; بلا حدود.. ديفيد أوين.. حياة حافلة بالفشل السياسي | مجلة المجتمع

العنوان بلا حدود.. ديفيد أوين.. حياة حافلة بالفشل السياسي

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 20-يونيو-1995

مشاهدات 53

نشر في العدد 1154

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 20-يونيو-1995

هل ينبغي أن يضحي المسلمون في البوسنة بالمزيد من أرواح آلاف الأطفال وأمثالهم من المشوهين والمعوقين لكي تقبل القوى الغربية أن تقوم بمخاطرة عسكرية لإنقاذهم، لقد فات أوان فرك الأيدي، فالمسؤولية الواقعة على كاهل الأمين العام للأمم المتحدة تحتم عليه تعزيز قوات حفظ السلام وتدعيمها بأنظمة السيطرة على الأجواء التابعة لحلف «الناتو»، إننا ينبغي ألا نسمح باستمرار هذا الَّذي يحدث لمسلمي أوروبا؛ لأنه إذا تم تنفيذ التطهير العرقي فإن المسلمين سيبادون تباعًا، ستسقط سراييفو، وجور اجدي في أيدي الصرب، وسيتقدم الكروات لاحتلال مناطق أخرى في البوسنة ويقال إن صربيا ستستولي في النهاية على ٦٥% من أراضي البوسنة أما كرواتيا فإنها سوف تستولي على ٣٧، وهي نكتة مريضة، لأن ذلك سيترك للمسلمين وهم الأغلبية ناقص ٢% من مساحة البوسنة.

 كانت هذه فقرات من مقال مطول كتبه اللورد ديفيد اوين. وزير خارجية بريطانيا الأسبق في صحيفة الديلي ميل البريطانية، في ٢١/٧/١٩٩٢م أي قبل أن يستدعيه جون ميجور ويبلغه في سبتمبر ۱۹۹۲م بتعيينه وسيطًا أوروبيًا لحل مشكلة البوسنة والهرسك، والتقى أوين بعد تعيينه مع رفيقة الأمريكي سایروس فانس الَّذي كان وزيرًا لخارجية الولايات المتحدة في أواخر السبعينيات أي الفترة نفسها الَّتي كان فيها أوين وزيرًا لخارجية بريطانيا، ومع فشل كليهما في أداء دورهما في وزارة خارجية بلديهما، فقد التقى ديفيد اوين وسايروس فانس مرة لا وأخرى ليواصلا إخفاقاتهما ومسلسل فشلهما السياسي، ووضعا خطتهما للمشهورة باسم: «خطة فانس أوين»، الَّتي: كانت صورة من صور الإبادة للمسلمين ومع ذلك فقد رفضها الصرب كما رفضوا عشرات الخطط الأخرى فيما بعد.

 أما المستر فانس الَّذي وصفه المراقبون بأنه: سياسي مسكين نادرًا ما سجَّل أي نجاح في وزارة الخارجية الأمريكية أثناء توليه منصبه في أواخر السبعينيات، فقد شعر بأن الفشل يحيط به من كل جانب؛ لذلك فقد أعلن في إبريل ١٩٩٣م عن استقالته؛ لأنه يريد أن يقضي مزيدًا من الوقت مع عائلته، تاركًا اللورد ديفيد أوين ليواصل إخفاقاته في البوسنة.

 وديفيد أوين طبيب بريطاني ولد عام ١٩٣٨م وحفل تاريخه السياسي بالاضطرابات والإخفاقات والقرارات الخاطئة بداية من دخوله الحياة السياسية في بريطانيا عام ١٩٦٦م وحتى فشل وانهار وتلاشي الحزب الديمقراطي الاجتماعي، الَّذي شارك في تأسيسه ثم أصبح رئيسًا له في عام ١٩٨٣م، ثم أنهار الحزب على يديه ولم يعد له وجود.

 وكانت هذه المؤهلات فرصة كافية له ليكلف بملف البوسنة من قبل الأوروبيين الَّذين حرصوا مع الأمريكيين أن يكون غالبية فريق العمل في البوسنة من الفاشلين الَّذين لم يعد لهم دور في بلادهم، ومع الحماس والتعاطف الَّذي أبداه أوين تجاه مسلمي البوسنة في المقال الَّذي نشره قبل تعيينه في "الديلي ميل" فقد بنت حقيقة الرجل واضحة خاصة لدى الكتاب الغربيين الَّذين تحاوروا معه من قرب وأدركوا إلى أي مدى أجاد أوين القيام بدور أكبر منافق سياسي أوروبي حتى يصل إلى منصبه الَّذي استغله بعد ذلك في فرض سياسة الأمر الواقع على المسلمين، وكان هذا واضحًا في مفاوضات جنيف في يوليو ١٩٩٣م؛ حيث وصفها جون سويني مراسل «الأوبزرفر» البريطانية قائلًا: «أما ديفيد أوين فإنه يجلس بابتسامته "الذئبية"، ويتوسط لتقطيع البوسنة هذا للصرب.. وهذا للكروات والفتات للمسلمين، لقد وضع أوين الرئيس بيجوفيتش المسلم الصالح تحت ضغوط هائلة للقبول بالتقسيم، ومنعه سبع مرات من التشاور مع أعضاء مجلس رئاسته، لكنه في الوقت الَّذي يهدد فيه بيجوفيتش ويضغط عليه فإنه كان يتناول كؤوس الويسكي مع زعماء الصرب ويقيم معهم علاقات ودية.

 وقد وصل الأمر في علاقات ديفيد أوين مع جزار الصرب الكبير سلوبودان ميلوسيفيتش أن زوجة ميلوسيفتش قالت عن أوين في مقابلة صحفية نشرت معها في ذلك الوقت: لقد أصبح أوين من أفراد العائلة تقريبًا، وكلما جاء إلى بلجراد ينزل ضيفًا على آل ميلوسيفيتش، ولهذا فقد وصفه نائب الرئيس البوسني أیوب جانيتش بأنه: أصبح صربيًا بالتبني، وقد دفع السلوك المنافق لأوين بالرئيس البوسني في ١٦/٧/١٩٩٣م أن يطالب بتنحيته واتهمه بالتخلي عن مبادئ المفاوضات بعدما أصبح ولاؤه للصرب محل انتقاد حتى من بعض الديبلوماسيين وكثير من الكتاب الغربيين، حتى أن جيم هو جلاند معلق الواشنطن بوست الأمريكية شن هجومًا عنيفًا على اوين ١١/٨/١٩٩٣م قال فيه: كان يجب أن يستقبل ديفيد أوين بدلًا من أن يستمر في حفر مزيد من القبور لضحايا الحرب في البوسنة، إنه لم يطلب من البوسنيين في مفاوضات السلام الَّتي يديرها أن يستسلموا فحسب، بل أيضًا أن يقبلوا بالتدمير السياسي لسراييفو، تلك المدينة الَّتي قدموا دماءهم وماتوا من أجل المحافظة عليها سليمة، ومع ذلك فقد ظل أوين من سبتمبر ۱۹۹۲م، يقوم بأقذر دور لعبه وسيط في قضية يدرك العالم كله من هو الجاني فيها ومن هو الضحية حتى أعلن في أول يونيو الجاري عن عزمه على التقاعد ليختم مهمته الفاشلة في البوسنة وحياته السياسية الفاشلة برمتها، وقد لوث فيها يديه وتاريخه وتاريخ بلاده بدماء المسلمين المستضعفين.

إن وجه ديفيد أوين سيظل مقرونًا عبر صفحات التاريخ بحرب الإبادة الَّتي يشنها المجرمون الصرب ضد مسلمي البوسنة، ولن أزيد في الختام عمَّا قاله جيم هو جلاند معلق الواشنطن بوست الأمريكية حينما وصف أوين قائلًا: لقد أصبح اللورد أوين يمثل تجسيدًا لفشل الديبلوماسية الغربية وسقوطها الأخلاقي في البوسنة وكلما جاء ذكر خيانة البوسنة في المستقبل سيكون أوين هو الشخص الَّذي يتبادر إلى أذهاننا، وإن كان هناك آخرون يستحقون الشرف نفسه.

الرابط المختصر :