمبادئه السمحة، وبين الوثنية أو الأديان الأخرى في تزمتها وجهالتها.

ولو أن الأمة المسلمة كانت تعيش في صحوة وإرادة حرة، لأمكن لها أن تضع استراتيجية تتولى رعاية الإسلام في تلك البلاد.

ونحن مضطرون- آسفين- إلى أن نشير في إيجاز إلى استراتيجية الصهيونية العالمية، ونكتفي بذكر مؤتمرها الأول في مدينة «بال» بسويسرا سنة 1897م، وبعد أيام من اختتام المؤتمر صرح رئيسه «هرتزل» بقوله:

«لو أردت أن ألخص أعمال مؤتمر بال في كلمة واحدة، لقلت: في مدينة بال أوجدت الدولة اليهودية، ولو جاهرت بذلك اليوم لقابلني العالم بالسخرية، في غضون خمس سنوات- ربما- وفي غضون خمسين عامًا- بالتأكيد- سيراها الجميع.. إن الدولة قد تجسدت في إرادة الشعب لإقامتها» ([1]).

ولك أن تتصور ما يقوله هرتزل بعد ذلك في مذكراته: «المساحة من نيل مصر إلى الفرات.. لابد من فترة انتقالية، لتثبيت مؤسساتنا يكون الحاكم فيها يهوديًّا.. وما إن تصل نسبة السكان من يهود إلى الثلثين، حتى تفرض الإرادة اليهودية نفسها سياسيًّا» ([2]).

والأمر في غنى عن التعقيب..

1- تبشيري للديانات الأخرى.

2- علماني.

3- إلحادي.

نحن نعلم الكثير عن الإرساليات الأجنبية التبشيرية التي أتت إلى بلاد المسلمين تعيث فيها فسادًا وبأهلها ضلالًا وتضليلًا، جاءت إلى بلاد الشرق (سوريا ولبنان) مع بداية القرن السابع عشر للميلاد، على شكل جمعيات خيرية تهتم بتقديم المساعدة والعون للفقراء والمحتاجين، هذه المؤسسات التبشيرية التي تبدو في مظاهر مختلفة، بعضها واضح المعالم، وبعضها بعيد عن التهمة كل البعد، كالمدارس والمستشفيات والمياتم والأندية والجمعيات ومؤسسات البر والإحسان، وقد أراد القائمون على التبشير أن يكون للإحسان والتعليم مقام كبير في الخطط التي توضع لأعمال التبشير، ولكن على أن تكون وسائل فقط لا غاية في نفسها.

وقد تعددت هذه المؤسسات التبشيرية التي جاءت إلى بلادنا بتعدد المذاهب الدينية أو الفرق عندهم، فهناك الإرساليات الأميركية والإرساليات الإنجليزية، ثم الفرنسية والإيطالية، وعند غيرها هناك الإرساليات الإيطالية والإسبانية والهولندية والبلجيكية والبرتغالية وغيرها من دول الاستعمار التي حاولت أن تغزو بلادنا عسكريًّا، فمهدت له بغزو سياسي ثقافي ديني اجتماعي، أو جاء الغزو التبشيري مرافقًا للغزو العسكري، حتى يلطف آثاره ويجعله مقبولًا بعض الشيء، بتقديم الخدمات الاجتماعية والإنسانية لأبناء الشعب، وما نعرفه عن هذه الإرساليات- أي المؤسسات التبشيرية في بلادنا- أنها عمدت إلى إنشاء مراكز الخدمات ضمن الأديرة والكنائس، أو بجانبها، وقام على تقديم هذه الخدمات المبشرون بأنفسهم من رهبان وراهبات.

ومن أهم مراكز الخدمات هذه المستوصفات والمستشفيات «فإن التطبيب في المستوصفات والمستشفيات أثمن الفرص على الإطلاق، ولعل الشيطان يريد أن يفتنك فيقول لك: إن واجبك التطبيب فقط لا التبشير، فلا تسمع منه» ([3]).

في تنشيط الدعوة في إفريقيا بوجه أخص، لأن إفريقيا اليوم لم تعد مركزًا عالميًّا مدعمًا للتبشير المسيحي- فحسب- بل لقد بدأ التسلل الصهيوني يأخذ مكانًا له في إفريقيا. أضف إلى ذلك أن القاديانية والبهائية والصوفية المدمرة لعقيدة التوحيد، تلعب دورًا سافرًا.

رابعًا: التقلبات السياسية:

هذه التقلبات السياسية: الدولية أو المحلية، قد لا تعوق مسار الدعوة الإسلامية-فحسب- بل قد لا تسمح لها بالوجود، لا شكلًا ولا موضوعًا، وما يقال عن التقلبات السياسية يمكن أن يقال عن الأيديولوجيات المناهضة للإسلام، أو على الأقل تلك التي يقلقها أن يكون للإسلام دعوة متحركة.

وعلى سبيل المثال:

لا يمكن الزعم بأن للدعوة الإسلامية وجودًا يذكر في البلاد التي تعيش خلف الستار الحديدي، وقد يسمح في بعض هذه البلاد بظهور الإسلام كشكل وليس الإسلام الحقيقي الذي أراده الله أن يكون، وفي المناسبات، بل مما يثير الضحك أن هناك مساجد تظل مغلقة على الدوام، ولا تفتح إلا عند زيارة رئيس دولة مسلم، ولساعات محدودة، وذلك من مقتضيات السياسة الإعلامية.

ولكي نكون واقعيين يجب أن نعترف بأن الدعوة الإسلامية وحدها لا تستطيع التغلب على هذا المعوق، ما لم يكن لها سند سياسي من الدول الإسلامية، لقد ظلت إيطاليا- لوجود الفاتيكان بها- مستعصية زمنًا طويلًا، ولم تسمح للدعوة الإسلامية أن تتنفس فيها إلا أخيرًا، وأعتقد أن ضغوط بعض الدول المسلمة كانت وراء هذا الكسب للدعوة الإسلامية.

لقد انطلقت الأبواق بمبادئ ومذاهب وأفكار وهي جميعًا تخدم هدفًا واحدًا وهو محاربة الإسلام، وتغريب المسلمين عن دينهم وعقيدتهم وثقافتهم وتراثهم، ونستطيع القول إن أعداء الإسلام يريدون أن ينتزعوه من قلوب المؤمنين به، ومن نفوسهم، حتى يستطيعوا ملأها بالعقائد الفاسدة، التي تستمد أسسها من الصهيونية العالمية التي حاربت الإسلام منذ نشأته، ومازالت تحاربه في مختلف بلاده، وبشتى أشكال الحروب المادية والمعنوية، شاهرة سيفها ومكشرة أنيابها حينًا، ومتخفية وراء مظاهر خداعة أحيانًا أخرى.

إن هذه الجمعيات والمؤسسات المحاربة للإسلام انتشرت، كما قلنا، في المجتمع الإسلامي، تحت عناوين شتى، لتنفذ إليه من مداخل عدة، بشكل تقديم خدمات إنسانية واجتماعية، من خلال مؤسسات متنوعة منها المدارس والجامعات، والمستوصفات والمستشفيات والمياتم ودور رعاية المعاقين، والأندية الرياضية والجمعيات الخيرية التي تهتم بالفقراء والمعوزين.

إن هذه الهجمة الشرسة على مجتمعنا لم تجد مكانًا لها في هذا المجتمع، ولو جددت فيه المؤسسات الإسلامية البديلة، والتي تقدم الخدمات اللازمة لأبناء هذا المجتمع الذي لم يجد أمامه سوى المؤسسات التبشيرية والعلمانية والإلحادية، فكان مضطرًّا للجوء إليها نظرًا لحاجته الماسة إلى الاستفادة من خدماتها، وهذه المؤسسات والجمعيات تعرف جيدًا أين تركز وجودها، وتثبت أقدامها، فالأرض العطشى تقبل الماء ولو كان ملوثًا، والإنسان الجائع يقبل كسرة الخبز ولو جاءت من يد عدو، أو كانت أقل نظافة مما يجب، وقد قال الإمام علي كرم الله وجهه: «كاد الفقر أن يكون كفرًا».

وهنا نصل إلى النتائج الحتمية التي أوصلتنا إليها هذه الجمعيات غير الإسلامية، أو بالأصح هذه المؤسسات الساعية دومًا وأبدًا إلى هدم الإسلام وإبعاد المسلمين عن دينهم، فما هي هذه النتائج التي وصلنا إليها؟

يتبع في العدد القادم

___________

([1]) د. حسين مؤنس: المساجد ص34.

([2]) التبشير والاستعمار ص36.

([3]) نفس المصدر السابق.

الرابط المختصر :