; د. عصام البشير يدعو لوقفة متأنية ونقلة نوعية للحركة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان د. عصام البشير يدعو لوقفة متأنية ونقلة نوعية للحركة الإسلامية

الكاتب حسن علي دبا

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يونيو-1993

مشاهدات 112

نشر في العدد 1055

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 29-يونيو-1993


مراجعات وتطلعات الحركة الإسلامية المعاصرة

• لا بد أن تعتمد الحركة الإسلامية مبدأ التخصص، وأن يتقن كل واحد منا المهارة التي يحسنها.

• على الحركة الإسلامية أن تنتقل من دائرة الدفاع عن الإسلام إلى مرحلة إبراز حقائقه.

ليس لأنه متخصص في علوم السنة والحديث، أو أنه أستاذ بجامعة الخرطوم، أو أنه من القلائل الذين خبروا الدعوة والحركة بعلم وبصيرة، وليس لأنه مهتم بالدعوة عالميًّا فقط، لكن أيضًا؛ لأن د. عصام البشير مفكر إسلامي لديه القدرة الواعية على الإبصار والتوقف المتأني أمام المراحل والمنعطفات، التي تمر بها الدعوة والحركة الإسلامية، وكان لنا معه هذا الحوار:

دواعي المراجعة والتقويم

المجتمع: ما الدواعي التي تقتضي من أهل الدعوة والحركة التوقف الذي يدعو إليه بعضهم مع الذات، والذي يذكره آخرون انطلاقًا من رؤيتهم للمكاسب المحققة؟

 البشير: إن الضرورة الملحة تقتضي للحركة الإسلامية وقفة متأنية لمراجعة ما قدمته من كسب في العقود الماضية، وأن تقوم هذا الكسب باعتباره جهدًا بشريًّا، ما له وما عليه، وأن تحدد منطلقاتها للعقود المستقبلية باعتبار أن قانون «حاسبوا أنفسكم» لا يخص النفس الإنسانية على المستوى الفردي، وإنما هو قانون يخص الأفراد والجماعات والأمم والشعوب، وفي اعتقادي أن الحركة الإسلامية رغم امتداداتها الواسعة على صعيد الفكر بإثراء المكتبة الإسلامية، وتقديم المعالجات والبدائل المختلفة لمختلف قضايا الحياة، ورغم إثرائها في الحياة الحركية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية التي امتدت في أكثر أقطار الأرض، لكن لكل زمن خصائصه، ولكل مرحلة ظروفها، وأعتقد أن الحركة الإسلامية اليوم تحتاج إلى نقلة نوعية على صعيد الفكر وعلى صعيد الواقع والحركة.

 

من الشعارات العامة إلى التأصيل والتفصيل

المجتمع: ما الموقف الذي يجب أن تكون عليه الدعوة والحركة بعد مرحلة الإسلام هو الحل؟

 البشير: إذا كنا نكتفي ببعض العموميات في مهد هذه الدعوة: الإسلام دين ودولة لغياب هذا المفهوم في حس المسلمين، فقد غدت هذه الحقيقة من البديهة المسلمة في مجتمعات المسلمين بفضل الله - سبحانه وتعالى -، ثم بفضل جهود حركة الإخوان المسلمين، هذا المطلب غدا شعار الجمهور الأعظم من المسلمين، وغدا شعور التيارات والحركات الإسلامية التي تنتشر في آفاق الأرض، هل نقف عند هذا الطرح العام أم لا بد من تجاوزه إلى شيء من التأصيل والتفصيل؟، فقضية الإسلام هو الحل لا بد أن نوافيها بما يشرح هذا الإجمال؛ لنقدم بدائل الإسلام في مختلف الأصعدة، وهذه تحتاج إلى اجتهاد جماعي كثيف؛ لأن الفقه الإسلامي، إن كان قد استبحر في شأن العبادات، وقضايا الأحوال الشخصية، لكنه ضمر في جانب السياسة الشرعية، وقد انقطع النظام الإسلامي على مستوى الدولة في واقع المسلمين آمادًا طويلة، ولكي نستأنف هذا الأمر من جديد، فإن التراث وحده لا يسعفنا لمعالجة ما استجد من أقضية، وطرأ من مشكلات، والاجتهاد الذي نحتاجه هو الاجتهاد الجماعي الذي يجمع بين فقهاء الشرع وخبراء العصر، والذي ينزل ما هو أزلي مطلق على ما هو عصري حادث، هذه وقفة تحتاجها الحركة الإسلامية؛ لتجدد انطلاقها.

نقلات نوعية مطلوبة

المجتمع: ماذا يترتب على تلك الوقفة التي تدعو إليها؟ هل يمكن أن يحمل ذلك نقلات محددة في مجالات العمل الإسلامي يجب أن تمارسها الحركة الإسلامية؟

 البشير: بالفعل نحن نحتاج إلى أن ننتقل نقلات نوعية ننتقل من إطار الشمول إلى التخصص، من العاطفية إلى المنهج، من الارتجال إلى التخطيط، من سماء الأحلام - كما يقول د. يوسف القرضاوي- إلى أرض الواقع، نقلات نوعية من جهود الأفراد إلى بناء العمل المؤسسي، الذي لا يتأثر بوجود شخص أو غيابه، نحتاج أن ننتقل من الشمول إلى التخصص، صحيح أننا نقدم الإسلام كله ولا نقبله أجزاء تفاريق، ولا نؤمن به عضين، ولكن هذا شيء، وأن نعتمد مبدأ التخصص في جهود الأفراد وطاقاتهم شيء آخر، والأمة الإسلامية عبر تاريخها الطويل عرفت مبدأ التخصص، فكم من فقيه ليس بمحدث، وكم من أصولي ليس بمفسر، وكان في الصحابة من هو أعلم بالقضاء، وكان من هو أخبر بفتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان من هو أقدر على قيادة الجيوش، وكان من هو أعلم برواية الحديث، وكان من هو أقرأ الناس لكتاب الله - سبحانه وتعالى -، والأمة تكاملت بمجموع هذه التخصصات، كان الإمام مالك يقول: إن من شيوخي من أستسقى بهم الغمام، ولكني لا أقبل حديثهم، كانوا أهل صلاح وزهد وعبادة لكنهم لم يكونوا أهل ضبط لرواية الحديث، فلا بد أن نعتمد مبدأ التخصص، أي يتقن كل واحد منا المهارة التي يحسنها، وعليه أن يجودها، وأن يصرفها في الوجهة التي تخدم مصلحة الأمة ومصلحة الجماعة.

بين العاطفة والمنهج

المجتمع: هل تقدمون رؤية محددة في مجال تأرجح العمل الإسلامي بين العاطفة والمنهج؟

 البشير: العاطفية من غير منهج وبصيرة قد تكون طيشًا، وقد تؤخر العمل الإسلامي عشرات السنين، ومن هنا تأتي قضية المنهجية العلمية التي تنزل مقتضيات الشرح على مقتضيات العصر بأهداف استراتيجية، وأخرى مرحلية، ووسائل محددة؛ لذلك يصبح من الضروري أن ننتقل من العاطفية إلى المنهج، ومن الارتجال إلى التخطيط، الذي يجعلنا ننظر نظرة بعيدة المدى لما ينبغي أن نقوم به، هل مهمتنا هي مهمة ترقيع جزئي، أم أنها إصلاح جذري؟، هل هو تغيير ينتظم الأسس والقواعد لمجتمعاتنا أم أننا نقدم أنصاف الحلول وأرباعها لبعض المشكلات التي نشأت في مجتمعاتنا؟، لا بد أن تكون لدينا الرؤية لما نود أن نقوم به، وألا تكون حركتنا حركة آنية تستجيب للفعل وتتعامل معه برد الفعل، ويصرفنا هذا الفعل ورده عن غاياتنا الأساسية وأهدافنا الكبرى؟

المجتمع: ألا ترون ضرورة العمل المؤسسي كبناء وهيكل للعمل الإسلامي المعاصر؟

 البشير: نحن نحتاج إلى نقلة أخرى، وهي من الجهد الفردي إلى العمل المؤسسي، فكثير من الأعمال كانت تقوم على جهود أفراد أفذاذ، أصحاب إبداع وعبقرية، ولكن هذه العبقريات الموسوعية قلت في هذا الزمان، صحيح قد يوجد الفرد الذي تتكامل فيه صور كثيرة من الإبداع، وليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد، ولكن واقعنا يشهد أن هذه الموسوعية قد ضمرت في حياتنا، فلا بد أن نعتمد البناء المؤسسي لا العمل الذي يعتمد على الفرد يحيا بحياته، ويموت بموته الذي يكون فيه لكل فرد دوره المحدد، وإطاره المعلوم، فإذا ما غاب هذا الشخص فإن العمل سوف يظل في مسيرته ووجهته الحضارية.

الإبداع والإضافة ضد التقليد

المجتمع: ما ترك الأول للآخر من شيء؟ مقولة يعتنقها بعض العاملين في الحركة الإسلامية هل يعني ذلك وفاء أم هو جمود مقنع، وتقليد يجب التخلي عنه؟!

 البشير: نحتاج إلى أن يقدم هذا الجيل کسبه وإبداعه، وإضافته لجيل السابقين، فمن أسوا الأشياء التي تواجه الحركات هي أن تجمد على جهد المتقدمين أن نقف عند كسب الأولين، وهذه حجة قديمة «إنا وجدنا آباءنا على أمة»، نحن أمة تراكمية، يبني فيها اللاحق على جهد السابق، لا يبقى عنده ولا يقف عند حدوده، ولا يهدم مجده، ولكنه يبني على ما تقدم، وكان ابن مالك إمامًا من أئمة النحو قال كلمة عظيمة. وإذا كانت العلوم منحًا إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين ما عثر على كثير من المتقدمين، نعوذ بالله من حسد يسد باب الإنصاف، ويصد عن جميل الأوصاف، وكان ابن عبد البر يقول: ليس أخسر على العلم من قولهم ما ترك الأول للآخر، بل الصواب عندنا كم ترك الأول للآخر.

 فنحن لا نقف عندما قدمه المجاهدون السابقون، لكن كما قال الله – تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ (سورة الحشر: 10)، ونقدم إضافتنا وإبداعنا وكسبنا واجتهادنا المعاصر لما طرأ من أقضية وجد من مشكلات التقليد آفة، وليس بعلم، ولا يمكن أن يقدم الحركة إلى المرافئ التي ترسو فيها سفنها.

التعددية والاختلاف والتعاون مع الغرب

المجتمع: ألا ترون في الاختلاف والتعددية فائدة محمودة ومصدرًا لثراء الفكر لو أحسن الاستفادة منها بدلًا من وصمها وعزلها؟، وما الصورة المقترحة كذلك؟

البشير: يجب أن ننتقل من اختلاف التضاد والتناقض إلى التنوع، الذي يثري العمل، تعدد الآراء يكون عامل إثراء إذا كان تعدد تنوع وتخصص كما يقول د. يوسف القرضاوي، وليس تعدد تضاد، وتشاحن، ونحن يمكننا أن نتعامل تعاملًا إيجابيًّا مع التعددية الموجودة في الساحة الإسلامية نحولها إلى تعددية إيجابية تثري العمل، كما قبلت الأمة التعددية المذهبية في إطار المذاهب الأربعة، لكن تلك المذهبية كانت تقوم على وحدة الأصول والاختلاف في الفروع محصورًا، وعلى وحدة المذهبية العقائدية على التغافر في مواطن الاجتهاد، وعلى الوقوف في خندق واحد في قضايا الأمة المصيرية، وعلى إبقاء الأخوة وعصمة الدين، فهل يمكن أن تكون التعددية الحركية قائمة على ذات المعاني أنها ترتكز على الأصول، وتحصر خلافها في الفروع تتغافر في مواطن الاجتهاد، وتقف في خندق واحد في القضايا الكبرى في أمهات المسائل، وتبقي على الألفة والمحبة فيما بينها، وتحقق الفائدة العملية في هذا التعدد إذا ما ضربت حركة تبقى حركة أخرى قائمة، وفي تنوع التجارب الخصبة التي يمكن أن تتعدد بتعدد التيارات الإسلامية.

المجتمع: كيف يمكن تحقيق الانضباط الشرعي لطلاقة الإبداع، التي يجب أن يشتمل عليها العمل الدعوي والحركي المعاصر؟

 البشير: إن هناك ضرورة للموازنة بين الإبداع والشرعية في إطار النقلات النوعية المطلوبة، فلا بد أن تنطلق في وسائلنا من الثبات على الأحكام الشرعية، ولكن من المرونة مع تكيف الوسائل مع تكيف العصر والزمان كم من وسيلة قد تكون صلحت في زمان ليس بالضرورة أن تصلح في زمان آخر، فيجب أن نوازن بين أن نكون مبدعين، وأن يظل إبداعنا منضبطا لضوابط الشرع ومحكمات الدين، وأن نوازن كذلك بين المبدئية والمرحلية بين الثوابت على المبادئ والقطعيات والمحكمات، وبين المرونة في المرحليات، التي تقوم على فقه الموازنات، فقه المصالح وعلى تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان.

المجتمع: هل يمكن أن نمثل لذلك؟

 البشير: إن كثيرًا من المواقف التي تقفها الحركة على صعيد العمل السياسي اليوم مثل دخول المجلس النيابي والتحالفات العهد المصالحة المناصرة، مع أحزاب وطنية علمانية أحيانا، هذا كله يقوم على فقه الموازنات بين المصالح والمفاسد، يقوم على تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان، هذه كلها مواقف مرحلية وليست من الثوابت العقائدية التي نجمد فيها أو التي نثبت عليها، وهذه المواقف قد تختلف باختلاف الظروف وباختلاف الأماكن، فكم من موقف يراه الإخوان في مصر قد لا يكون محققاً لمقتضى المصلحة في الأردن أو السودان أو العكس كذلك، كما يقول فقهاؤنا: إنه اختلاف عصر و زمان، وليس اختلاف حجة وبرهان.

المجتمع: بعد بيان هذه الآفاق: ما رؤيتكم في موضوع التعامل مع الغرب والحضارات الغربية؟

 البشير: هذه آفاق على الحركة الإسلامية أن تنتقل إليها، كما أن عليها أن تنتقل من دائرة الدفاع عن الإسلام إلى مرحلة إبراز حقائقه، وتقديم النموذج الحضاري حتى في عقلية التعامل مع الغرب، فالغرب ليس كتلة واحدة فليس كله صليبيًّا، فيمكن أن نفتت أجزاء هذه الكتلة، وأن تلتقي على بعض القواعد المشتركة بما يخدم قضيتنا الحضارية.

المجتمع: هل هناك قواعد مشتركة في ظل عداء الغرب للإسلام وما يحمله من أهواء؟

 البشير: التعامل مع الحضارة له وجهان، فالحضارة لها مقتضيات، ولها أهواء، فنحن مع أهواء الحضارة نفطم نفوسنا، ومع مقتضياتها نفتح عقولنا، الهوى والشهوة تحتاج إلى فطام النفس، لكن مقتضيات العصر تحتاج إلى أن نفتح العقول، فـ«الحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو أحق الناس بها».


اقرأ أيضا:

 

الموقع الرسمي للاستاذ الدكتور عصام البشير

الشريعة والحياة في رمضان | عصام البشير.. منهاج الحياة.. بين اتباع الشرع واتباع الهوى
الرابط المختصر :