العنوان أدب: (العدد 583)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أغسطس-1982
مشاهدات 74
نشر في العدد 583
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 17-أغسطس-1982
رسالة قارئ
رسالة الأخ محمد بن أبي عمر من المدينة المنورة حافلة بأسئلة حيوية وجادة، وسنكتفي بسؤاله الأول لنعالجه هنا، ونعده بالرد على بقية الأسئلة في عدد آخر إن شاء الله، يقول: إن حوارًا دار بينه وبين أحد القبانيين العاشقين لنزار قباني!! رغم أنه مؤمن ولكن العصمة لله ولرسوله، وقد زعم المحاور أن مؤلفات القباني فيها الغث والسمين، وعلى صاحبنا -القارئ الكريم- أن يعود إليها ويأخذ الصالح منها ويترك الخبيث، ومع أن صاحبنا لم يقرأ لنزار فهو يطلب فكرة عنه، ونقول له: أيها الأخ الكريم، إن صاحبك هذا -رغم إيمانه- يأخذ بالجزئيات ويتعامى عن الكليات، منجرًا وراء هوى نفسي، فالقباني بمجمله فاسد، لأنه خال من المضمون الفكري النقي، وكل كتاباته السابقة شعرًا ونثرًا لا تخرج عن كونها أحاسيس وأفكار شاعر أسرته النظرة الجنسية إلى المرأة، ولم يستطع أن يقدم بديلًا حضاريًا لما يرى حسب زعمه من إجحاف بالمرأة، فملأ الدنيا صراخًا بأنه شاعر المرأة ومحررها، واستغل براعته الشعرية وهو شاعر مِفَنّ، ليضفي ثوبًا شفافًا على دعوته تلك التي خدعت صاحبك هذا وغيره كثير للأسف، يمكنك إذا كنت صاحب أرضية فكرية صلبة أن تقرأ مؤلفات القباني وهي مبذولة لتكشف بنفسك تهافت دعوته وعرض ادعائه ودعواه، وللأسف فإن النقد الإسلامي إلى الآن لم يكشفه تمامًا، وإن كنا قد رصدناه في عدة حلقات سابقة على صفحات المجتمع يمكنك الرجوع إليها وأهلًا بك دائمًا.
أخوك
تحت الراية
شاعر من مصر
د/ يوسف القرضاوي
فارس هذه الحلقة، مقاتل قديم جمع إلى قوة البيان، نصاعة الفكرة، وصلابة العقيدة واتسعت الساحة أمامه فكان له جولات في عالم النثر أيضًا.
ولد شاعرنا في قرية من محافظة الغربية بمصر عام 1926م، ودرس فيها وحفظ القرآن وهو في العاشرة، وقد درس في معهد طنطا الديني وتابع دراسته في القاهرة في كلية أصول الدين، وحضر رسالته للدكتوراة عن الزكاة في الإسلام، وحصل على شهادتها عام 1973م بعد معوقات قاسية بسبب تردي الأوضاع السياسية بمصر، ومنذ عام 1961م عمل في قطر مديرًا لمعهدها الديني الناشئ إلى عام 1973 ثم انتقل إلى قسم الدراسات الإسلامية في الجامعة ليعمل رئيسًا له وأستاذًا به إلى الآن.
للقرضاوي شعر كثير، ولكن أغلبه ضاع خلال المحن التي تعرض لها الإسلاميون في مصر، وما أكثرها، ومع ذلك بقي لشاعرنا شعر كثير لم يجمعه ديوان ولكنه منثور في حنايا المجلات الإسلامية.
ويمتاز الشاعر بنفسه الملحمي الطويل مما يدل على شاعرية فياضة وطبع سخي، وقد طرق في الشعر أبوابًا عدة منها: التأمل، والوطنية، والحماسة، والملحمة، والنشيد، والمسرح، والقصة، ويمتاز شعره بالسلاسة، والتدفق، وصدق الإحساس، والتصوير، وروح العالم.
نموذج من شعره:
نختار للشاعر بعض الأبيات من ملحمته التي اشتهر بها، وهي الملحمة النونية التي نظمها في السجن الحبي أثناء محنة 1954م وقد جاءت في 294 بيتًا سجل الشاعر فيها أحداث هذا السجن الرهيب، وقيمتها في أنها -بالإضافة إلى تصوير المأساة المتكررة في كل يوم- تؤكد على ثبات المؤمن المجاهد في وجه الأعاصير وفي أنها وثيقة أمل حية في طريق المجاهدين.
نموذج من شعره
يا أيها المغرور في سلطانه
أمن النُضار خلقت أم من طين؟
يا من زرعت الشر لن تجني سوى
شر وحقد في الصدور دفين
سيزول حكمك يا ظلوم كما انقضت
دول أولات عساكر وحصون
ستهب عاصفة تدك بناءه
دكا... وركن الظلم غير ركين
هل عدت، إلا بالهزيمة مرة
وربحت غير خسارة المغبون؟
وحفرت في كل القلوب مغاورًا
تهوى بها سفلًا إلى سجين
وبنيت من أشلائنا وعظامنا
جسرًا به نرقى لعليين
وصنعت باليد نعش عهدك طائعًا
ودققت إسفينًا إلى إسفين
وظننت دعوتنا تموت بضربة
خابت ظنونك فهي شر ظنون
بليت سياطك والعزائم لم تزل
منا كحد الصارم المسنون
إنا لعمري إن صمتنا برهة
فالنار في البركان ذات كمون
تالله ما الطغيان يهزم دعوة
يومًا، وفي التاريخ برّيمين
ضع في يدي القيد، ألهب أضلعي
بالسوط، ضع عنقي على السكين!
لن تستطيع حصار فكري ساعة
أو نزع إيماني ونور يقيني!
فالنور في قلبي.. وقلبي في يدي
ربي... وربي ناصري ومعيني!
سأعيش معتصمًا بحبل عقيدتي
وأموت مبتسمًا ليحيا ديني!
بيروت في القلب
أبو ماجد
يا ملهم الشعر ماذا يصنع الشعر؟
وما القوافي إذا ما أطبق العهر؟
وما التداوي إذا قومي بهم صمم
عن كل مفخرة أضحى لهم عذر
ماتت حميتهم مذ قال سادتهم
يكفي فخامتنا الكرسي والقصر
ما لي رأيت رجالًا لا تحركهم
مذابح الشعب والتدمير والأسر
كأن بيروت ليست من عواصمهم
أو أن أبناءها عن أمتي نكر
أين الصمود الذين قلتم به زمنا؟
أين التصدي وأين المجد والفخر
كم يحزن المرء أن تبقى عواصمنا
وهمًا وليس لها من أمرها أمر
يا للعواصم قد ناءت كواهلها
وعمها الضعف والإذلال والقهر
انظر فكم «أسد» يرقى مقاعدها
تخزي لموقفه الأعراب والحضر
ما هم سوى نفر باعوا ضمائرهم
إلى العدو فلا يرجى بهم نصر
حب ودفء وشهادة
بدأ الليل يرخي سدوله على المدينة البتول، هدأت الحركة وعم السكون فلا تسمع إلا صرير الرياح يطرق الأبواب، يأخذ بالأشياء يلقي بها هنا وهناك، كانت ليلة شديدة البرودة فالثلج يتساقط ليكسو الأرض حلة بيضاء فيزيدها نقاء وصفاء، والناس أووا إلى فرشهم بعد عناء يوم طويل وعلى شفاههم تمتمات بما سيحمله اليوم التالي من مفاجآت حزينة ومجازر جديدة على أيدي جلادي البلد المنكوب.
كانت الأم قلقة على مستقبل طفليها المجهول، فها هي قد فقدت زوجها واثنين من إخوتها على أيدي تتار العصر الحديث، ولم يبق لها سوى طفليها الصغيرين اللذين ما زالا في عمر الورود، تساقطت دموعها الغزيرة تبث الشكوى إلى الله مما حل بهذه البلد الآمنة، وأخذت تلقي نظرات على ولديها، وكأنها نظرات وداع، بينما أخذت يداها الحانيتان، تتحسسهما برفق وحنان وأخذت ترسم قبلات حارة على وجنتيها، لقد أحست أن طفليها سيكبران وسيكونان مثل أبيهما رجولة ودعوة وفداء. وانتبهت الأم من إغفاءتها على دقات الساعة، تشير إلى ابتداء الثلث الأخير من الليل، موعدها مع صلاة التهجد والوقوف بين يدي الله في هدأة الليل وصفائه.
وإذا بصوت عيارات نارية وقذائف صاروخية تنهال كالمطر على البيوت الآمنة لتحول هدوء الليل إلى ضجيج وصراخ ودماء وأشلاء.
يستيقظ الطفلان ويمتلكهما الفزع والهلع على صوت أمهما مقرونًا بهدير الدبابات وأصوات القنابل، وإذا بالأم مضرجة بدمائها يستنجد الطفلان ولا مجيب، يبحثان عن شيء ينقذان به أمهما، فكرة خاطفة تلوح بأفق الصغير فينادي: الدكتور، هيا إلى صديق أبي، يركضان بسرعة، وإذا بجنود السرايا يطلقون النار في كل اتجاه ويختفي الصغيران وراء جدار...
يمضي الزمان ببطء، يهمس الصغير بأذن أخيه: البرد آلمني!! ويسرع الأخ ليضم أخاه وليعطيه شيئًا من الدفء يمضي الليل، يتوقف تساقط الثلج وترسل الشمس أشعتها الذهبية على جثتين هامدتين تتعانقان إلى الأبد!
ابن أم الفداء
أبو مصعب
خواطر:
انتحار شاعر؟!
أفرز الغزو الإسرائيلي للبنان على المستوى الأدبي حادثين لهما دلالة بعيدة، الأول منهما هو اعتقال بعض الشعراء، والثاني انتحار شاعر معروف هو خليل حاوي صاحب عدة دواوين، والمدرس بالجامعة الأمريكية ببيروت. وجاء في الأخبار أن الشاعر أطلق النار على نفسه منذ اليوم الأول للغزو الصهيوني تاركًا خلفه الصمت صرخة احتجاج وإدانة للواقع العربي المأساوي.
الحادثة في حد ذاتها ليست غريبة ولا بعيدة الوقوع، لأنها تحمل في أرجاء العالم الأربعة على مدار الساعة، ولا غرابة في أن المنتحر شاعر، ولكن الغرابة كلها في الأصداء التي تركتها الحادثة وردود الأفعال المختلفة عنها.
صحفي لبناني مهاجر كتب في مجلته «الشجاع الوحيد بيننا كان شاعرًا اسمه خليل حاوي - برصاصة واحدة أنهى حياته وذهب، ونحن لا نملك الشجاعة سوى أن نبتلع رقائق الذل.. لا نخجل من أنفسنا.. لا نستحي!!».
وقال صحفي سوري: «خليل أنت أصدقنا وأصفانا وأنقانا وأخلصنا نحن الجبناء العجزة!! الراضون بخبزنا الأسود ودمعنا الأسود!! نحن الندابون على طريقة العجائز.. نحن الذين لا نقدر على قول كلمتنا!!؟؟ نحن الذين نستجدي خبزنا اليومي من يد المذلة والاستكانة والمهانة.. ».
وآخر كتب هنا في جريدة محلية: «الانتحار دليل على مدى صدق شاعرنا مع نفسه، صحيح أنه غارق في الفلسفة الوجودية حتى أنها صبغته بألوانها السود، إلا أنه مرهف الحس عميق الثقافة، ولذا فإن مأساة شعبنا في لبنان قد أفقدته البقية الباقية من ثقته بالحياة».
وكتب كاتب لبناني في وصفه: «جبلي عنيد لا يعرف المساومة، عشرته صعبة على بعضهم لأنه لا يجامل.. ويؤسفني أن يكون خليل قد لقى ظلمًا كبيرًا على أيدي حملة أقلام تافهين وجدوا سبيلًا إلى النشر في الصحف فجعلوا من أنفسهم شعراء، ونقادًا بالقوة وهو يقول في أمثالهم: «مهنة التمسيح في الفندق لا يبرع فيها غير أشباه الرجال!!».
وأخيرًا قال المحرر الأدبي لمجلة لبنانية مهاجرة: «خليل حاوي انتحر إذ دق باب الموت بعنف وغضب، كأنه يشكو للعالم الآخر عدم قابلية هذا العالم للإصلاح!!».
إن نظرة متفحصة في هذه المقتطفات لتدل إلى أي مدى سطحي ومتخلف انحدرت أفكار بعض المثقفين وأقلامهم، فالفكر الذي يعتبر الانتحار شجاعة وخلاصًا وإدانة للواقع وجرأة في القول.. فكر مهزوم داخليًا لأنه في حقيقة الأمر مأزوم إلى حد الاختناق.
الانتحار مهما كان الدافع، ليس أكثر من عملية هروب جبانة من مواجهة الواقع، حرمته الشرائع ورفضته القوانين. والذي نراه أن الشاعر كان محكومًا بعدة أسباب دفعته إلى الموت أقلها إنه تنقل فكريًا وسياسيًا من القومية السورية إلى القومية العربية والفلسفة الوجودية، راكبًا موجة التجديد الشعري، تائهًا مع التائهين إلى أن تلاشى تمامًا..
ونرجو أن نقدم للقارئ الكريم نظرة في شعره وفكره في العدد القادم إن شاء الله، ليمسك بنفسه مفاتيح الأسباب التي أدت إلى انتحاره.
عابر
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل