العنوان د. الحسين الشكراني يرسم الملامح الجديدة لمنظومة الأمن العربي.. الواقع والمستقبل
الكاتب عبدالغني بلوط
تاريخ النشر الأحد 01-نوفمبر-2015
مشاهدات 98
نشر في العدد 2089
نشر في الصفحة 22
الأحد 01-نوفمبر-2015
- منظومة الأمن العربي أصبحت تشمل كل مناحي الحياة تبعاً لمعادلة تعزيز الأبعاد المجتمعية لمجابهة الأخطار الشاملة
- تلاشت قُدرات الأمن العربي باحتلال العراق وتمزيقه بين الإثنيات والطّوائف والأحزاب
- مع اندلاع "الربيع العربي" تحوّل الوطن العربي إلى حقل تجارب بين القوى الدولية والإقليمية كما أن الاقتتال الداخلي بمساعدة القوى الإقليمية والدولية نتج عنه تدمير البلدان العربية
- الاتفاق النووي مع إيران ساهم في عزل وتهميش "الوطن العربي الموحَّد" لذلك أعادت إيران توازنها في العراق وسُورية وقامت بأكبر توسّع إقليمي لها من أجل تقوية شوكتها الإقليمية
- سيكون هناك تفاهمات معينة سيتوصل إليها الروس والأمريكيون لكن الخاسر الأكبر هو سورية.. لذلك يجب رفض التدخل الدولي والإقليمي على حدّ سواء فسورية للسّوريين
- عندما ستخف حدة الحروب في الوطن العربي ستكثر الكتابات والتقارير عن الوضع البيئي العربي وحينها لن نستطيع أن نغيِّر شيئاً في الأوضاع البيئية المنهارة
أكد الدكتور المغربي الحسين شكراني، أستاذ القانون الدولي، في حوار مع مجلة "المجتمع"، أن منظومة الأمن العربي أصبحت تشمل كل مجالات ومناحي الحياة تبعاً لمعادلة تعزيز الأبعاد المجتمعية الكاملة لمجابهة الأخطار الشاملة.
وأضاف الشكراني، الخبير في المجال الأمني والإستراتيجي، ومدير المرصد المغربي للأجيال المقبلة؛ أن تحقيق الأمن العربي الشامل لن يتأتى إلا باستغلال القدرات البشرية والمادية في الوطن العربي، إضافة إلى امتلاك القوة بمفهومها الصّلب والنّاعم.
ويعتقد الشكراني، عضو بمجموعة الأبحاث والدراسات الدولية حول إدارة الأزمات؛ أن الوطن العربي يحتاج في الوقت الراهن للسّلم الاجتماعي، وبعد ذلك للأمن، ثمّ الأمان في سياق عقد اجتماعي "جديد" بين الحاكمين والمحكومين، قوامه التنمية المستدامة الشاملة في جميع مناحي الحياة العامة.
بداية، كيف يمكن تعريف مفهوم منظومة الأمن العربي حالياً؟
- يصعب تعريف مفهوم الأمن؛ إذ يرتبط بمجالات سياسية واقتصادية، وأنه مفهوم مُركّب ومُعقّد ونسبي وحركي، ولا يخضع لمنطق السّكون أو الثّبات، مع ذلك يمكن القول: إنه في بداية السّبعينيات من القرن العشرين، هيمن مفهوم الأمن العسكري (المنظور الواقعي) على الفكر الإستراتيجي العربي، إذ كانت تُلخّص الإستراتيجية العربية في كسب الحروب من أجل خلق التوازنات الإقليمية مع العدو الصهيوني، كما أن القائمين على تلك الإستراتيجية – آنذاك - كانوا من العسكريين والضباط.
ودعا أنصار الاعتماد المتبادل "كروبيرت كوهان"، و "جوزيف ناي" إلى أن الدولة لم تعد الأساس الوحيد لتحليل العلاقات الدولية، كما أن فكرة القوة فقدت ميزتها الأساسية، فالعلاقات الدولية ليست فقط توازن القوى ورهان القوى، فقد برزت أهمية وظائف ونجاعة المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني في معالجة الإشكاليات الاقتصادية والاجتماعية، أما التيار الليبرالي فقد آمن بارتباط الأمن بالتنمية، ودون وجود التنمية لا وجود للأمن.
فيما يخص منظومة الأمن العربي، فقد أصبحت تشمل كل مجالات ومناحي الحياة تبعاً لمعادلة تعزيز الأبعاد المجتمعية الشّاملة لمجابهة الأخطار الشاملة (مجتمع المخاطرة بتعبير السوسيولوجي "إيرليش بك")؛ إذ تتراوح هذه المنظومة بين الأبعاد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وتبعاً لهذه المعادلة تعرضّت منظومة الأمن العربي لتغييرات مهمة شملت رهانات وتحديات جديدة، منها الأمن الإنساني والأمن المناخي والأمن المائي والأمن الغذائي.
ولا يمكن تحقيق الأمن العربي الشّامل إلا باستغلال القُدرات البشرية والمادية في الوطن العربي، إضافة إلى امتلاك القوة بمفهومها الصّلب والنّاعم، ولن يتأتى هذا للدول العربية القُطرية، بل يجب الاعتماد على فكرة الأمن العربي الجماعي المشترك لمواجهة التهديدات والأخطار المُحدقة بالمنطقة العربية، وتستطيع الدول العربية تحقيق ذلك إذا تجاوزت التّشرذم والتّجزئة في التّصور العملي والنظري على حدّ سواء.
في نظركم، ما التغيرات التي طرأت على قدرات الأمن العربي في الماضي أو الحاضر أو التي ستطرأ في المستقبل؟
- لا شك أن العرب خاضُوا حُروباً مع الكيان الصهيوني (1967 و1973م) بمنطق توازن القوى الدولي والإقليمي خلال فترات الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشّرقي (سابقاً)؛ إلا أنه منذ غزو الولايات المتحدة الأمريكية للعراق في العام 2003م، بدأت فكرة الأمن العربي تتبدّل نتيجة الصّراعات والشّروخ العميقة بين الأنظمة العربية من جهة والشّعوب من جهة أخرى.
وتلاشت قُدرات الأمن العربي باحتلال العراق وتمزيقه بين الإثنيات والطّوائف والأحزاب؛ كما أنه بمجرد اندلاع "الربيع العربي" في العام 2011م - بدءاً من تونس - تحوّل الوطن العربي إلى حقل تجارب بين القوى الدولية والإقليمية، مع أهمية الإشارة إلى أن الاقتتال الداخلي بمساعدة القوى الإقليمية والدولية نتج عنه تدمير البلدان العربية (لاسيما سورية وليبيا واليمن)، وتهجير المواطنين وطردهم من ديارهم، وتعميق الجرح العربي، والتخلف، وعرقلة التنمية بكل أوجهها وعلى جميع الصُّعد، ومع ثورات "الربيع العربي" تجدّد الحكم العسكري الانقلابي والاستبدادي وتفريغ الوطن العربي من موارده الطبيعية والبشرية.
ومن وجهة نظر استشرافية، لا يزال الوطن العربي في تخلّف دائم، كما تراجعت مستويات التنمية بفعل الفتن والتحالفات المصلحية الضيقة بين الأطراف المتصارعة والتحالفات المضادة؛ ومن المرجح أن يستمر تدهور أوضاع العالم العربي على الأقل في المنظور القريب والمتوسط، وتبعاً لذلك يحتاج هذا الوطن الجريح إلى تضحيات كبيرة ومُكلّفة للاقتصاد وللشّعوب معاً؛ من أجل تجاوز مأزق الصراع والنزاع على السلطة ودواليبها المحرقة.
وأكيد أن المشهد دموي بامتياز في الوطن العربي، ويبدو أن نجاح التداول على السلطة والاحتكام إلى صناديق الاقتراع في خبر كان؛ فأولوية الأولويات هي وقف الاقتتال والعنف، وإن تعذر ذلك فسيدفع 350 مليون نسمة في الوطن العربي ثمن الانتظار وكُلفة الفُرجة على مصيرهم ومصير الأجيال المقبلة.. فهل من بصيص أمل يُعيد الكرة إلى الملعب بهدف تفادي التّخريب المُمنهج - بإيعاز من الداخل والخارج - لقُدرات الأمن العربي؟
ويبدو أن الأفق العربي تُحيطه أخطار متعدّدة وفي كل المجالات، مما يُصعّب من وضع سيناريوهات منطقية ومقبولة، إلا أن الأكيد أن القُدرات المستقبلية لكل أمّة تتوقف على مدى نجاح الاندماج والتفاعلات بين الأعضاء الفاعلين.
كيف يمكن لمنظومة الأمن العربي أن تواجه تهديد كل من إيران وروسيا والكيان الصهيوني؟
- من حق إيران أن تُدافع عن مصالحها، ومن حق روسيا أن تدافع – هي الأخرى - عن مصالحها؛ ومن واجب الدول العربية أن ترفض التّدخلات الخارجية ومصالح الآخر؛ ومن واجب المواطن العربي أن يعرف أن مصالحه تختلف جذرياً عن مصالح الآخر، وعليه أن يُدرك دسائس توغّل الأطراف الدولية والإقليمية وحساباتها المُتداخلة وضُغوطها المتبادلة وتأثير ذلك على منظومة الأمن العربي.
وبالنسبة للكيان "الإسرائيلي"، فقد اختار لنفسه الحذر ومُراقبة الأوضاع في الدول العربية عن كثب وإثارة الفتن من الداخل، ولا يهدأ له بال في التنكيل بالفلسطينيين وقتلهم وسجنهم، كما حوّل قطاع غزة إلى سجن كبير في ظل وجود الانقسام الداخلي والانشغال بـمآلات "الربيع العربي"، ولا تُرحّب "إسرائيل" بوجود إيران أو "حزب الله" على نقاط التماس في الجولان (الأرض السورية المحتلة)، لكنها تودّ إطالة أمد الأزمة في سورية والحفاظ على الأمر الواقع؛ أي تكسير شوكة سورية حتى لا تقوى على استرداد هضبة الجولان، وإنهاك القوات الإيرانية وكذلك "حزب الله" في حرب طويلة الأمد لا تنتهي إلا بإضعاف الجميع.
وعلى الجانب الفلسطيني، جاءت "انتفاضة السّكاكين" كنتيجة حتمية لعجرفة الكيان واستهزائه بالمُقدّسات الإسلامية وتهويد مدينة القدس، وانزلاق العرب نحو الانكفاء والانغماس في مشكلات لا تنتهي؛ الديني السياسي (إشكالية النقل والعقل عند ابن رشد)؛ الانتقال الديمقراطي والتداول على السّلطة حسب المنظور الليبرالي.. إلخ، وما أن يتمّ الاتفاق والحوار بين الفُرقاء إلا ويبدأ مسلسل النقاش من جديد، وهو ما يُشكّل فُرصة سانحة للقوى الدولية والإقليمية للانقضاض على مقدرات الدول العربية.
ربحت إيران معركتها النووية مع الغرب، وتسلّلت بهدوء إلى العراق وسورية، وحوّلت بوصلة "الشرق الأوسط" نحو مصالحها؛ ودخلت روسيا في سورية من أجل إحداث توازن يخدم مصالحها الوطنية، واستطاع الكيان الصهيوني أن يعبث بقرارات الشرعية الدولية ومبادئ القانون الدولي.. وإزاء هذه الإستراتيجيات فشلت الدول العربية في ردّ الاعتبار للمواطن، وتخلّفت عن الرّكب، وأنتجت حروباً تلو الأخرى؛ لأنها لم تقم بتقييم التّهديدات وتحديد الأخطار المُحدقة بها.
نعيش الآن مرحلة جديدة متسمة بتفكك محاور قديمة وإعادة تشكيل محاور جديدة، ما أثر ذلك على منظومة الأمن العربي؟
- بالطبع، شاهدنا الانحياز العربي أثناء الحرب الباردة لهذا المعسكر أو ذاك، لكن بمجرد انتهاء الحرب الباردة دخلت معظم الدول العربية تحت مظلّة الولايات المتحدة الأمريكية، رغم رفض الشّارع العربي لهذه المظلة وتبعاتها، وقد حاولت الولايات المتحدة الأمريكية تمرير مشروع الشرق الأوسط الكبير، ومشروع القرن الأمريكي الجديد (عام 2002م)، ومشروع إعادة هيكلة الشرق الأوسط لمؤسسة American entreprise ومشاريع أخرى، لكنها فشلت، وقد خاض الكيان الصهيوني حروباً بالوكالة خاصة مع "حزب الله" (صيف عام 2006م)، وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) (خاصة في عامي 2008 – 2009، وفي العام 2014م)، لكن هو الآخر فشل في توسيع قُدراته القتالية ودحر المقاومة من أجل نشر أيديولوجياته الهدّامة.
وبمجرد اندلاع "الثورات الربيعية" عام 2011م تفكّكت المحاور العربية التقليدية، وتشكلت أخرى من أجل مُواجهة كيانات ومُنظمات تقع خارج الدولة (بمعنى عدم وجود العناصر القانونية والمادية للدولة)؛ وأصبحت الدول العربية تخوض معارك غير متكافئة مع عناصر إرهابية صنعتها القوى العظمى والإقليمية.
ونشير إلى أن الاتفاق النووي مع إيران ساهم في عزل وتهميش "الوطن العربي الموحّد"؛ لذلك أعادت إيران توازنها في العراق وسورية، وقامت بأكبر توسع إقليمي لها من أجل أن تربط الاتصال مباشرة بـ "حزب الله" في لبنان وتقوية شوكتها الإقليمية، فهي ترى أن انكسار منظومة الأمن العربي فرصة لا يمكن أن تتكرّر؛ لذلك فالمعادلة صفرية؛ إذ تستطيع – إيران - أن تربح كل ما يخسره الطرف العربي في المعادلة.
من جهتها، انتفضت روسيا للدفاع أولاً؛ عن مصالحها وردع الغرب في البوّابة السّورية، وثانياً؛ تجريب أسلحتها وعتادها وبيعه للتّناحر في سورية، أما الولايات المتحدة الأمريكية فلم تستطع مجاراة مفاجآت نظيرتها روسيا؛ إذ يرى البعض أنه ليس من مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية أن ينتصر "داعش" أو "نظام الأسد" أو المُعارضة "الراديكالية"، فمصلحتها تكمن في تبديد قدرات الشعب السّوري وإضعاف مؤسساته وبنياته لفتح المجال أمام توغّل "إسرائيل" في المنطقة.. وهذا الاستنتاج منطقي باعتبار أن المنظور الأمريكي يبقى غامضاً، ولا يريد أن ينزلق في حسابات قد لا تخدم مصالحه وأهدافه الإستراتيجية في الوطن العربي.
وأكيد أن تفاهمات معينة سيتوصل إليها الروس والأمريكيون، لكن الخاسر الأكبر هو سورية؛ لذلك يجب رفض التدخل الدولي والإقليمي على حدّ سواء، فسورية للسوريين، وعليهم أن يتوصلوا إلى اتفاق بينهما رغم صعوبة بل واستحالة المهمة في أحيان كثيرة، ومع استمرار الحرب على سورية سيزداد الوضع العربي تأزماً وتشرذماً، ولعل فشل جامعة الدول العربية في فضّ النزاعات العربية خير دليل على تآكل منظومة الأمن العربي المشترك.
كيف ترون توظيف الطائفية والأقليات والمنظمات خارج الدولة (حزب الله، داعش، القاعدة، الحوثيين) على سبيل المثال لضرب منظومة الأمن العربي؟
- فشلت الأنظمة العربية في إدماج الأقليات داخل منظومتها القانونية والسياسية والاجتماعية؛ إذ لم يتمتع المواطنون بمختلف توجهاتهم وتركيبتهم الهوياتية من نفس مشاركة سياسية متوازنة ومتكافئة؛ وبعد تفكّكها اضطرت الأنظمة إلى خوض الصراع والحرب مع المنظمات خارج إطار الدولة السيادية (الحروب غير المتكافئة، أو غير المتماثلة)، أو على الأقل سعت إلى الحدّ من قوتها وقدراتها (مطالبة لبنان لـ "حزب الله" بترك السلاح؛ لأن الدولة هي الجهاز الوحيد الذي يملك هذا الحق)، وقد أخطأت الدول العربية - منذ البداية - في إعطاء صورة قاتمة على أن هذه التنظيمات الهوياتية (المختلفة عنها أيديولوجياً) تؤمن بالعمل العابر للحدود؛ مما جعل إيران مثلاً تُوظِّف هذه الأخطاء لاستقطاب "حزب الله" وخوض الحروب بالوكالة عنها، أما بعض الدول فلم تأخذ التركيبة السكانية في عين الاعتبار، بل عملت على تبديل هذه التركيبة باستقطاب "عرب سُنّة" من خارج المملكة وإقحامهم في الوظائف العليا، وطبيعي أن يتكون الإحساس بالغبن من أجل التمرّد على الدولة ومؤسّساتها.
ونتج عن الاقتتال الداخلي بين الهويات المختلفة فوضى عارمة ليس نتيجة الاختلافات المذهبية، بل من أجل التوظيف السياسي، فقد غُلّف الاقتتال السياسي بالاقتتال الديني، والأكيد أن هذا الاقتتال يخدم مصالح سياسية للأطراف المُتناحرة؛ مما يُبعد فرضية الاقتتال والاستقطاب الديني بين السُّنة والشيعة، ولا أدلّ على ذلك من تحالف نظام "بشار الأسد" (عقيدة اشتراكية) مع إيران وكذلك "حزب الله" (عقيدة شيعية)، والأمثلة كثيرة على هذه التحالفات المصلحية والسياسية وليس الدينية.
وما تداعيات الأحداث الجارية على الأمن البيئي بالمنطقة؟
- هذا سؤال وجيه يستحق الرصد والمناقشة والمتابعة من قِبَل المختصين والباحثين في مختلف الحُقُول العلمية (الفيزياء، العلوم الطبيعية، الكيمياء، القانون الدولي.. إلخ)، وفي حُدود علمنا المُتواضع لم نجد بُحوثاً جدية وتقارير دقيقة ترصد الكُلفة المالية والاقتصادية لتدهور البيئة في الوطن العربي، وإدماج مفهوم الأمن البيئي ضمن منظومة الأمن العربي؛ إذ انشغل الجميع بدراسة انعكاسات الحروب على الإنسان دون الاهتمام بالمحيط البيئي، ومن ثمّ الأمن البيئي العربي ككلّ.
ومن حقّنا أن نتساءل عن دور المجتمع المدني في الدول العربية بشأن الأمن البيئي، وهل يملك الجرأة اللازمة من أجل توثيق ورصد ما تقوم به الدول والتنظيمات التي تخوض الحرب، وكذا القوى الإقليمية والدولية، من جرائم بيئية تنال من حقوق الجيل الحالي الذي هُجّر ودُمّرت ممتلكاته، والنيل بحقوق الأجيال المقبلة في العيش في بيئة نظيفة وسليمة؟ ألا تستطيع أن تكشف عن الأسلحة المُحرّمة دولياً التي تُلقى في الوطن العربي (العراق وسورية مثلاً) سواء استعملتها "الأنظمة الحاكمة" أو "المعارضة" أو القوى التي دخلت سورية؟ ولماذا لا يُجهد الإعلام العربي نفسه للبحث عن هذه الحقائق الموجعة؟ ولماذا يركّز فقط على زاوية ضيقة من أجل الانضمام إلى هذا الطرف أو ذاك في الاقتتال؟ وفي غياب الإعلام المسؤول في الوطن العربي يقع على المواطن العربي ثقل مسؤولية الأمن البيئي كجزء محوري من منظومة الأمن العربي.
من المعلوم أن القانون الدولي الإنساني يُجرّم مهاجمة البيئة والمنشآت المائية والسدود أوقات الحروب والأزمات طبقاً لمنطوق (المادة 55، الفقرة الأولى من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف الرابعة للعام 1977م)، كما تحظر هذه المادة في فقرتها الثانية الهجمات الانتقامية التي تشن ضدّ البيئة الطبيعية، أما (المادة 15 من البروتوكول الإضافي الثاني عام 1977م) لاتفاقيات جنيف الرابعة للعام 1949م فتنص على "ألاّ تكون الأشغال الهندسية أو المنشآت التي تحوي قوى خطرة، وهي السدود والجُسور والمحطات النووية لتوليد الطّاقة الكهربائية محلاّ للهُجوم حتى وإن كانت أهدافاً عسكرية، إذا كان من شأن هذا الهجوم أن يتسبّب في انطلاق قوى خطرة تُرتّب خسائر فادحة للسكان المدنيين".
من منظورنا، نرى أنه عندما ستخفّ حدّة الحروب في الوطن العربي؛ ستكثر الكتابات والتقارير عن الوضع البيئي العربي، آنذاك لن تستطيع أن تُغيّر شيئاً في الأوضاع البيئية المُنهارة؛ لذلك تقع علينا مسؤولية تاريخية لطرح التخريب البيئي الذي تتعرض له البلاد العربية خاصة في العراق وسورية في المفاوضات المناخية الكونية المقبلة (باريس عام 2015م، ومراكش عام 2016م)؛ ومن حقّنا أن نرصد كل الجرائم البيئية التي قام بها الكيان الصهيوني في فلسطين منذ عام 1948م؛ إذ اقتلع الأشجار وطرد النّاس وأحرق الأرض وأهلك الزّرع والنّسل، وما جدار الفصل العنصري (أعلنت محكمة العدل الدولية عدم مشروعيته في العام 2004م) الذي أنشأه الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة إلا بهدف فصل المزارعين عن أرضهم وممتلكاتهم والالتفاف حول المياه والاستيلاء عليها عن طريق تسييجها وبناء الأسوار حولها، وليس منع "الإرهابيين" من دخول "إسرائيل" كما تذكر الرواية الصهيونية.
إن هذا الوضع يهدّد الأمن الإنساني في الوطن العربي، وحريّ بنا التّذكير بخطورة وجسامة مسؤولياتنا تجاه الأجيال العربية المقبلة.. إن فكرة الاستدامة تتطلب منّا التّضحية من أجل الانتقال السّلس للموارد الطبيعية من جيل لآخر، ولا يمكن تغييب هذه الفكرة؛ وإلاّ سيُطاردنا شبح الجفاف والجوع والفجوة الغذائية والانحباس الحراري وشحّ المياه العذبة والنقص الحاد لحصة الفرد العربي من المياه وفقدان التنوع البيولوجي.