; د. محمد الغيلاني لـ“المجتمع”:التصوف يخترق بنية المجتمع المغربي | مجلة المجتمع

العنوان د. محمد الغيلاني لـ“المجتمع”:التصوف يخترق بنية المجتمع المغربي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 20-يونيو-2009

مشاهدات 74

نشر في العدد 1857

نشر في الصفحة 33

السبت 20-يونيو-2009

  • النخب الصوفية تستفيد من التقنيات الحديثة لترويج التصوف عبر شبكات الإنترنت والمهرجانات العالمية للإبداع الصوفي أو ما يسمى الموسيقى الروحية.
  • التصوف "رأسمال ديني" يضاف للرصيد الرمزي والروحي في حركية المجتمع باتجاه الارتقاء الاجتماعي.

أكد الدكتور محمد الغيلاني، الاختصاصي في سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية والدينية وتنافس الهويات أن "التصوف" يخترق بنية المجتمع المغربي اختراقاً أفقياً وعمودياً يمكن التصوف من مريدين ينحدرون من مختلف القطاعات والفئات والشرائح الاجتماعية والمؤسسات.

ووصف "الغيلاني" التصوف المغربي بأنه "نمط من التدين اخترق مؤسسات حساسة في المجتمع".

ويعتبر الباحث المغربي أن نزعة التصوف تقاد في المجتمع من خلال مؤسسة "الزاوية" ضمن فلسفة "منظومة النظام السياسي"، أي ضمن القيم والمبادئ التي يقوم عليها ما أصبح يعبر عنه بـ"الإسلام المغربي".

وفيما يلي تفاصيل الحوار الذي أجرته "المجتمع" معه حول خفايا التصوف وأهله في المغرب:

  • كيف تقرؤون الحضور التاريخي للزوايا الصوفية داخل المجتمع المغربي؟

- تاريخ المغرب الحقيقي هو تاريخ تدينه، فمن خلال الدين خرج المغرب إلى طور الحضارة بمعناها الواسع حيث مثل التدين موطئ رهان وتجاذب على مر القرون، ومثل رصيدا أساسيا في التجربة الدينية للمجتمع المغربي فبرغم التغيرات التي طرأت على منظومة الرموز والقيم داخل المجتمع إلا أن ذلك كان يحدث باستمرار في إطار ديني أو باسم الدين حتى وإن كان مخالفا للرأي الفقهي أو لأسس العقيدة ذاتها.

ويعرف المغرب بكونه بلد الأولياء بامتياز، وبصرف النظر عن الموقف السوسيولوجي فإن هذا التوصيف له دلالة رمزية تحيل على حضور نمط تدين شديد الفعالية في الأوساط الاجتماعية، ويمتلك - دون غيره - قدرة ذاتية على الصمود والاستمرار والتكيف.

وقد تبدلت وظائف الزوايا إما بشكل جزئي أو بشكل كلي، ولم تعد موقعية الزاوية هي ذاتها كما في الماضي، لكن الأكيد أن للزاوية دورا ووظيفة في خريطة التدين المحلي، وعامل مؤثر في صوغ ملامح ذلك التدين. ولعل الحضور التاريخي القوي لمؤسسة الزاوية كمركز ديني واجتماعي يؤشر على عمق التأثير الذي يمارسه الشيوخ (الأولياء) في الأوساط الاجتماعية باختلاف مرجعياتهم وأصولهم وتوجهاتهم.

  • كيف يمكن فهم "الزوايا" من وجهة نظر اجتماعية بصفتك اختصاصيا في الحركات الدينية والفكر الإسلامي؟

- الزاوية نمط تدين خاص يخضع في عمومه لشروط واعتبارات اجتماعية يمكن في سياقها مقاربة أحد تجلياته التي توصف عادة بالتصوف ولا يمكن فهم وتفسير هذا التجلي إلا بوصفه عاملا لإعادة صوغ الانتماءات الاجتماعية وبناء الوضع الاعتباري للمتدينين.

فالتصوف هنا يمثل رأسمال ديني يضاف إلى الرصيد الرمزي والروحي الذي يُمكن المزيد من الانخراط في حركية المجتمع باتجاه الارتقاء الاجتماعي على المستوى المادي والرمزي والروحي، فـ"الفقير" و"الغني" في هذا النمط من التدين ينظران إلى نفسيهما کمريدين وهم في المحصلة فقراء الزاوية حيث يتساوى الجميع في منظومة "الحضرة" و"الحالة" أو "الانجذاب".

هنا يتم تذويب الشعور بالتمايز الاجتماعي مقابل نيل فضائل وكرامات الشيخ وبركته مع تحصيل نوع من التطهر، لكن مقابل ذلك يتجاذب المريدون من خلال التقرب من الزاوية منافع تستثمر في الرأسمال الاجتماعي، من خلال نسج شبكة معقدة من الروابط والتحالفات التي يكون لها مفاعيل مباشرة ومادية على الوضع الاجتماعي للمريدين أفرادا وجماعات.

  • ما درجات اختراق التصوف للمجتمع المغربي؟
  • التصوف يخترق بنية المجتمع المغربي اختراقا أفقيا ،وعموديا والمريدون ينحدرون من مختلف القطاعات والفئات والشرائح الاجتماعية والمؤسسات. وبرغم ما يقال حول الدعم السري والعلني الذي يحظى به التصوف ومؤسساته غير أن هذا النمط يعد التدين الأكثر اختراقا للمؤسسات الحساسة في المجتمع.

كما يعد التصوف من خلال الزوايا التي تمثله الطيف الديني الذي يتميز بقدرته على احتضان الشرائح الاجتماعية المتنوعة الأصول، فالزاوية حاضنة لكل الفوارق الاجتماعية المادية والرمزية، إذ ينضوي تحت لوائها الفقير والغني، الأمي والمتعلم، بل إن من بين مظاهر القوة الجديدة التي بدأت الزوايا تحوزها استقطابها لنخب ذات مرجعيات ثقافية وأكاديمية يصنف بعضهم عادة بأنهم حداثيون أو لادينيون.

وقد أصبح من الواضح أن للتصوف في المغرب نحيا مثقفة لها قدرة حداثية على تسويق التصوف كظاهرة دينية منفتحة ذات بعد كوني على مستوى الخطاب والقيم. وتستفيد تلك النخب ذات النزعة الصوفية من التقنيات الحديثة لترويج التصوف عبر شبكات الإنترنت التي يمكن تصفحها بمختلف اللغات (العربية والإنجليزية والفرنسية والتركية... إلخ)، وعبر إقامة الندوات الدولية واستعمال اللغات الأجنبية، والإشراف على مهرجانات عالمية للإبداع الصوفي، أو ما يسمى الموسيقي الروحية والسماع أو ما شابه، كما يقترح حلولا للأزمة التي تولدت عن عنف مادية الحياة المعاصرة وكبديل لأطروحات الحركات الدينية المنافسة.

وفي المحصلة يقترح التصوف المعاصر أطروحته بوصفه دينا انسيابيا ومرنا ومنفتحا ليس فقط على الإسلام، بل على سائر الأديان.

  • يحظى التصوف بدعم ورعاية مهمة.. كيف يمكن تفسير ذلك؟

- لا تمثل هذه المعطيات إلا وجهاً من أوجه المفارقات في التصوف الذي تنتجه الزاوية إذ يمتلك بموازاة ذلك طاقة متجددة للتغلب المؤقت على التناقضات القائمة بين أنماط التدين المنافسة واحتواء البعض منها فباستثناء الموقف السلبي الذي تعبر عنه بعض الاتجاهات الإسلامية نكاد نلحظ استجابة مرنة من قبل المتدينين للتعايش مع مقتضيات الطقس الصوفي، والذوبان الاستثنائي في مشروع روحي يدعي تنزهه عن السعي وراء المكاسب السياسية التي قد تنتج عن تحول الزوايا والطرق إلى مراكز قوة ونفوذ .

فيفضل هذا الادعاء يتحقق للنزعة الصوفية امتداد وانتشار يمكن رصدهما من خلال الأنشطة العادية أو الموسمية، حيث يسجل باستمرار تزايد منسوب المريدين الجدد الملتحقين وتنوع أصولهم الاجتماعية ومن المتوقع أن يشهد العقد المقبل تنامياً كبيراً للظاهرة سواء من حيث الكم أو من حيث الأهمية الوظيفية التي يُطلب من التصوف القيام بها بالنظر لعاملين أساسيين أولهما: استمرار إشكالية الشرعية الدينية للسلطة السياسية، وثانيهما: تحديات التدين الحركي بشقيه الشيعي والسني، وما يعتقد أنه يمثل ضغوطاً أو أخطاراً محتملة وفق النظرة الإستراتيجية الأمنية للقوى الدولية خصوصاً الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وبهذا المعنى يدخل التصوف ضمن إستراتيجية سياسية لها خلفيات أمنية وجيوسياسية.

  • ما مكانة التصوف في المنظومة السياسية للبلاد ؟

- من المؤكد أن الاتجاه الاجتماعي نحو التصوف سيدعمه التآكل الذاتي لمنظومة التحديث وقهرية ،الحداثة، وبالقدر نفسه سينتفع مؤقتا من التصدع العميق في بنية العمل السياسي عامة والحركات الدينية المعاصرة خاصة وستبدو مساهمة الزوايا والتدين المرتبط بها فعالة ومؤكدة في استدماج شريحة كبيرة من المجتمع في "منظومة النظام السياسي".

وليس خافياً إصرار الدولة في المغرب على عقيدة دينية شبه تيوقراطية يُعدُّ ما يسمى التصوف السني مبنى من مبانيها الجوهرية، بالإضافة طبعاً للمذهب المالكي والعقيدة الأشعرية.

وعندما تعمد الدولة القائمة على مبدأ "إمارة المؤمنين" إلى قيادة نزعة التصوف في المجتمع من خلال مؤسسة الزاوية فهي ترغب أن يتم ذلك ضمن فلسفة "منظومة النظام السياسي"، أي ضمن القيم والمبادئ التي يقوم عليها ما أصبح يعبر عنه بـ"الإسلام المغربي"، الذي ليس في نهاية المطاف سوى أطروحة دينية عبارة عن خليط غير متجانس من الأفكار والمعتقدات.

وبطبيعة الحال، مريدو التصوف لا يهتمون بهذه الفلسفة ولا تعنيهم خلفيات "منظومة النظام السياسي".. إنهم يتصرفون وفق ميولهم التلقائية وحاجاتهم الناتجة عن الفراغ الروحي وعنف الاختيارات السياسية والواقع المعيش، وينتفعون من الأجواء الروحية التي تتيحها لهم الزاوية قدر الإمكان.

  • هل يمكن اعتبار تشجيع التصوف بالمغرب وسيلة لتضييق نفوذ ما يسمى بحركات الإسلام السياسي؟

- من المحتمل أن توظف الزوايا في مشروع مواجهة حركات التدين المعاصر ذات التوجه الاحتجاجي أو السياسي، لكن الزاوية من حيث بنيتها وإمكاناتها غير مؤهلة للقيام بذلك، فلكل من الطرفين طرق خاصة به في التعاطي مع المجتمع، كما أن المجتمع يبلور باستمرار قواعد التعامل مع المؤسسات، فيتم التواضع ضمنياً على تلك القواعد وتترسخ شيئاً فشيئاً لتصبح معترفاً بها من قبل الفاعلين أو المتنافسين.

الرابط المختصر :