العنوان د. حسان حتحوت.. مؤمن صدق ثم قضى نحبه
الكاتب مريم السيد هنداوي
تاريخ النشر السبت 09-مايو-2009
مشاهدات 103
نشر في العدد 1851
نشر في الصفحة 38
السبت 09-مايو-2009
- حرص في معظم كتاباته على تأكيد أن العلاقة بين العقل والإسلام واضحة وناصعة.
- كان شاعرا مرهف الحس.. وله ديوان معروف تحت عنوان جراح وأفراح.
تناقلت الصحف خبر رحيله فقالت: فقدت الدعوة الإسلامية بالغرب علمًا من أعلامها، وهو د. حسان حتحوت الذي وافته المنية يوم الأحد ٢٠٠٩/٤/٢٦م؛ عن عمر يناهز ٨٥ عاما قضاها في الدعوة إلى الله متنقلًا من دولة إلى أخرى، حتى استقر به المقام في الولايات المتحدة الأمريكية، فكان أحد قيادات المسلمين هناك.. وكان - بحق - نموذجًا للمسلم الذي حدد هدفه، واستطاع - بفضل الله - تحقيقه، حتى غابت شمسه
ولد د. حسان حتحوت في مدينة شبين الكوم بمحافظة المنوفية بمصر، يوم الثلاثاء ٢٦ جمادى الأولى ١٣٤٣هـ الموافق ٢٣ ديسمبر ١٩٢٤م.
الحقه والده بمدرسة شبين الكوم الابتدائية وبعد أن انتهى منها انتقل إلى القاهرة مع أسرته وهناك حصل حسان على الثانوية ثم التحق بكلية الطب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا) وبعدما أنهى دراسته للطب، تخصص في مجال طب النساء والولادة وحصل على دبلوم التخصص عام ١٩٥٢م.
سافر إلى بريطانيا وحصل على درجة الدكتوراه، ثم الزمالة في علم الأجنة وعمل في بداية حياته بمستشفى الدمرداش بالقاهرة لمدة سنة ثم بالقسم الريفي في بعض ضواحي مدينة المنصورة بمصر... وعمل في السعودية لمدة ثلاث سنوات، ثم انتقل للعمل بالكويت وهناك مكث ما يقرب من عشرين عامًا. شارك خلالها في: تأسيس كلية الطب، وتولى رئاسة قسم أمراض النساء والولادة.
مع الإخوان في فلسطين
انضم د. حسان حتحوت الجماعة الإخوان المسلمين عام ١٩٤١م بعد أن تعرف على الإمام حسن البنا وكان شديد التأثر به والتحق بقسم الطلبة، واشترك في كل أعمال الاتحادات الطلابية.
وكان له دور في حرب فلسطين عام ١٩٤٨م؛ حيث اشترك مع آخرين في إدارة مستشفى الرحالة أثناء المعارك وكان له موقف مشهود عندما جاءت الجيوش العربية ببعض الأسرى اليهود من المعارك للمستشفى، وكان أكثرهم جرحى، وأرادت القيادة العسكرية إعدامهم بالرصاص، فتصدى لهم وخطب فيهم موضحا موقف الإسلام من الأسرى وقام بعلاج الجرحى منهم وقد عرف اليهود بهذا الموقف. وأشادوا به في صحفهم، وكان شفيعًا لديهم لفك أسر صديقه د. أحمد خطاب.
وكان والده مدرسًا للغة الإنجليزية وشاعرًا أيضًا، وكان قد أنشد في ابنه عند
سفره إلى فلسطين عام ١٩٤٨م أبياتًا قال فيها:
اهبط على أرض السلا م جُعِلْتُ يا ولدي فداك
ضمد جراحات العرو بة سدد المولى خُطاك
وامسح دموع الشاكلا ت عساك تسعدها عساك
واذكر فلسطين الجري حة وانس أمك أو أباك
واعتقل د د. حتحوت بعد عودته من فلسطين في معتقل «الهايكستب» قرابة العام وتعرض خلال فترة اعتقاله للتعذيب والضرب.
رحلته في الخارج
سافر د. حتحوت إلى السعودية في أبريل عام ١٩٥٢م، وهناك استقر به الحال لمدة ثلاثة سنوات.. وفي عام ١٩٥٥م انتقل إلى إنجلترا ثم إلى الكويت ثم عاد إلى مصر مرة أخرى ليلتحق بجامعة عين شمس عام ١٩٦١م، ثم بجامعة أسيوط الجديدة عام ١٩٦٣م.. وتم اعتقاله عام ١٩٦٥م لمدة تقرب من الثلاثة أشهر وخرج من المعتقل ليسافر ويقرر عدم العودة لمصر مرة أخرى.
وبعد سفره اهتم بالإسلام ونشر تعاليمه يقول لقاء د. حتحوت في مع قناة «الجزيرة» الإخبارية: قدمت استقالتي من عملي بجامعة الكويت وذهبت إلى الولايات المتحدة عام ۱۹۸۸م، ثم أصبحت مواطنًا أمريكيا، لأن الأجنبي لن يخدم الإسلام هناك.
وقد نشط في العمل الدعوي بين الأمريكيين حتى أسلم على يديه الكثير ويقول في ذلك «لقد وهبت بقية حياتي لنشر الإسلام، وأخذت أوضح للناس طبيعة الدين الإسلامي، حتى أسلم الكثيرون، ثم تركت مهنة الطب وتفرغت للدعوة».
وفي عام ١٩٩٩م احتفل مع عدد من المسلمين في الولايات المتحدة بعيد الفطر في حديقة البيت الأبيض، ويقول عن ذلك: احتفلنا بعيد الفطر مع السيدة هيلاري كلينتون، وقد ألقيت كلمة، والقت هي كلمة وكانت معها ابنتها الطالبة في المرحلة الثانوية.
المفكر الطبيب
في معظم كتاباته، كان د. حتحوت يبدي حرصًا شديدًا على تأكيد أن العلاقة بين العقل والدين الإسلامي واضحة وناصعة وفي ذلك يقول: «إذا استعرضنا الآن دور العقل في حياة المسلمين فإنني أرى العقل منحسرًا في حياة الأمة، ولم يعد مصباحها المنير ولا دليلها الهادي، والأسوأ أن تلك الحالة أصابت بعض العلماء الذين يتولون القيادة الدينية للناس.. ومسؤوليتنا أن تغير نظرة العالم لنا كمسلمين، وأن نرفض الهزيمة في نفوسنا وقلوبنا مهما حدث، وأن نثق بنصر الله.
وقد كتب عن الإجهاض في الدين والطب والقانون بمجلة «المسلم المعاصر»، وكتب عن استخدام الأجنة في البحث والعلاج في دورة مؤتمر مجمع الفقه الإسلامي السادسة.. وحذر من مغبة العبث واستغلال التقدم العلمي في هذا المجال ضد الطبيعة وبشكل مخالف للثوابت الدينية.
وكان له حضور فاعل عندما عقدت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بدولة الكويت - بالاشتراك مع مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة - الندوة الفقهية الطبية السادسة من سلسلة ندواتها حول «الإسلام والمشكلات الطبية المعاصرة خلال الفترة (٢٣-٢٦) أكتوبر ۱۹۸۹م، وكان عنوان الندوة زراعة الأعضاء»، وخصصت هذه الندوة لمناقشة زراعة خلايا المخ والجهاز العصبي ومدى الاستفادة من المولود اللادماغي والأجنة المجهضة، وكذلك نقل بعض الأجهزة التناسلية.
ودعي إلى الندوة حشد كبير من الفقهاء، والعلماء، والأطباء وقدمت فيها أبحاث طبية وفقهية عديدة.. وشكلت لجنة الصياغة من الفقهاء والأطباء د. خالد المذكور رئيسا ود. أحمد رجائي الجندي مقررًا، ود. عجيل جاسم النشمي ود. أحمد القاضي، ود. حسان حتحوت ود عبد الستار أبو غدة ود. علي يوسف السيف، ود. محمد جبر الألفي، ود. محمد سليمان الأشقر، ود. مختار المهدي، ويحيى أبو الفتوح.
شاعر مرهف الحس
كان د. حسان حتحوت شاعرًا مرهف الحس، وله ديوان معروف تحت عنوان جراح وأفراح يقول في إحدى قصائده:
ولجت دار الحب بابا قباب فإنني منه ومن صنعته
ديني وإيماني وفصل الخطاب في دمعة العيش وفي بسمته
اشتعل الرأس وشاب الشباب لكنه باق على جدته
بقدرة الحب أخوضُ العباب وأرتقي العمر إلى قمته
وسوف ألقى الله يوم الحساب والحب قرباني إلى جنته
قالوا عنه
قال عنه الأستاذ محمد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين كان د. حسان حتحوت نموذجا للداعية صاحب الفكر الراقي والأدب الجم والخلق الرفيع والجرأة في الحق والتضحية في سبيل الله..
وقال د. محمد سليم العواء كان أحد أعلام الحكماء العرب والمسلمين في النصف الثاني من القرن العشرين عرفه الأطباء أستاذًا متميزا في طب النساء وطبيبا بارعا نظراؤه قليلون، وعرفه أهل القلم كاتبًا مجيدًا وشاعرًا فحلًا، وعرفه الإسلاميون الحركيون معلمًا جامعًا بين السعي الدؤوب لنصرة الإسلام وفكرته، والفقه العميق بتنزيل أحكامه على واقع الناس.
وقال د. عبدالله العتيقي أمين سر جمعية الإصلاح الاجتماعي بالكويت لقد بذل د. حتحوت جهودًا كبيرة في سبيل الدعوة إلى الله عز وجل، وكان يتسم بالسعي في الخير من أجل الآخرين.
وقال الكاتب الصحفي الكويتي عادل القصار لم يكن خروجه من الكويت عام ۱۹۸۸م بالأمر السهل فقد رفض طلبه من قبل الأمير الوالد الشيخ سعد العبدالله عندما كان وليا للعهد ورئيسا لمجلس الوزراء ولم يشفع له عند سموه سوى رغبته في خدمة العمل الدعوي والإسلامي في أمريكا.. وقد تحول من مجال الطب إلى مجال الدعوة حتى أصبح علامة بارزة ورمزا إسلاميا، يشهد له الجميع بالاعتدال والفكر المنفتح في الولايات المتحدة الأمريكية.. وكان له منهج دعوي استمده من مؤسس جماعة الإخوان المسلمين الإمام حسن البنا - يرحمه الله - وكان دائمًا يردد كلمته: سنقاتل الناس بالحب.
- رحل الداعية الفقيه.. والشاعر الموهوب.. والطبيب النابه
أ.د. حامد بن محمود آل إبراهيم
بعد رحلة طويلة من الجهاد بالقول والعمل، رحل الأستاذ الدكتور حسان حتحوت.. وفقدناه رجلًا ربانيًا ظل يحمل شعار الحب ليوصل دعوته للجميع.
وقد تعرفت عليه - يرحمه الله - للمرة الأولى عام ١٣٨٤هـ - ١٩٦٤م في جامعة أسيوط، التي أنشئت في محافظة أسيوط (جنوب مصر)، بدلا من أقصى الجنوب في أسوان حيث مشروع السد العالي.. وقد أراد مدير الجامعة فرض إقامة زوجات الأساتذة معهم في أسيوط وتخافتت أصوات الاعتراض على القرار العجيب - حيث كان المدير ينفذ أوامر القيادة الناصرية - فمن يعترض يعرف مصيره وراء الشمس!!
وبشموخ المسلم وعزته، قام د. حتحوت معترضا بلغة عربية فصيحة ولهجة قوية واثقة، قائلا يا سعادة المدير لم أكن أعلم أن الجامعة الوليدة في هذه المدينة الصغيرة قد تعاقدت مع زوجات أعضاء هيئة التدريس واشترطت إقامتهن في أسيوط بلد الجامعة!!
ولم يستطع المدير أمام هذه الحجة القوية والكلمات الرصينة واللهجة الحازمة، إلا أن يبتسم ابتسامة صفراء ويقول: أرأيتم ماذا تفعل اللغة العربية الفصحى في مستمعيها؟.. وفشلت المحاولة.
وقد قام - يرحمه الله - بتأليف العديد من الكتب الطبية والإسلامية كما كان المتحدث الرسمي في اللقاء الإسلامي المسيحي في البيت الأبيض الأمريكي عام ١٩٩٩م.
تقول الأستاذة أميرة الصراف مديرة مدارس الأفق الجديد بالولايات المتحدة. لقد كان د. حسان عضوا عاملا مشاركا في وضع الأسس والخطوط العامة للدراسات الإسلامية بالمدرسة وقد حرص على حضور اللقاءات الفكرية واجتماعات مجالس الآباء مما أثرى هذه اللقاءات بما أضفاه عليها من حكمته، وأحاسيس الحب والعطف التي تتدفق من نفسه على مستمعيه.. رحم الله شيخنا، وأسكنه فسيح جناته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل