العنوان ديمقراطية العسكر في تركيا
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 14-أكتوبر-1980
مشاهدات 66
نشر في العدد 501
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 14-أكتوبر-1980
العسكر لن «يغادروا» السلطة حتى يضعوا «نوعًا جديدًا» من الديمقراطية!
المجلس العسكري الحاكم يغير الدستور وقانون الأحزاب والانتخابات والمحكمة الدستورية.
في مقابلة له مع مجلة النيوزويك الأمريكية وبعد مضي أسبوع واحد على نجاح الانقلاب التركي قال السيد علي كوسكن كيرشا سفير تركيا لدى الأمم المتحدة تركيا بحاجة إلى نوع جديد من الديمقراطية فما هو هذا النوع الجديد من الديمقراطية ولماذا؟.
لقد أعلن الانقلابيون على لسان الجنرال كنعان إيفرين من أول يوم أنهم جاءوا «للحفاظ على الديمقراطية وتجنيب البلاد من حرب أهلية والقضاء على الإرهاب» ولم يعرب الانقلابيون في حينها كيف سيحافظون على الديمقراطية. ولكنهم وعدوا الشعب التركي بعودة الحياة النيابية وتسليم الحكم لهيئة مدنية «في الوقت المناسب» ويعتبر تصريح السفير التركي لدى الأمم المتحدة المذكور أعلاه أول إشارة رسمية إلى أن النظام العسكري الجديد سيغير من نظام الحكم بحيث يصبح نوعا جديدًا من الديمقراطية!
العسكر إلى متى؟!
وهذا التغيير، فيما يبدو، قد اقتضى حل البرلمان واعتقال أعضائه، وحل الأحزاب والنقابات المهنية وفرض الأحكام العرفية! وتشير وقائع الأحداث إلى أن العسكر يتصرفون في تركيا وكأنهم «باقون أبدًا» فالجنرال كنعان فارين قائد الانقلاب أعلن نفسه رئيسا للجمهورية، كما وضع دستورا مؤقتا قضى تقريبا على جميع الحريات المعترف بها سابقا من بينها مراقبة الصحف. ومراكز البريد والبرق والهاتف. ومراقبة الاجتماعات العامة السياسية وغير السياسية بما فيها اجتماعات الأحزاب وإمكان إقفال كل المؤسسات الصناعية والتجارية خصوصًا ما يتعلق منها بإنتاج المواد الأولية!
وبعد كل هذه الإجراءات ظل المجلس العسكري الحاكم يعلن أنه جاء للحفاظ على الديمقراطية! ولكن أي ديمقراطية هذه؟!
تقوية دور رئيس الدولة
في العدد رقم ٤٩٩ من «المجتمع» توقعنا أن يقوم العساكر الأتراك بتغيير النظام السياسي وقوانين الانتخاب والأحزاب بحيث يتم تقوية رئيس الدولة على حساب اختصاصات البرلمان ورئيس مجلس الوزراء، كما سيؤدي تعديل قانون الانتخاب إلى الحيلولة دون وصول الأحزاب الصغيرة وبالذات حزب الخلاص الوطني إلى مركز التأثير في اتخاذ القرار السياسي. وهذا الذي توقعناه بناء على بعض المعلومات التي وصلتنا آنذاك، وبناء على مسار الأحداث في تركيا فقد جاءت الوقائع لتؤيد ذلك التحليل.
حتى إن المجلس العسكري الحاكم نفسه أعلن أن السلطة التنفيذية سوف تكون أقوى من البرلمان وأن الرئيس المنتخب مستقبلًا سيمثل السلطة العليا في البلاد.
دستور جديد
ولكن إجراء هذه التعديلات لا يتم إلا بتعديل الدستور وهذا ما أعلنه الانقلابيون الأتراك. والاتجاه السائد الآن في مجلس الأمن القومي الحاكم في تركيا هو الأخذ بمشروع الدستور المعدل الذي وضعه أحد المقربين من الجنرال كنعان إيفرين وهو البروفيسور الدين يالتشين أستاذ العلوم السياسية في جامعة أنقرة.
والمشروع الذي وضعه البروفيسور يالتشين وإن كان يركز على أن يكون النظام برلمانيا وليس رئاسيا كالنظام الأميركي كما سبق أن توقعنا في عدد سابق إلا أنه بالنظر الدقيق في التعديلات المقترحة في المشروع يتبين أنه ربما تكون هذه التعديلات مقدمة للاتجاه نحو النظام الرئاسي مستقبلًا. فحسب تصور البروفيسور يالتشين سيتم انتخاب رئيس الدولة من قبل الشعب تمامًا كما في النظام الرئاسي.
الشعب ينتخب رئيس الدولة
في مقابلة له مع جريدة القبس حول مشروع الدستور التركي الجديد يقول البروفيسور الدين يالتشين «في الدستور الماضي، كان رئيس الدولة صوريًا، وفي دستورنا الجديد تعززت صلاحياته إذ إن انتخابه سيتم عن طريق الشعب. ونظامنا لن يكون رئاسيا كالولايات المتحدة!. وإنما برلمانيا حيث يعين رئيس الدولة رئيس اللجنة التنفيذية أو رئيس الوزراء، ويقوم رئيس الوزراء باختيار وزارته، ولا يكون مسؤولًا أمام رئيس الجمهورية وإنما أمام البرلمان! وسيحصل الرئيس في الدستور الجديد، على صلاحيات واسعة مثل حل البرلمان وإعلان حالة الطوارئ، وتقديم بعض القوانين للاستفتاءات الشعبية. ولكنه لا يتمتع بصلاحية إقالة رئيس الوزراء!.
إنها محاولة واضحة للمزاوجة بين النظام البرلماني والنظام الرئاسي ولكن هل ستنجح هذه المحاولة علمًا أنها ستتم ودبابات العسكر تجوب الشوارع؟! ربما ولكن الشيء الأكيد أن هذا الاتجاه ينسجم مع نية العساكر لإيجاد نوع جديد من الديمقراطية»:
مجلس الشيوخ
وطبقًا للمشروع المذكور فإن مجلس الشيوخ سيعاد تنظيمه بحيث لا يصبح صورة مكررة عن مجلس المندوبين وإنما حسمًا استشاريًا يعطي رأيه في القضايا التي تهم الأمة، وعضويته مقصورة على الشخصيات المهمة، وهو يتألف من كبار المسؤولين السابقين في الدولة، ومن يرى رئيس الجمهورية ضرورة الاستئناس برأيه في القضايا المهمة التي تواجهه.! مثل مجلس اللوردات البريطاني.
قانون الأحزاب
ويتابع البروفيسور شرحه قائلا «وتقترح مسودة الدستور الجديد إدخال تعديل على قانون الأحزاب وقانون الانتخابات فقانون الأحزاب الحالي غير مرض لأنه لا يضمن الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب وإنما يفسح المجال أمام ديكتاتورية الزعيم الأوحد.. وفي ظل نظام الأحزاب الحالي، عندما يصل الشخص إلى مركز القيادة، يصبح من الصعب إبعاده عن هذا المركز، لأنه يتمتع بسلطات واسعة تسمح له بكسب منافسيه ومنعهم من الظهور وتحدي مركزه. هذا الوضع سيتغير في ظل قانون الأحزاب الجديد، إذ إن الديمقراطية الداخلية ستتحقق داخل الأحزاب، وستتحقق كذلك النزاهة وضمان طهارة الممارسات السياسية».!!
قانون الانتخاب
ويضيف يالتشين «وقانون الانتخابات الجديد حرصنا فيه على ضمان توفير أغلبية دائمة في البرلمان، وذلك لأن أزماتنا السابقة، والحالية. حدثت في الغالب لأن البرلمان لم يتمكن من فرض أغلبية كاملة، ولذلك دخلت إلى الحكم حكومات عاجزة لا تتمتع بدعم برلماني كاف».
«وفي ظل القانون الجديد ستتم الانتخابات في كل الدوائر على مرحلتين: المرحلة الأولى تشارك فيها كل الأحزاب في دائرة ما، لنقل إنها دائرة أنقرة مثلا، والحزب الذي يحصل على الأغلبية «51 بالمائة من الأصوات يعتبر فائزًا، وتعتبر الانتخابات في هذه الدائرة في حكم المنتهية.. أما إذا تقاسمت الأحزاب الأصوات، ولم يحصل أي حزب على الأغلبية، فإن الانتخابات تدخل حينئذ مرحلتها الثانية التي تقتصر المنافسة فيها على الحزبين الكبيرين.. وعن طريق هذا النظام يستطيع البرلمان أن يحصل على أغلبية دائمة، وفي نفس الوقت تظل الأحزاب الصغيرة ممثلة فيه»!
ويتضح من هذا التعديل أن المقصود هو تمامًا كما سبق أن قلناه بأن الانقلاب التركي إنما جاء وفي هذا الوقت للحيلولة دون انتشار الإسلام السياسي في تركيا الذي يتزعمه حزب الإنقاذ الوطني «حزب السلامة» بقيادة البروفيسور نجم الدين أربكان، وذلك من خلال معادلة حكومة الأقلية التي كانت تحتم على كل من الحزبين التركيين الكبيرين العدالة والجمهوري، الائتلاف مع أحد الأحزاب الصغيرة.
المحكمة الدستورية
وفي ظل الدستور الجديد ستتحول المحكمة الدستورية إلى هيئة استشارية.. فهي تعلن رأيها إذا طلب منها، فيما إذا كان هذا التصرف أو ذاك ينسجم مع الدستور أم لا.. وإذا تضاربت الآراء يقوم رئيس الجمهورية بموجب صلاحياته بطرح القضية في استفتاء عام على الشعب ليقرر الشعب فيما إذا كانت هنالك مخالفة للدستور. وإذا كانت هناك من ثغرات في النظام الديمقراطي التركي فلماذا يجب سدها عن طريق الدبابات؟! فالمعروف أن كل الدول التي تطبق الصورة الغربية للديمقراطية قد واجهت بعض العقبات والعراقيل في التضييق مما اضطرها لتعديل الدستور أكثر من مرة ولكن بالطرق التي حددها الدستور نفسه، فلماذا إذن يقوم العسكر بهذه المهمة في تركيا؟!
الحقيقة المرة
يقول الانقلابيون إن عملهم كان «لا بد منه» على حد تعبير سفير تركيا لدى الأمم المتحدة علي كيرشا، وقد ناصرهم في ذلك جميع الصحف الغربية خاصة الأمريكية. فالهيرالدتر بيوت تقول إن الانقلاب التركي «استثناء يكسر القاعدة» بمعنى أن العساكر لا يصلحون الأوضاع ولا يحققون الاستقرار عادة، أما الجيش التركي فعلى العكس من ذلك!
وأما النيويورك تايمز فقالت «ولا يستطيع أي امرئ ملتزم بالديمقراطية أن يرحب أو يوافق على انقلاب ضد حكومة منتخبة، ولكن هذا الرأي في حالة مثل تركيا سيلطف بالتأكيد إذا ما ساعد العسكريين على وضع نظام سياسي انتخابي أكثر فعالية، وفي إنهاء عزلة اليونان! عن حلف الناتو، وفي جعل بعض التقدم ممكنًا باتجاه قرار حضاري! للطريق المسدود حول قبرص».
وذهبت صحيفة لوفيغارو الفرنسية أن الانقلاب يعتبر «مقدمة لبروز الدور العسكري لأ نقرة عالميًا وإقليميًا».
ويبقى التفسير السليم لذلك في عبارة الرئيس الباكستاني الجنرال ضياء الحق عندما قال بأن تدخل العسكر في أنظمة العالم الثالث «هي الحقيقة المرة» ولا بد أن العساكر يعلمون تماما لماذا هي بلادهم حقيقة مرة فيما هي في الدول المصدرة للديمقراطية «جريمة متكررة»!! وعلي أي حال فإن الجنرالات قد يستطيعون في المدى القصير وضع حد للفوضى وأعمال العنف والحيلولة دون وصول الإسلام إلى التأثير في اتخاذ القرار السياسي ولكن على المدى الطويل هل ينجحون؟! والإجابة تكمن في استفهام أحد الأساتذة الأتراك حيث قال «هل حقيقة تكفي سبع وخمسون سنة في علمنة تركيا لتغيير أصولها الإسلامية التي تعود إلى أكثر من خمسمائة عام؟! وتلك قضية أخرى تحتاج إلى مقام آخر إن شاء الله.