العنوان د. حسن الترابي..
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الجمعة 01-أبريل-2016
مشاهدات 65
نشر في العدد 2094
نشر في الصفحة 62
الجمعة 01-أبريل-2016
د. حسن الترابي..
بين محبيه ومنتقديه
د. حسن عبدالله الترابي - الذي توفاه الله تعالى منذ أيام - شخصية أثيرت حولها أحكام مختلفة وأوصاف متباينة؛ فيرى فيه أنصاره سياسياً محنكاً بارعاً في تحريك الإعلام، وخطيباً مؤثراً، وداعية ومفكراً مجدداً.. في حين يرى فيه خصومه شخصاً مخادعاً له طموح لا يحد، وخبرة في الدسائس والمؤامرات وتعلق بالسلطة. يرى بعض علماء الشريعة في بعض فتاواه وآرائه الشرعية شذوذاً وخروجاً عن المجمع عليه بين علماء الأمة، وما استقر عليه اجتهادهم، في حين يرى آخرون منهم أن آراءه لا تخرج عن إطار الاجتهاد الذي يحتمله الدليل، ولا يوجد مدعاة لما أثير حوله من جدل.
القرضاوي:
الترابي..
العالم الداعية المفكر المجاهد
نعى د. يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، د. حسن الترابي نعياً مطولاً تحت عنوان «د. الترابي العالم الداعية المفكر المجاهد»، وصفه فيه بالعالم، المفكر، الداعية، المجاهد، الثائر، أحد من امتلأت حياتهم بالعلم والعمل، والدعوة والجهاد، وإنه كان بحق أحد رجالات الأمة العربية والإسلامية، وأحد رجالات الفكر والتربية والسياسة، لا يشك في ذلك أحد، فهو مفكر وزعيم سياسي وديني، يعتبر من رواد التجديد السياسي الإسلامي.
وقال القرضاوي: «حسن الترابي هو الحسن الثالث في الإسلاميين, بعد حسن البنا الأول, وحسن الهضيبي الثاني, هو سوداني قح, تعلم القرآن الكريم وحفظه وجوَّده في صباه, وتعلم اللغة العربية والشريعة, ولم يتغير فكره الإسلامي الأصيل عن أصله, رغم أنه حصل على قمة الدراسات العليا في الغرب».
منهجه عروبي إسلامي
وحول منهج الترابي كما يراه القرضاوي قال: وكان منهج الترابي منهجاً عروبياً إسلامياً، يركز على عدة أمور:
1- قضية الإيمان بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبالشريعة والتربية منهاجاً عاماً.
2- حرية الشعوب جزء من الفرائض الإسلامية، التي نجاهد في سبيلها.
3- حرية التعبير والفكر والمقاومة للظلم فرائض أساسية.
4- قضية فلسطين قضية أصلية، لا يجوز التهاون فيها. والدفاع عنها فريضة.
5- العدالة الاجتماعية ومحاربة المظالم والطغيان والفساد جزء لا يتجزأ من الإسلام.
6- الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها أمة واحدة، يجب أن تتوحد، ولا يجوز أن تتفرق.
7- نسالم كل من يسالمنا ونضع أيدينا في يده، ونعادي كل من عادانا.
8- البشرية كلها أبناء آدم، وكلهم إخوة، وعليهم أن يتحابوا ويتعاونوا.
آراء الترابي الشرعية
وعما أثير حول آراء الترابي الشرعية ومخالفته لما استقر عليه علماء الأمة في بعض المسائل، قال رئيس الاتحاد العالي لعلماء المسلمين: وكان للترابي رحمه الله آراء في الفقه والأحكام يراها كثير من الناس مسرفة, ونزاعة إلى الغلو في الاجتهاد, ومحاولة طأطأة رأس الشريعة العالية, لتنزل إلى قاع المجتمع, الذي بدأ يتضعضع وينخفض, وينزل إلى أسفل إلى حد كبير, وهو ما أحس أني غير مستريح إلى هذه الاجتهادات التي أعتبرها شاذة.
على أن للترابي ميزة ليست لغيره من السياسيين, إنه ليس مجرد زعيم سياسي, ولكنه رجل فقه ودعوة, ينطلق في كل مواقفه وأعماله من فكر مؤطر, وهو فكر ينبثق من الإسلام, أي من القرآن والسُّنة، وما تفرع عنهما من الأصول والمقاصد والقواعد, وهو لا بد أن يستند إلى هذه الأصول, ويحتكم إليها, ويسائلها وتسائله, ويجاوبها وتجاوبه, فإن تجاوبت معه في الجملة وأعطته فرصة, ولم يجد من يرد عليه غلطه, ويبين له موضع خطئه, فهو معذور, بل هو مأجور حتى وإن أخطأ, وهذه إحدى روائع الاجتهاد الإسلامي، المهم أن يكون الشخص قد بلغ مرتبة الاجتهاد, وأن يراجع في مسألته كل ما يمكنه, وأن يتشاور مع أمثاله من أهل الاجتهاد, ومن أهل الفكر ما يستبين به الموقف كله بما له وما عليه, ثم يتخذ الموقف على بصيرة, فإن كان صواباً فله أجران, وإن كان خطأ فله أجر واحد, كما جاء في حديث عمرو بن العاص في الصحيحين.>
الشنقيطي: آراء الترابي..
من غير تكفير ولا تشهير
كتب د. محمد بن المختار الشنقيطي دراسة مفصلة عما أثير حول آراء د. الترابي الفقهية، وما أحدثته من جدل كبير، حدا بالبعض إلى تكفير الرجل وإخراجه من الملة.
جاءت الدراسة تحت عنوان «آراء الترابي.. من غير تكفير ولا تشهير»، وقد ذكر في البداية سبب تأليفها قائلاً: «وقد وجدت من خلال تتبعي للجدل الدائر حولها شيئاً من التساهل في النقل، والتسرع في الحكم، واتهام النوايا، ونقص الاستقراء، وصياغة المسائل الفرعية صياغة اعتقادية، والظاهرية التجزيئية في التعامل مع النصوص، وتداخل الأهواء الشخصية والسياسية مع الآراء الشرعية».
ثم عرفها بأنها نظرات على معظم آراء الترابي المثيرة للجدل، نضع من خلالها هذه الآراء ضمن سياق التراث الإسلامي، آملين من خلال ذلك أن يرتفع الحوار حول آراء الترابي إلى مستوى الحوار المعرفي، بديلاً عن خطاب التكفير والتشهير، فلست أشك أن لدى كل من الترابي ومخالفيه من أهل العلم ما يثري الحوار وينفع الأمة، إذا ساد الجِدُّ العلمي وخلصت النية لله رب العالمين.
أما هدف الدراسة الحصري؛ فهو دفع داء التكفير والتشهير الذي يستسهله البعض اليوم، والحث على أخذ المسائل الشرعية بمأخذ الجد دون تعجل، والعودة إلى منهج العلم والعدل وحسن الظن بأهل العلم، مهما أغربوا أو خالفوا المتعارف عليه من النقول والفهوم.
ثم شرع الشنقيطي في تتبع المسائل التي أثارت الجدل حول الترابي، وقام بتفنيد ما أثير حولها بتفصيل يقصر السياق عنه عن إيراده كاملاً، لكننا نكتفي بأهم ما خلص إليه منها.
قسم الشنقيطي ما أُنكر على الترابي فيما يلي:
- قسم كبير منه أمور اعتقادية أو فقهية منسوبة إليه تحاملاً أو سوء فهم، وهي: القول بالفناء الحلولي في ذات الله، وإيمان أهل الكتاب، وإباحة الردة والخمر، وإسقاط الخمار.
وقام الشنقيطي بتفنيد هذه الأمور، وما أثير حولها من خلاف وجدل، انتصر فيه للدكتور الترابي، ومما ذكره في إحدى هذه المسائل على سبيل المثال: «والخلاصة أن ما قيل من قول الترابي بإيمان أهل الكتاب مجرد سوء فهم لتمييزات اصطلاحية يستخدمها أحياناً لدواعٍ لغوية أو لمناورات سياسية، وأن تكفيره والتشهير به بسبب ذلك ينافي العلم والعدل الواجبين في مواطن الخلاف».
- القسم الثاني من المآخذ على الترابي قضايا فقهية فروعية يصلح الاختلاف فيها، وفيها خلاف قديم طمره تراكم الجهل وطول العهد وانبتات الأمة عن تراثها الزاخر، مثل قتل المرتد، وإمامة المرأة الرجال، وبقاء المسلمة في عصمة زوجها المسيحي، وتنصيف شهادة المرأة بشهادة الرجل في الأموال.
ثم علق عليها قائلاً: «وآراء الترابي فيها – في تقديري - منها ما هو مقبول ومستنده قوي رغم إغرابه وقلة القائلين به اليوم، مثل رفضه لقتل المرتد المسالم، وتسويته بين الرجل والمرأة في الشهادة، ومنها ما هو ضعيف المستند، لكنه يبقى من موارد الاجتهاد، وقد قال به علماء أعلام من قبل، فلم يجعلهم ذلك كفاراً، ولا حتى أخرجهم شذوذهم عن دائرة «السُّنة والجماعة»، وهي دائرة أضيق كثيراً من دائرة الإسلام الواسعة، فتحويل هذا الأمر اليوم إلى قضية كفر وإيمان غلو وتهويل، وهو يدل على الروح السياسية والطائفية التي سادت هذا الجدل أكثر من الروح العلمية النزيهة».
ولكنه خالفه في مسألة واحدة قائلاً: «لعل المسألة الوحيدة التي أغرب فيها الترابي جداً هي قوله بزواج المسلمة من الكتابي ابتداء»، وحجته: «ولم أجد للترابي مستنداً قوياً في هذه المسألة تبرر مخالفته الفهم المتعارف عليه بين أهل العلم في هذا الباب، بل لا أشك في خطئه في استدلاليْه كليهما».
- القسم الثالث الذي أُنكر على الترابي وأثار حفيظة البعض عليه – حسب الشنقيطي - رده بضعة أحاديث في البخاري ومسلم.
ومما علق به الشنقيطي على ذلك: «فليس رد حديث آحاد صحيح لاعتقاد مخالفته القرآن، أو مخالفته ما هو أصح منه من الأحاديث بكفر ولا ذنب، بل هو عمل اجتهادي يلجأ إليه كل المجتهدين في معرض تعارض الأدلة وتواردها على نفس المحل، كما أن هناك فرقاً شاسعاً بين راد الحديث النبوي إنكاراً للرسالة وتكذيباً بحاملها، وبين راد الأحاديث اعتقاداً بانتحالها وضعف نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم».
ويُجمل الشنقيطي رأيه في د. الترابي في نهاية الدراسة، وسبب الجدل الذي أثير حوله قائلاً: ليس من الصعب على المطلع على مجمل الإنتاج الفكري للدكتور الترابي منذ الستينيات إلى الآن أن الرجل يمتاز باطلاع واسع على مختلف العلوم الشرعية، وعقل تحليلي تركيبي نادر، قادر على سبر المسائل الشرعية، والغوص على أصولها، والتنقيب عن أسسها وفحصها بدقة دون خوف من انهيار البناء، لكن ليس من الصعب أيضاً إدراك أن الترابي تنقصه الحكمة في الطرح والرزانة في الأسلوب.
والذي يبدو لي أكبر خطأ ارتكبه د. الترابي في حق نفسه أولاً، ثم في حق مستمعيه وقرائه بعد ذلك، هو أنه يقدم نتائج قراءاته الواسعة واجتهاداته الجريئة دون بيان لمقدماتها، فيلقي المسائل إلقاء من غير توضيح لمواردها ومصادرها، ويقذف بالآراء الجريئة المثيرة للجدل دون توثيق لها من كتب التراث الإسلامي، رغم أن أكثر آرائه التي تبدو للقارئ غير المطلع بدَعاً مستحدثة لها أصول في نصوص الشرع، وسوابق من آراء المتقدمين من علماء السلف، ممن لهم هيبة في العقل المسلم المعاصر، المولع بتقديس اجتهاد الأموات واحتقار اجتهاد الأحياء.
ولو أن الترابي خاطب حملة الثقافة الفقهية الحاضرة بلغتهم الأثرية السائدة، ووثق آراءه من التراث الفقهي والفكري المتراكم، لنأى بنفسه عن سهام الاتهام، ولوجد من يتفهم مقولاتِه وإن لم يتبنَّها، ومن يقبلُ بها رأياً اجتهادياً مشروعاً، وإن لم يوافقه عليها، لقد جنى الترابي على نفسه وعلى الخطاب الشرعي عموماً حينما قدم آراءه واجتهاداته مجردة عن الإسناد والتوثيق، فبدت للقارئ غير المطلع إرسالاً للكلام على عواهنه، وخروجاً على المرجعية الشرعية.
ولو سلك الترابي وخصومُه مسلك العلم والعدل، وتحلَّوْا بأدب الخلاف، وتجردوا من صراع السياسة وأهواء التحيز، والتزموا البرهان والدليل المجرد، لكان الجدل الحالي مثمراً، يستفيد منه المسلمون تحريراً لمسائل شرعية على قدر من الأهمية، وحفْزاً لطلاب العلم على مزيد من البحث والتنقيب، وأخذاً للمسائل الشرعية بقوة، وعدم استسهال الخوض فيها من غير دليل وتأصيل.>
الترابي.. في سطور
ولد حسن عبدالله الترابي في الأول من فبراير 1932م بكسلا بالشمال الشرقي السوداني قرب الحدود الإريترية.
نشأ في بيت متدين، وتعلم على والده الذي كان قاضياً وشيخ طائفة صوفية.
تزوج الترابي من وصال الصديق المهدي، شقيقة رئيس الوزراء السابق الصادق المهدي، زعيم حزب الأمة.
الدراسة:
درس الحقوق في جامعة الخرطوم، ثم حصل على الإجازة في جامعة أكسفورد البريطانية عام 1957م، وعلى دكتوراه الدولة من جامعة السوربون بباريس في 6 يوليو 1964م.
يتقن الترابي ثلاث لغات، بالإضافة إلى اللغة العربية، وهي: الفرنسية والإنجليزية والألمانية.
الوظائف:
- أستاذ بجامعة الخرطوم ثم عميد كلية الحقوق.
- في يوليو 1979م عين رئيساً للجنة المكلفة بمراجعة القوانين من أجل أسلمتها، ثم عين وزيراً للعدل.
- في عام 1988م عين نائباً لرئيس الوزراء بالسودان، ووزيراً للخارجية في حكومة الصادق المهدي.
- في عام 1996م اختير رئيساً للبرلمان السوداني.
نضاله السياسي:
بعد عودة الترابي من المهجر تقلد الأمانة العامة لجبهة الميثاق الإسلامية بعد ما تم إنشاؤها.
اعتُقل في السبعينيات 3 مرات خلال عهد الرئيس جعفر نميري، وكان تطبيق نميري للشريعة الإسلامية في عام 1983م مدعاة لتأييد الترابي له.
وتحالف مع الجنرال عمر حسن البشير في يونيو 1989م من أجل الإطاحة بنظام صادق المهدي، زعيم حزب الأمة ورئيس الدولة.
تأسيس الجبهة والمؤتمر:
بعد سقوط نظام جعفر النميري، أسس الترابي عام 1986م الجبهة الإسلامية القومية، وترشح للبرلمان فلم يفز، تحالف مع البشير، ثم اختلف معه وانفصل عن الجبهة القومية على خلفية نزاعه على السلطة والصلاحيات مع البشير، ليؤسس حزب المؤتمر الشعبي وانضم لصفوف المعارضة.
وفي 22 - 28 أبريل 1991م أسس المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي في مؤتمر ضم ممثلين عن 45 دولة إسلامية وأصبح أمينه العام.
بعض مؤلفاته:
للدكتور الترابي العديد من الكتب المطبوعة ومقالات كثيرة ومحاضرات شتى، ومن كتبه: قضايا الوحدة والحرية، تجديد أصول الفقه، تجديد الفكر الإسلامي، الأشكال الناظمة لدولة إسلامية معاصرة، تجديد الدين، منهجية التشريع، المصطلحات السياسية في الإسلام.>
الترابي..
خارق لإجماع الأمة
د. مسعود صبري
لقد غلب على د. حسن الترابي الفكر الدقيق دون الفقه العميق، ولأنه تبنى رؤية في تجديد أصول الفقه خارجة عما هو معهود عند العلماء، فقد أفتى بفتاوى مخالفة للقرآن والسُّنة وإجماع العلماء، من ذلك أنه أفتى بجواز أن تتزوج المسلمة بالكافر، مخالفاً بذلك قوله تعالى: {وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} (البقرة: 221)، والعجب أنه يقول عن ذلك: إن «التخرصات والأباطيل التي تمنع زواج المرأة المسلمة من الكتابي، لا أساس لها من الدين، ولا تقوم على ساق من الشرع الحنيف، وما تلك إلا مجرد أوهام وتضليل وتجهيل وإغلاق وتحنيط وخدع للعقول، الإسلام منها براء».
كما أنكر نزول المسيح عليه السلام، والأحاديث فيه واردة في الصحيحين أوصلها بعض المحدثين إلى حد التواتر، كما قال بجواز إمامة المرأة للرجال في الصلاة، ولا أعلم خلافاً في أنه لا يجوز للمرأة أن تؤم المصلين في صلاة الفريضة، إنما الخلاف كما هو عند بعض الحنابلة بغيرهم إمامتها لهم في النوافل كصلاة التراويح مع ضعف هذا القول، أما إمامتها في الفريضة فغير محفوظ عند أحد من أهل العلم المعتبرين، وله رأي في الحجاب فهو يراه حجب المرأة عن الرجل مطلقاً وهو خاص بأمهات المؤمنين، أما الخمار فإنه جاء لتغطية صدر المرأة وجزء من محاسنها، حسب قوله، كما أنه فسر الحور العين بأنهن الزوجات الصالحات في الدنيا، وأنكر وجود الحور العين كما هو رأي جمهرة العلماء.
والحق عندي أن د. الترابي تبنى آراء شاذة مخالفة للكتاب والسُّنة وإجماع العلماء، هذا من الناحية الفقهية، فقد أساء أكثر مما أحسن، وغلط أكثر مما أصاب، ولعل للرجل حسنات في مجالات أخرى لست أحسن الحديث عنها، بل يتحدث فيها أهلها من المتخصصين.>
وترجَّل
الفارس الترابي
أ.د. فؤاد البنا
من بلاد النور انبعثت روحه، ومن شرق السودان سطعت شمسُه، ومن بلاد الخير انبجست نفسُه، فقد ولد في كسلا من أسرة متدينة، أورثته حبّ هذا الدين العظيم، وربّته على مكارم الأخلاق، ونفخت فيه روح التطلّع للمعالي والعشق للأمجاد.
انطلق كالطّود الأشَمّ يُسابق الزمن ويسبق الأقران، وكان فارساً لا يُشقّ له غبار، ولا غرابة أن تسميه الأقدار بـ «الترابي» وغُبار نقْعه شديد التسحُّب، حيث تنقّل بين المعتركات والمعارك، وترحّل بين الثغور والجبهات.
لقد ركب طبَقاً عن طبق، وتنقّل بين الابتلاءات، إذ هفت نفسه إلى صناعة الأمجاد واجتراح المآثر، فدخل السجون وانساب في القصور، وتنقّل بين ضفاف الأفكار والأفعال، وبنى جسور التلاقي بين شواطئ الأصالة والمعاصرة، وحلّق بمهارة النحلة بين محاضن الثقافة التقليدية ومجامع الثقافة التحديثية، ومنها أعرق جامعتين في أوروبا؛ أوكسفورد، والسوربون.
وقد أتقن العربية الفصحى بدون تكلّف أو إغراب، ووضع لنفسه قاموساً مميزاً دفع كثيرين لمحاولة السير في ركابه، ونافس الإنجليز والفرنسيين والألمان في لغاتهم، وأتقن استثمار اللغات الأربع كتابة وخطابة، محاضرة ومحاورة!
لم يَزده الترحُّل بين المتقابلات والتنقّل بين المتناقضات، إلا يقيناً بأن هذا الدين هو الدواء الناجع من معضلات الغياب التي حلّت بالمسلمين، وأنه المخرج من الهاوية التي تعترض مسيرة الحضارة الغربية، ولذلك زاد تشميره عن ساعد الجدّ، وضاعف ائتزاره بهمّة الإرادة، ومضى في تثويره لملكات العقل وطاقات الروح، في سبيل تحقيق البعث المنشود وإنجاز اليقظة المأمولة.
ولأنه فارس مغوار فقد كان شجاعاً مقداماً، ولذلك لم يتردد في الثورة على التقاليد الراكدة، وفي الخروج على المألوف الموروث، ولم يرهب السّير عكس التيار الاجتماعي الهادر.
لقد عشق الإسلام حتى الثّمالة، وأَحبّ هذه الأمة حتى الذّروة، ولذلك وضع نفسه تحت إمرة هذا الدين، وحاول بكل ما أوتي من فكر وما امتلك من فعل، أن يُقرب الفجوة بين ما تعتقده مجتمعاتنا وما تمارسه، فنزل بالفكرة من علياء التنظير الصعب التحقيق، وارتفع بالممارسة العملية فوق أقذار الواقع، وِفْق استطاعات الناس، وحسب ما سمحت به الموازنات الإقليمية والدولية المختلّة.
لقد ظل كبيراً في فكره وفعله، عظيماً في تأليفه للكتب والرجال، سامقاً في أخلاقه ومبادئه، باسقاً في آماله وأحلامه، طموحاً في تخطيطه وإستراتيجياته، وكان سريعاً في تنقلاته دون حرق للمراحل، سابقاً لغيره بمراحل.
ومن كان هذا شأنه وشأوه، وعاش عمراً مديداً وسط بيئة زاخرة بالجهل والتقاليد، وعاجّة بالمتربصين والمتآمرين، فلا شكّ أنه سيكون ذا أخطاء عديدة، لكنها تظل أخطاء اجتهادية مغفورة، بل مأجورة ما دام قد بذل الجهد واستفرغ الوُسْع، ويظل كل إنسان يُؤخذ منه ويُرد باستثناء المعصوم صلى الله عليه وسلم، كما هو معلوم.
وبوفاة الشيخ الترابي طُمر بدنه تحت الثرى، لكن روحه انطلقت نحو الثريا بجانب أرواح الغزالي، وابن تيمية، وابن القيم، والشوكاني، والنورسي، والبنا، حيث سيظل بأفكاره الهادية فرقداً ينير عتمات العقول الحائرة، ويهدي الأرواح الهائمة إلى أن يشاء الله تعالى.>
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل