العنوان دِرَاسَات في السيرة ابن إسحاق وتدوين السيرة
الكاتب محمد النايف
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أكتوبر-1974
مشاهدات 67
نشر في العدد 220
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 01-أكتوبر-1974
• ابن إسحاق أمير في الحديثْ وكُتّاب السيرة عِيَال عليه.
• شهادة أعداء الإسلام بسلامة السيرة النبوية من كل دس و تشويه.
أبو بكر محمد بن إسحاق بن يسار بن جبار بن كونان، المطلبي بالولاء، صاحب المغازي والسير.
كان جده يسار مولی قیس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف القرشي، سباه خالد بن الوليد من عين التمر، وكان محمد المذكور ثبتًا في الحديث عند أكثر العلماء، وأما في المغازي والسير فلا تجهل إمامته.
ولد في المدينة عام «٨٥» مـــن الهجرة، وتوفي في بغداد عام ١٥١ هـ، وكان محمد بن إسحاق قد أتى أبا جعفر المنصور، وهو بالحيرة، فكتب له المغازي فسمع منه أهل الكوفـــة بذلك السبب. «۱»
ولقد رأى ابن إسحاق أنس بـــن مالك، وابن المسيب، وروى عــن سعيد بن أبي هنــد، والمقبري، وعطاء، ونافع والأعرج وأبيه وعميه، والزهري ومكحول وابن عقبـة.
وروى عنه الحمادان، وإبراهيم بن سعد، وزياد البكائي، وسلمـــي الأبرش، ويزيد بن هارون وخلق.
ومعظم الأئمة من العلمــاء وثقوا ابـــن إسحاق:
- قال ابن شهاب الزهري: من أراد المغازي فعليه بابن اسحــاق، وذكر الساجي أن أصحاب الزهري كانوا يلجؤون إلى محمد بن إسحاق، فيما شكوا فيه من حديث الزهري، ثقـــةً منهم بحفظه.
- وذكره البخاري في تاريخه ووثقه، ولم يذكره في كتاب الضعفاء له.. وحسب ابن إسحاق توثيق الإمـــــام البخاري، الذي امتاز بشدته في توثيق الرجــــال.
- وكذلك استشهد مسلم بخمسة أحاديث لابن إسحاق ذكرها فــــي صحيحه .
- وروي عن الإمام الشافعي رضي اللـه عنه أنه قال: من أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على ابن إسحاق.
- وقال سفيان بن عيينه: مــــا أدركت أحدًا يتهم ابن إسحــــاق فــي حديثه.
- وقال شعبة بن الحجاج: محمد بن إسحاق أمير المؤمنين «يعني في الحديث»، وروى يزيد بن هارون عن شعبة أنه قال: لو كان لي سلطـــان، لأمرت ابن إسحاق على المحدثين.
- وقال ابن معين: «ابن إسحاق ثبت في الحديث».
- وقال أبو زرعة: «قد أجـمع الكبراء من أهل العلم على الأخذ منه» ثم قال: سألت يحيى بن معين عن ابن إسحاق، هو حجة؟ قال: هو صدوق الحجة عبيد الله بن عمر والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز.
- وقال يعقوب بن شيبة: سألت يحيى بن معين كيف ابن إسحاق؟ قال ليس بذاك. قلت: ففي نفسك مـــن صدقه «شيء»؟ قال: لا، كان صدوقًا.
- وقال الذهبي:... فالذي يظهر لي أن ابن إسحاق حسن الحديث، صالح الحال صدوق، وما انفرد به ففيه نكارة وقد احتج به أئمة، فالله أعلم. «۲»
وروى لابن إسحاق أبـــــو داود والنسائي وابن ماجه، وصحح له الترمذي. «۳»
المجروحون لابن إسحاق:
طعن الإمام مالك فيه لأنه بلغه عنه أنه قال: هاتوا حديث مالك فأنا طبيب بعلله، فقال مالك: وما ابن إسحاق؟ إنمــا هو دجال من الدجاجلة، نحن أخرجناه من المدينة يشير -واللـه أعلم- أن الدجال لا يدخل المدينة. «٤»
ولما بين مالك وابن إسحاق مـــن أحن شخصية، لم يعول علماء الجرح على رأي أحدهما بالآخر.
وجرحه هشام بن عروة لما سمع أنه يروي عن فاطمة بنت المنذر بن الزبير، وهي امرأة هشام بن عروة بن الزبير، فأنكره هشام وقال: أهو كان يدخل على امرأتي؟
ورد الذهبي على رواية هشــــام قــــال:
«قد أجبنا على هذا، والرجــل فما قال أنه رآها، أفبمثل هذا يعتمد على تكذيب رجل من أهل العلم؟! هذا مردود».
والحق ما قاله الذهبي، فالصحابة -رضوان اللـه عليهم- رووا عن عائشــة رضي اللـه عنها، ولا يقتضي ذلك أنهم رأوها.
وهناك طائفة من العلماء أخذوا علي ابن إسحاق أنه كان يضع فــــي السيرة شعرًا مصنوعًا «الدار قطني» مع هذا يقولون إنه صالح الحديث.
ووردت رواية لأحمد بن حنبل بتوثيق ابن إسحاق والاحتجاج بحديثه، في حين وردت له رواية أخرى يصفه فيها بأنه مدلس.
وكان ابن إسحاق يرمي بالقدر، ويرد على هذه الرواية محمد بن عبد الله بن نمير، فيقول: «كان ابن إسحاق يرمي بالقدر وكان أبعد الناس منه، ثم قال إذا حدث عن المعروفين، فهو حسن الحديث صدوق وإنما أتى من أنه يحدث عن المجهولين أحاديث باطلة».
ومعظم الذين يجرحون ابن إسحاق يأخذون عليه أنه كان يأخذ روايــات أهل الكتاب، دون أن يمحصها، وكان يقول: حدثني بعض من يسوق أحاديث الأعاجم من أهل الكتاب. «٤»
وأخذ الإسرائيليات كان في أواخر أيام الرسول صلى اللـه عليه وسلم، فلقد روى البخاري في صحيحه عــــن عمـرو بن العاص رضي اللـه عنه، أن رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلـم قال:
«بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، وحدثوا عني ولا تكذبوا علي، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار».
ولا بأس من أخذ الإسرائيليات، دون أن تصطدم بنص شرعي من كتاب اللـه وسنة رسوله.. وهي روايات نأخذها دون أن نصدقها أو نكذبها.
وإذا أبعدنا من السيرة الشعـــر والإسرائيليات -وليس لهما تأثير على وقائع سيرة رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم- فيبقى ابن إسحاق ثقة عند جميع العلماء، ولا يضيره ما كان بينه وبين بعض علماء عصره مـــــن خلافات.
تدوين السيرة بعد ابن إسحاق
بعد ابن إسحاق شهدت السيرة عصرها الذهبي من العناية والتدوين، مع مراعاة التحقيق العلمـــــي، و الاختصاص الموضوعي.
وقام عبد الملك بن هشام الحميري الذي توفي بمصر عام ۲۱۳، بتهذيب وتحقيق سيرة ابن إسحاق، وقد قال ابن هشام في مقدمة كتابه بأنه سيترك أشعارًا ذكرها ابن إسحاق، لـــــم أر أحدًا من أهل العلم بالشعر يعرفها، وأشياء بعضها يشنع الحديث به، وبعض يسوء بعض الناس ذكـــره، وبعض لم يقر لنا البكائي بروايته، ومستقص -إن شاء اللـه تعالى- سوى ذلك منه بمبلغ الرواية لــــه والعلم به. «٥»
وإذن فابن هشام أخذ سيرة ابن إسحاق عن عدد من طلابه، كان منهم البكائي، وتحاشى كثيرًا من الشعر، وبالتالي اعتمد التحقيق العلمي، طريقةً له في كتابه الذي نسب إليه، لما له من أثر فعال فيه.
وسبق ابن هشام زياد البكائي المتوفى سنة ١٨٢ هـ، والواقدي المتوفى سنة ٢٠٧ هـ، وألفا في المغازي.
وبعد ابن هشام غلب طابع التخصص على المؤلفين، فابن سعــــد سنة ٢٣٠ في طبقــات الصحابة والتابعين، والطبري والبخاري في التاريخ، والبيهقي وابن قتيبة فـي دلائل النبوة، والترمذي والقاضي عياض في الشمائل- أي ذكر أخلاق النبي صلى اللـه عليه وسلم وعاداته وفضائله، وما كان يعمل في يومه وليله.
وما زالت السيرة تحظى بعناية العلماء الأعلام حتى يومنــــا هــذا، وتعهدها اللـه بالحفظ، وأبعد عنها كل تغيير وتحريف.
ومن خلال هذا العرض الــــذي أثبتنا فيه أن سيرة الرسول صلـى اللـه عليه وسلم، بدأ تدوينها منذ حياته صلى اللـه عليـه وسلـم، وبطريقة علمية نادرة جمعت ما بين صحة الرواية ومعرفة الراوي.. من خلال هذا العرض تتضح لنا الحقائق التالية:
توفيق اللـه للمسلمـــين في حفـظ سيرة نبيهم صلى اللـه عليه وسلم:
فالصحابة -رضوان اللـه عليهـم- امتازوا بذاكرة نادرة في حفظ وقائع السيرة، وخاصة أقوال الرســــــول «ص» وأفعاله.. ومن بين الصحابة نفرت طائفة لخدمة حديث رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم، ومن هــــذه الطائفـــة كانت عائشة الصديقة زوج رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلــم، وخدامه كأبي هريرة وأنس، وابــن عمه عبد اللـه عباس.. ولقد مـــد اللـه في آجالهم ليأخذ عنهم التابعون.
فأنس بن مالك توفي عــــام ٩٣ هـ، وجابر بن عبد اللـه سنة ٧٨ هـ، وأبو سعيد الخدري عام ٧٤ هـ، وعبد اللـه بن عمر عام ٧٣هـ، وعبد اللـه بن عباس ٦٨ هـ، وأبو هريرة عــــــام ٥٩ هـ، وعائشة الصديقة عام ٥٨ هـ.
وعنهم أخذ التابعون كعروة بـــن الزبير، وابن شهاب الزهري، ووهب بن منبه، وأبان بن عثمان، وعبد اللـه بن أبي بكر بن حزم، وعن هؤلاء التابعين أخذ البكائي وابن إسحــاق، وعنهم أخذ ابن هشام. «٦»
وهكذا فسيرة رسول اللـه صلـى اللـه عليه وسلم، نقلت إلينـا عــن طريق جمع من الصحابة إلى جمع ثقاة من التابعين، إلى جمع ثقاة من تابع التابعين، مع ملاحظة أن تدوينها بدأ منذ حياة رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم.
وهذه الحقيقة تدحض مزاعم أعداء الإسلام من المستشرقين، الذين يزعمون أن تدوين السيرة بدأ في القرن الثالث من الهجرة، بعد وفاة جميع الذيـــن عاصروها ونسيان كثير من الحوادث، ونقلها بصورة مبالغ فيها.
والخير ما شهدت به الأعداء
كانت جهود المؤرخين من المسلمين جبارة في جمع السيرة، فالزهــري رضي اللـه عنه كان يطوف على بيوت الأنصار في المدينة، ويغشي كل بيت منها، ويسأل عن أحاديث النبي صلى اللـه عليه وسلم وهديه وسيرته، كل من يلقاه من نساء ورجال وشيوخ وشباب، حتى كان يسأل العواتق في خدورهن عن أحوال النبي صلى اللـه عليـه وسلم وأقواله ويكتبه. «7»
هذه الجهود الرائعة شهد بها غير المسلمين، من الذين يحملون في نفوسهم كيدًا علــــى الإسلام، ولا يقصرون في إبعاد الناس عنه والنيل منــه.
الفتية صورة الغد الباسم.. وريت وفي صحوة ضمائرهم، سجلـــــــوا الشهادات التالية:
كتب العالم الألماني المعـــروف الدكتور سبرنكر كان سنة ١٨٥٤، کتابًا في سيرة محمد صلى اللـه عليه وسلم، ومع أنه كان متحاملًا في كتابه، إلا أنه قال في مقدمته بالإنجليزية على كتاب الإصابة المطبوع في كلكته سنة 1853 - 1864:
«لم تكن فيما مضى أمة من الأمم السالفة، كما أنه لا توجد الآن أمة من الأمم المعاصرة، أتت في علم أسماء الرجال، بمثل ما جاء به المسلمون في هذا العلم العظيم الخطر، الذي يتناول أحوال خمسمـــــائة ألف رجــــــل وشئونهم».
وألقى ریورند باسورث سمیـــت «عضو كلية التثليث في أوكسفورد» سنة ١٨٧٤ محاضرات عن محمد والمحمدية، في الجمعية الملكية لبريطانيا، طبعت فيما بعد في كتاب، وقد قال في إحدى هذه المحاضرات:
«كل ما يقال في الدين يغلب فيه الجهل ببدايته، ومما يؤسف له أن هذا يصح إطلاقه على الديانات الثلاث «بوذا وكونفوشيوس وزردشت»، وعلى أصحابها الذين نعدهم تاريخيين، لأننا لا نعلم لهم وصفًا أحسن مـــن هذا الوصف، فإننا قلما نعلم عن الذين كانوا في طلائع الدعوة، والذي نعلمه عن الذين جاءوا بعدهم واجتهدوا في نشر عقائدهم، أكثـــر من الــــذي نعلمه عن أصحاب الدعوة الأولين.
فالذي نعلمه من شئون زردشــــــت وكونفوشيوس، أقل من الذي نعلمـــه عن سولون وسقراط. والذي نعلمه عن موسى وبوذا، أقل مما نعلمه عن أمبرس وقيصر. ولا نعلم عن سيرة عيسى إلا شذرات، تتناول شعبًــــا قليلة من شعب حياته المتنوعة
والكثيرة. ومن ذا الذي يستطيع أن يكشف لنا الستار عن شئون ثلاثين عامًا، هي تمهيد واستعداد للثلاثة أعوام التي لنا علم بها من حياته. إنه بعث ثلث العالم من رقـــدته، ولعله يحيي أكثر مما أحيا، وحياته المثالية بعيدة عنا مع قــــربها منا، وأنها تتراوح بين الممكن والمستحيل.
بيد أن كثيرًا من صفحاتها لا نعلم عنها شيئًا أبدًا، وما الذي نعلمه عن أم المسيح، وعن حياته في بيته، وعيشته العائلية وما الذي نعلمه عن أصحابه الأولين، وحواريه، وكيف كان يعاملهم، وكيف تدرجت رسالته الروحية في الظهور، وكيف فاجأ الناس بدعوته ورسالته؟! وكم من أسئلة تجيش في نفوسنا، ولن يستطيع أحد أن يجيب عليها إلى يوم القيامة!
أما الإسلام فأمره واضح كله، ليس فيه سر مكتوم عن أحد، ولا غمة ينبهم أمرها على التاريخ. ففي أيدي الناس تاريخـــه الصحيح، وهم يعلمون من أمر محمد صلى اللـه عليه وسلم، كالذي يعلمونه من أمر لوثر وملتن. وإنك لا تجد فيمـا كتبه عنه المؤرخون الأولون أساطيـر ولا أوهامًا، ولا مستحيلات، وإذا عرض لك طرف من ذلك، أمكنك تمييزه عن الحقائق التاريخية الراهنة، فليس لأحد هنا أن يخدع نفسه أو يخدع غيره، والأمر كله واضح وضـــوح النهار، كأنه الشمس رأد الضحى، يتبين تحت أشعة نورها كل شيء». «8»
ويقول كارليل:
«لقد أصبح من أكبر العار على كل فرد تمدن من أبناء هذا العصر، أن يصغي إلى ما يظن من أن دين الإسلام كذب وأن محمدًا خداع مزور.
إن الرجل الكاذب لا يقدر أن يبني بيتًا من الطين، وعلى ذلك فلسنا نعد محمدًا قط رجلًا كاذبًا متصنعًا، يتذرع بالحيل والوسائل إلى بغيته، أو يطمع إلى درجة ملك أو غير ذلك من الحقائر والصغائر.
وما الرسالة التي أداها إلا حقًا صراحًا.. وما كلمته إلا صوت مــن أعماق المجهول.. إن محمدًا قطــعة من الحياة، فإذا هي شهاب قد أضاء العالم أجمع». «9»
وقال برنارد شو:
«إن العالم اليوم أحوج ما يكون إلى رجل في تفكيره مثل محمد.. إنه دين خالد خلود الأبد.. وإني أرى كثيرًا من بني قومي قد دخلوا هذا الدين على بينة، وسيجد هذا الدين مجاله الفسيح في القارة «يعني أوروبا» عقب هذه الحروب، وإذا أراد العالم النجاة من شروره فعليه بهذا الدين». «10»
هذا الكلام نسوقه على أنه من شهادة العدو، بسلامة طريقنا، ونحن بعد ذلك مؤمنون بديننا، متمسكون بكل ما جاء في الإسلام.. وقناعتنا نأخذها من إيماننا بالله الـــذي لا يتزعزع، لا من قــــــول المستشرقين الذين يمدحون محمـــدًا ودينه، ويستمرون فيما هم عليه من شرك وإلحاد. ونطمع -إن شـــاء اللـه- أن يأتي ذلك اليـــوم الذي ندعوهم فيه للإسلام بكل ثقة وإيمان، وكلنا يقين أن لا سعادة للبشرية إلا في ظل الإسلام.
* * * * * * * * *
1- 4 - وفيات الأعيان: ابن خلطان : 3/ 406.
2- ميزان الاعتدال: 3/ 468 - 475.
3- تهذيب التهذيب: 9/ 38.
4- الإسرائيليات: 196 عن تهذيب التهذيب.
5- الروض الأنف: السهيلي: 1/ 23.
6، 8- الرسالة المحمدية: سليمان الندوي ص 74.
7- الرسالة المحمدية عن «تهذيب التهذيب ترجمة الزهري».
9- سيرة سيد المرسلين:1/ 8: محمود الحسيني.
10- سيرة سيد المرسلين: 1/ 15: محمود الحسيني.
الرابط المختصر :