; دور «ميدان التحرير» في ضمان الديمقراطية في مصر | مجلة المجتمع

العنوان دور «ميدان التحرير» في ضمان الديمقراطية في مصر

الكاتب د. عبد الله الأشعل

تاريخ النشر الجمعة 23-ديسمبر-2011

مشاهدات 51

نشر في العدد 1981

نشر في الصفحة 38

الجمعة 23-ديسمبر-2011

عندما بدأ الشعب المصري يتجه إلى «ميدان التحرير» لكي يعلن سقوط نظام «مبارك»، استمات النظام في تحرير هذا الميدان من الشعب، وأن يوقف تدفق الشعب إلى الميدان الذي صار خلال أيام قليلة مسرحا للمواجهة بين شعب يصر بطريقة سلمية على الخلاص من نظام فاسد ومستبد، وبين نظام مسلح بكل أنواع الأسلحة، وبقلب حاقد على الشعب لمجرد أنه واتته الجرأة على تحدي النظام.

ولم تفلح كل محاولات النظام في إخراج الشعب من الميدان، حتى سقط وتهاوى، وأجبر «مبارك» على التنحي والتخلي عن السلطة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة. 

هكذا منح الميدان الشرعية للمجلس العسكري، وسحب الشرعية من نظام «مبارك» ومن حكومة «أحمد شفيق»، كما أعطى الشرعية بالخديعة والالتفاف عليه لحكومة «عصام شرف»، وأصبح واضحا بعد عدد من الحوادث المرتبطة بميدان التحرير أن المجلس العسكري تظاهر بأنه يضع الميدان في اعتباره، ولكنه كان عازما على تصفيته حتى لا يسقطه الميدان بعد انكشاف سياساته. 

وقد قلنا في مرحلة مبكرة بعد الثورة بقليل: إن مصر بحاجة إلى ثورة جديدة، لأن الانحراف بأهداف الثورة كان يتضح يوما بعد يوم.

وقد بدأت المؤامرات على ميدان التحرير وتواصلت ولم تنقطع، وكان الهدف في النهاية محو هذا الميدان من ذاكرة الأمة، وقلب صورته المقدسة، وتشويه هذه الصورة حتى تتبرأ منه الأمة.

وكان الفصل الأخير في محاربة ميدان التحرير هو الحملة الإعلامية الشرسة التي فصلت جزءا من الرأي العام المصري عن الميدان، عندما تم تفتيت المجتمع وقواه، وإغواء بعض هذه القوى لكسر وحدة الشعب في مطالبه العادلة، ثم تشتيت هذه المطالب، وإطلاق التصريحات الكاذبة حول ما أنجزه المجلس العسكري، وخلق ميادين أخرى معادية، بحجة أن التحرير ضد الجيش المصري، رغم أن تصرفات المجلس العسكري هي التي تنال من هذا الجيش وسمعته عند المصريين. 

فهل من مصلحة مصر محاربة ميدان التحرير، أم الإبقاء عليه رمزا لحرية الرأي وأداة للتعبير عن نبض الشارع المصري، أم إنهاء الميدان ومحوه من الذاكرة الوطنية؟

لكي نجيب على هذا السؤال يجب أن نفرق بين دور ميدان التحرير في ثورة 25 يناير، وإسقاط حكومة «أحمد شفيق» وتعيين وإسقاط حكومة «شرف»، وفي الاحتجاج على حكومة «الجنزوري»، والاحتجاج على خنوع السلطة في مصر إزاء عدوان «إسرائيل» وقتلها لستة من العسكريين المصريين، وكذلك الإجرام المتعمد ضد الشباب في ميدان التحرير.. وهذه الأمور لا يمكن التشكيك فيها بالمقارنة بالظروف التي تم فيها إنشاء ميدان العباسية والقضية التي يخدمها هذا الميدان.

وسوف يندم المصريون كثيرا على عدم وضوح الرؤية أمامهم وعدم التوحد حول مطالب محددة مدروسة لإرغام السلطة في مصر على الاستجابة لها.

هناك احتمال أن يتشكل البرلمان من أغلبية  وأقلية، فماذا لو غدرت السلطة بالبرلمان خارج دائرة الدستور؟ سيكون ميدان التحرير هو الملاذ.. وماذا لو سار البرلمان بشكل لا يركز فيه على أولويات الوطن في هذه الحالة؟ سيكون ميدان التحرير هو الحاكم على البرلمان.. وماذا لو تحالف البرلمان والحكومة على أولويات الوطن وهو أمر متصور أو غير مستبعد على الأقل؟ الميدان هذه المرة أيضا هو الضمان.

لكل هذه الاعتبارات نطالب عموم الشعب المصري أن يعيد للميدان اعتباره وهيبته؛ لأن من وسائل كسر الهيبة هو الدعوة من جانب فريق لمليونية لأسباب تافهة؛ فأصبحت المليونية سيفا في يد كل جماعة لا ترضى هي نفسها عن أمر معين، حتى فقدت المليونية مغزاها ورسالتها. 

ولا أدرى كيف يمكن تنظيم هذا الميدان، ولكنني أريد أن يكون الميدان مكانا نظيفا جميلا له قدسية خاصة، وأن يكون مثل حديقة «هايد بارك» في لندن، فيتعلم المصريون فيه فنون حوار والجدل الراقي، وأن يكون مؤشرا لاتجاهات الرأي، وأن تكون عين الحكومة عليه لكي تتجاوب معه وليس مراقبته مراقبة أمنية، وأن تكون جدية الموضوعات التي تطرح فيه وضرورتها للوطن هي المعول عليها وليس أعداد من يمكن حشدهم في الميدان. 

وبذلك يمكن أن يكون الميدان مرآة للمجتمع المصري، ومقياسا دقيقا للرأي العام، بحيث يصبح أداة للاحتجاج، كما يصلح أن يكون أداة للتعبير عن التأييد والدعم والاستحسان. 

وهكذا يصبح الميدان رقيبا على مجلس الشعب، وعلى الحكومة، وضمانا لسلامة البنيان والسلوك في مصر الجديدة. 

إن مصر الجميلة لن تكون ملكا لأحد، وإنما هي ملك لكل أبنائها، تتفتح فيها وفي حدائقها جميع الزهور،  وتخرج منها ملايين الأفكار والاجتهادات والإبداعات،  وهي قبلة لحضارة الشرق العربي والإسلامي، فقد مضى زمن دكتاتورية عبيد أمريكا و«إسرائيل»، أو زمن فرض الوصاية على هذا الشعب الذي أبلغ غاصبيه وجلاديه بثورته أنه شعب ناضج،  ولكن الجلاد لم يكن يريد أن يعترف، لأنه وحده الذي عاش عالمه الخاص، يرضي أسياده، فانفصل عن المجتمع وعجز عن أن ينتسب إليه.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل