; د. عبد الصبور شاهين.. «جامعة العلم والفكر والدعوة» | مجلة المجتمع

العنوان د. عبد الصبور شاهين.. «جامعة العلم والفكر والدعوة»

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 02-أكتوبر-2010

مشاهدات 73

نشر في العدد 1921

نشر في الصفحة 11

السبت 02-أكتوبر-2010

رحل الدكتور عبد الصبور شاهين (۱۹۲۹/۳/۱۸م ٢٠١٠/٩/٢٦م) في هدوء، ودفن في صمت بعد ٨٢ عامًا ملأها دعوة إلى الله وفكرًا وعلمًا وحركة، وأنجز خلالها أكثر من سبعين مؤلفًا في مختلف العلوم، وتخرج على يديه آلاف من طلاب العلم في كلية دار العلوم التي تخرج فيها وعمل بها طيلة حياته العلمية، وقد تعلق به عشرات الآلاف من المشاهدين والمتابعين والمصلين الذين نهلوا من علمه الغزير خلال خطابته لمدة طويلة في جامع عمرو بن العاص أعرق وأقدم مساجد مصر - وغير برنامجه التلفزيوني الأسبوعي في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. 
وقد حباه الله ينعم كبرى في العلم والدعوة والثقافة والفكر، وكان بحق أهلًا لها، فقد حفظ القرآن الكريم كاملًا وهو في السابعة من عمره في منطقة الإمام الشافعي التي ولد ودفن في مقابرها، وصار من أبرز علماء، اللسانيات في اللغة العربية، وكان من توفيق الله له التحاقه بدعوة الإخوان المسلمين حيث اغترف من معينها الإسلامي الصافي وناله ما نال قادتها من عسف وعنت على أيدي عبد الناصر.
رجل من الله عليه بالعلم الواسع والثقافة الموسوعية، والدعوة إلى الله على أصولها، فصاغت منه عالمًا ومفكرًا وداعية عالميًا من الطراز الأول، فكان بحق من صناع الصحوة الإسلامية الأوائل وكان جامعة متكاملة ومتحركة بين الناس وبحرًا زاخرًا بدور العلم.

وأستطيع القول إن د. عبد الصبور شاهين هو صاحب إنجازات تاريخية كبرى في ميادين العلم والفكر والثقافة وذلك يتمثل فيما يلي أولاء استطاع أن يقيم أحد الجسور الثقافية المهمة بين المشرق والمغرب العربي، فقد قدم للمكتبة العربية ترجمة معظم أعمال المفكر الجزائري المسلم العملاق مالك بن نبي من اللغة الفرنسية التي كان يجيدها تمامًا إلى اللغة العربية، وقدم بذلك مالك بن نبي إلى الجماهير المصرية والعربية في الشرق. 
ثانيًا: حول بيته إلى محراب علمي شارك فيه زوجته الفاضلة في تأليف موسوعة أمهات المؤمنين .. وصحابيات حول الرسول، التي صدرت في مجلدين.
ثالثًا: عند ظهور الكمبيوتر لأول مرة كان هو صاحب تعريب اسمه إلى العربية تحت اسم حاسوب .. والذي أقره مجمع اللغة العربية.
رابعًا استثمر العملاق الكبير ما لديه من ثروة ضخمة في الفكر والعلم خير استثمار حيث أوقفها طوال حياته للذود عن الإسلام ضد حملات الزيف والتضليل التي يشنها التيار العلماني بدرجاته المتفاوتة ولم تكن منازلة التيار العلماني - حتى الآن - سهلة، ليس لأن بضاعته في الفكر أصيلة، ولا لأن أدواته فذة، ولكن لأنه متحصن بمؤسسة الحكم التي تعده من إحدى أدواتها المهمة في ضرب وعرقلة التيار الإسلامي الأصيل، فمؤسسة الحكم في معظم بلادنا العربية تعقد حلفا غير مقدس مع التيار العلماني المواجهة الخصم المشترك التيار الإسلامي. 
وفي المنازلات الكبرى لم يكن أقدر على خوضها مع ذلك التيار سوى عالم عملاق مثل د. عبد الصبور شاهين، وكانت كلية الآداب جامعة القاهرة - أحد معاقل التيار العلماني منذ طه حسين - ساحة الواحدة من تلك المنازلات في تسعينيات القرن الماضي عندما تقدم د. حامد نصر أبوزيد بأبحاثه لنيل درجة الأستاذية، فتم عرضها على لجنة من كبار الأساتذة كان من بينهم العلامة عبد الصبور شاهين الذي أمسك بأبحاث الترقية ودرسها كلمة كلمة - كما قال لي يرحمه الله - ثم قدم فيها تقريراً علميا من الطراز المحترم فند فيه افتراءات د. نصر أبو زيد - الذي رحل قبل أشهر عن دنيا الناس - عن القرآن الكريم، وذيل دراسته بتوصية رفض الترقية، وأخذت اللجنة برأي د. عبد الصبور شاهين، فقامت قيامة التيار العلماني في مصر، وتعرض د. عبد الصبور يومها الحملة إعلامية شرسة امتدت لأسابيع على صدر الصفحات التي يسيطر عليها غلاة العلمانيين في بعض الصحف الحكومية، تم خلالها توجيه سباب غير مسبوق للعالم الجليل، بينما لم يكن الرجل يمتلك إلا منبر جامع عمرو بن العاص أعرق وأقدم مساجد مصر، والذي كان يخطب فيه الجمعة، فكان يرد سهامهم إلى نحورهم بردود علمية رصينة فجن جنون العلمانيين ولم تهدأ ثائرتهم إلا بعد أن صدر قرار رسمي يمنعه من الخطابة، ومنع برنامجه التلفزيوني الأسبوعي في الوقت ذاته في انحياز تام من النظام للتيار العلماني، وهو ذات الموقف الذي اتخذ مع المفكر الإسلامي الكبير محمد عمارة بمنع برنامج تلفزيوني كان يشارك فيه بصفة أساسية ردًا على تصديه العلمي القوي للدكتور فرج فودة في مناظرة معرض الكتاب الشهيرة.

وقد تشرفت بمتابعة المنازلة الكبرى بين د. عبد الصبور شاهين والتيار العلماني حول د. نصر أبو زيد، ونشرت ضمن كتاباتي المكثفة في جريدة الشعب المصرية المعارضة التي تم إغلاقها بقرار من السلطات نص تقرير د. عبد الصبور شاهين العلمي، ومعه نص تقرير د. محمد البلتاجي عميد كلية دار العلوم في ذلك الوقت، وقد كان ردًا علميًا لا يقل قوة وحجة عن رد د. عبد الصبور، ومن خلال زياراتي المتكررة لكلية دار العلوم ولقاءاتي مع عميدها ود. عبد الصبور وعدد آخر من أساتذتها الأجلاء، أدركت إلى أي مدى يساند هؤلاء الأساتذة د. عبد الصبور في موقفه العلمي... لقد كانوا علماء بحق، يقدرون للعلم قدره وأمانته، ويقدرون لكلمة الحق العلمية قيمتها حتى ولو كلفهم ما يكلفهم.
ولا أذكر أنني قرأت في تقرير د. عبد الصبور أو سمعت منه كلمة تكفير واحدة للدكتور نصر أبو زيد، وهو ما تقول به عليه العلمانيون كذبًا وتحريضًا، والذي كفر نصر أبو زيد في المحكمة في القضية المعروفة التي لم يكن د. عبد الصبور طرفًا فيها، وكان تعليقه - يرحمه الله - عن نصر أبوزيد عندما علم بوفاته في يوليو الماضي ، أسأل الله أن يغفر لنصر أبوزيد.. لقد أفضى إلى الله وليس علينا حسابه. 
وهكذا ظل د. عبد الصبور - كغيره من العلماء العاملين - بالمرصاد للتيار العلماني المخاصم للإسلام، ولذا عاش مغضوبًا عليه من السلطان فلم تعرف جوائز الدولة إليه طريقًا بينما عرفت طريقها لأمثال سيد القمني صاحب الفكر المزور وأمثاله، وقد أدرك د. عبد الصبور هذه الحقيقة جيدًا، وعلل سببها قائلًا أنا من المجاهرين والمجاهدين في الحق.. مثلي لا يكرم ولا تطرق الجوائز بابه الأن باب التكريم معروف وله ثمن ورفضت أن أدفعه ففارقتني الجوائز إلى غيري ممن قبلوا دفع ثمن جوائزهم خنوعًا وموالاة للحكام. 
هكذا اختار طريقه طريق الحق والتفاني في خدمة دينه ولتن كان هناك غياب رسمي حتى من جامعة القاهرة والأزهر خلال تشييع جنازته فإن الجمع الكبير من قادة الدعوة الإسلامية وأبنائها والمئات من تلامذته الذين حملوه على أعناقهم يمثل خير تكريم، وما عند الله خير وأبقى.

الرابط المختصر :