; ديدات.. الذي عرفت | مجلة المجتمع

العنوان ديدات.. الذي عرفت

الكاتب أ.د. حامد بن محمود آل إبراهيم

تاريخ النشر السبت 27-أغسطس-2005

مشاهدات 55

نشر في العدد 1666

نشر في الصفحة 36

السبت 27-أغسطس-2005

إن في تاريخ الأمة الإسلامية منارات للهدى، علماء ودعاة، جعلهم الحق نجومًا في سماء الحياة يلتجأ إليهم عندما تدلهمُّ الأمور، ويكون الحليم فيها حيران والشيخ أحمد ديدات، رضوان الله عليه ورحمته، وجزاه عنا كل خير -نحسبه كذلك، ولا نزكي على الله أحدًا- كان من هؤلاء النفر، غرة في جبين الأمة.
وقد اشتهر بمناظراته مع عتاة التنصير، وكشف ألاعيبهم، وما يقولون إنه من عند الله، وما هو من عند الله، وأكلهم أموال الناس بالباطل، وكان قمة ذلك مناظرته الشهيرة مع القس سواجرت في مدينة «بوتن روج» الأمريكية عام ١٤٠٦هـ/ ١٩٨٦م. وقبل أن أحكي قصتي معه، أحب أن أنوه أن الرجل كان عالمًا، عايش القرآن العظيم، وفهم عنه، وشخص داء الأمة، وأعلن طريق خلاصها في كلمات من نور، فقال لمستمعيه من المسلمين، في غير المناظرات: «بلغوا عن رسول الله ﷺ ولو آية، ولو كلمة من حديث، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21)
ونحن السبب، نحن لا نتكلم، إن عبدة البقر، والقرود والثعابين، والبشر، بل حتى الشيطان، نعم حتى الشيطان، موجودون، وأعدادهم تفوق من يعرفون الله تحت أي دين ولا يجدون من يدعوهم إلى دين التوحيد، ونحن السبب، فلم ننفذ أمر رسول الله ﷺ «بلغوا عني ولو آية».
لقد سمعت عن الشيخ أحمد ديدات من أحد الأصدقاء، وأعطاني شريطًا يحمل أحد مناظراته، فكان منقذًا لي في مواجهة الموجة التنصيرية التي تجتاح العالم الإسلامي، خاصة بعد المؤتمر التبشيري الذي عقد في مدينة «جلين أيري» بولاية كولورادو في الولايات المتحدة الأمريكية في ٧ جمادى الآخرة ١٣٩٨هـ/ ١٥ مايو ١٩٧٨م.
The Gospel and Islam; A 1978 Com-
pendium"Don M. McCur-
ry.Editor, MARC, 919West Hunting-
tonDrive, Monrovia, California 91016,
USA; A Ministry of World Vision In-
Ternational

الإنجيل والإسلام..
لقد كنا أثناء الدراسة الجامعية في أوروبا، نعاني من النصارى العرب الذين دأبوا على التحرش بنا في محاولة لدعوتنا إلى النصرانية، بالرغم من سمتنا الذي ينم عن التمسك بالإسلام. وكنا لجهلنا الشديد ببضاعة القوم المزجاة «الهشة والضعيفة» في موقف الدفاع والذود عن حياض الإسلام. وقد تبين لنا بتجاربنا البسيطة، أننا إذا طرحنا أمر الرب ونظرية الثواب والعقاب، هزموا شر هزيمة، فالعقل لا يقبل ثلاثة في واحد، وواحدًا في ثلاثة: وينتهي النقاش بأن هذا الأمر -أمر الإله المعبود- من الأمور الصعبة التي لا يعرفها إلا كبار البطارقة والقساوسة!! أما الثواب والعقاب، فحدث ولا حرج، فمهما ارتكبت من ذنوب، سرقة، كذب، زنی، قتل ثم آمنت بأن الله قد صلب ابنه من أجل خلاصنا، فأنت من أهل الجنة ولا ريب. والحجة الوحيدة لديهم أن حبك للمسيح سوف يمنعك من ارتكاب الآثام، لأنه يزيد من الآم المسيح المخلص وكان ردنا حتى لو لم يأبه أحدنا بزيادة الآلام، ولم يهتم بذلك، هل يدخل الجنة ؟؟ وكان الجواب العجيب يدخل الجنة طالما آمن بأن الله قد صلب ابنه من أجل خلاصنا. «هل عرفتم لماذا يُقتل المسلمون بدون حساب ولا خوف من يوم العقاب».
جاءت أشرطة الشيخ ديدات، والتي اشتريناها كلها وعكفنا عليها، بلسمًا لنا: وارتدع المنصرون من الاقتراب منا، وإن أنسى لا أنسى ذلك الزميل في الدراسة الشاب العربي، الذي دعانا إلى المناقشة مع قسيس حضر من بلده، وحددنا الموعد الذي يناسب القسيس الزائر، وبعد تحديد الموعد والمكان، أعطيناه طريقة اللقاء، بعد أن تعلمنا من شيخنا ديدات، موضوع واحد للمناقشة والمناظرة، موضوع واحد فقط، كان الموضوع عن «طبيعة الرب في التصور الإسلامي مقارنة بالتصور النصراني» على أن يبدأ أحدنا، ويختار بالقرعة، ولمدة نصف ساعة، ثم يليه الطرف الآخر، ولمدة نصف ساعة ثم عشرون دقيقة، لكل منا، ثم عشرون دقيقة لأسئلة الحاضرين.
وقد أكدت له أن القسيس لن يوافق!! وتعجب الزميل النصراني، وأكد: أن هذا عالم كبير، وبحر في اللاهوت، وقد كان ما توقعت فاعتذر الرجل بعد ما عرف أن الحديث المحدد في هذا الموضوع لن يكون في صالحه، فقد كانت مناظراتهم في السابق سيلًا من التهم والافتراءات التي يحتاج كل موضوع منها إلى شرح يطول، ولا تحتمله لحظات لقاء واحد، أو كما قال شيخنا ديدات للقس الفلسطيني أنيس شوروش، في لقائه معه في برمنجهام في ٢٤ ذو الحجة ١٤٠٨هـ/ ٧ أغسطس ۱۹۸۸م: «لقد كنت تسير بسرعة ٦٠ ميلًا في الساعة، وتلقي التهم والشبهات، ولم ترد على السؤال المطروح ولو بكلمة واحدة».
تتلمذنا على مناظرات الشيخ ديدات، فقد كانت أشرطته تشغل جل وقت فراغنا، وكنا معها كالحالِّ المرتحل، إذا وصلنا إلى آخرها بدأنا مرة ثانية بأولها، وكذلك على الكتاب العظيم، والمرجع الأساسي للشيخ ديدات، والعلماء حتى يومنا هذا، أعني كتاب «إظهار الحق» للعلامة الشيخ رحمت الله بن خليل الرحمن الكيرانوي العثماني الهندي، مؤسس المدرسة الصولتية بمكة المكرمة، فهو من علماء الهند ومن علماء مكة المكرمة كذلك.
تتلمذنا ليس فقط في مجال الدعوة إلى الله، ومجال مجابهة المنصرين، وكشف احتيالهم وغشهم للناس، بل تعلمنا كذلك اللغة الإنجليزية، وتعلمنا طريقة المناقشة المنطقية التي تبدأ بالمقدمة ثم الدليل ثم النتيجة. ومن أهم ما تعلمناه كذلك عدم التشتت، مهما تطاول المنصر على الإسلام، فكما قال الشيخ: «هدف المناظرة لا تحد عنه، لكي تصل إلى النتيجة المرجوة الكلاب تنبح ولكن القافلة تسير».
ولشدة إعجابنا بالشيخ العلامة ديدات، حاولنا الاتصال به هاتفيًا، ولقد ظننا أننا لن نحظى إلا بحديث مع سكرتيره، ليبلغ الشيخ بعد ذلك بأسئلتنا. وكم كان عجبنا إذ وجدنا الشيخ يحادثنا بنفسه، ويصغى لأسئلتنا ويجيب عنها بصدر رحب وتواضع جم.
ولما زارنا في الرياض، تعاظم إكبارنا للرجل، حيث كانت الابتسامة لا تفارقه، والأنس والتواضع شيمته. أعطانا هذا الحال الراقي، الجرأة على مهاتفته بعد ذلك في مكتبه في مدينة ديربن في جنوب إفريقيا، وقد أحببت وأنا الفقير الحال أن أخبر الشيخ عن إضافة أحببت أن يقولها لمن يشككون في مصداقية النص القرآني وعدم وجود قرآنات مختلفة، إن صح التعبير، وإن ذلك بسبب جمع سيدنا عثمان بن عفان «جمع الوثائق القرآنية وحرقها، ما عدا النسخة التي قام بنسخها»، ومن ثم لم يتبق لدى المسلمين إلا نسخة واحدة. قام الشيخ ديدات بالرد المفحم على هذا الزعم الباطل، ولكني أردت أن أضيف إلى ذلك أن القرآن، في أصغر قرية، وأقل هجرة في الصحراء، لا يملك الإمام أن يخطئ في حرف واحد، أو أن يرفع مكسورًا، أو يجر منصوبًا، ولا أن يرقق مفخمًا، وما ذلك إلا لأن الكتاب في الصدور كما قال تعالى: ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ (العنكبوت: 49)
إلى درجة تحرج سيدنا أبي بكر الصديق من فكرة جمع القرآن عندما استحر القتل في القراء أي حفظة القرآن في حروب الردة في اليمامة، وأن القرآن يقرأ على المسلمين يوميًا في ثلاثة فروض الصبح والمغرب العشاء، ويقرأ كاملًا في رمضان مرات ومرات.
فالذي فعله سيدنا عثمان بن عفان من جمع للوثائق القرآنية وحرقها، لم يكن إلا لمنع اختلاف المسلمين الجدد في مشارق الأرض ومغاربها، وتمسكهم بوثائق لا يعرف صالحها من طالحها، قد يظنها الظان من كتاب الله.
وقد أنعم الله على هذه الأمة، بحفظ الكتاب في صدور المؤمنين، وأسلوب الإجازة الذي يعطى من العالم الذي يعلم القرآن إلى الحافظ حتى يتصل السند إلى رسول الله ﷺ فتلك السلسلة الذهبية التي لا يتمكن أحد من اختراقها، أو تحريفها، أو تزويرها.
إن الذين يتوهمون أن أسلوب الشيخ ديدات الهجومي في فضح التحريف والتبديل في الكتب المقدسة قد أثار الغرب علينا، لا يعرفون ما يقال ليل نهار ضد القرآن وضد رسول الإسلام، بل ضد الإسلام نفسه، إن استهداف الإسلام أمر ثابت في أدبيات القوم من قبل أن يولد ديدات بقرون ولكن حان دور المصارحة بعد أن زال الاتحاد السوفييتي.

موريس بوكاي..
يقول موريس بوكاي في كتابه القيم «القرآن والتوراة والإنجيل والعلم» طبعة دار المعارف ۱۹۸۲م ص ۱۳٥: «فالأحكام غير الصحيحة، المؤسسة على مفاهيم مغلوطة، والتي صدرت ضد الإسلام، هي من الكثرة بحيث يصعب جدًا على المرء أن يكوّن فكرة سليمة عما عليه الإسلام في الواقع» ثم يردف فيقول: «بل إننا لنصاب بالذهول، عندما نقرأ في أكثر المؤلفات جدية، أكاذيب صارخة برغم أن مؤلفي هذه المؤلفات هم بالمبدأ مؤلفون أكفاء».
فمن الظلم بمكان اتهام الشيخ ديدات، عليه رحمات الله بأنه هو الذي أثار الغرب علينا بفضحه للكنيسة ورهبانها، والقرآن نفسه يذكر عوراتهم: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ، قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (آل عمران: 98، 99).
ويقول في سورة التوبة: ﴿ ۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (التوبة: 34)

الرابط المختصر :