العنوان د. محمد فريد عبدالخالق.. نموذج فذ من رموز الإخوان المسلمين
الكاتب بدر محمد بدر
تاريخ النشر الجمعة 01-مايو-2015
مشاهدات 58
نشر في العدد 2083
نشر في الصفحة 66
الجمعة 01-مايو-2015
حصل عبدالخالق على درجة الدكتوراه في موضوع "الاحتساب على ذوي الجاه والسلطان" وعمره 94 عاماً!
تهدف الدراسة لإبراز الدور الرقابي الشعبي على السلطات المتمثل في نظام الحسبة لاسيما السلطة التنفيذية ورئيس الدولة
تطرح الدراسة نظاماً احتسابياً جماعياً ومؤسسياً لمقاومة جور وفساد السلطات التنفيذية والرئاسية
التصدي للظلم والاحتساب على الحاكم واجب ديني ومن أجل ذلك شرع الإسلام مقاومته
سلطة الأغلبية وهي إحدى ركائز نظام الحكم الديمقراطي النيابي ليست مطلقة في الإسلام ومحكومة بمبادئه وأصوله
الحسبة على ذوي السلطان تشكل كبرى الضمانات الشرعية للحريات العامة والحقوق الأساسية للإنسان
القاهرة:
شهد قسم الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة القاهرة يوم الثلاثاء 17 نوفمبر 2009م واحدة من اللحظات التاريخية النادرة, عند مناقشة رسالة الدكتوراه المقدمة من القيادي الإخواني محمد فريد عبدالخالق، الذي كان يبلغ من العمر حينها 94 عاماً, ليصبح بذلك أكبر باحث للدكتوراه في العالم, حسب شهادة المفكر الإسلامي المعروف د. محمد سليم العوا الذي ناقش الرسالة, بالإضافة إلى كل من د. يوسف قاسم، أستاذ ورئيس قسم الشريعة (سابقاً) بكلية الحقوق رئيساً ومشرفاً، ود. محمد نجيب عوضين، أستاذ الشريعة الإسلامية ووكيل كلية الحقوق عضواً.
وحصل الباحث على درجة الدكتوراه في موضوع "الاحتساب على ذوي الجاه والسلطان"، بتقدير عام ممتاز مع مرتبة الشرف, وأوصت لجنة المناقشة بطبع الرسالة على نفقة جامعة القاهرة, وتبادلها مع الجامعات الأخرى.
وفي الذكرى الثانية لوفاته، نقدم هذا النموذج الرائع في طلب العلم حتى آخر لحظات حياته، ونستعرض أهم ما جاء في رسالته لنيل درجة الدكتوراه، والتي توفي بعدها بأقل من أربع سنوات.
أبواب الدراسة
وتنقسم الدراسة العلمية إلى ثلاثة أبواب؛ الأول يتناول الاحتساب عموماً، ويركز على مفهومه السياسي, ونقض ما تعلق به من مفاهيم شائعة عنه, تحاول إخراجه من الدور السياسي الجوهري الذي يؤديه, وتحويل دوره إلى دور قضائي وبوليسي, ويتناول الثاني الحسبة من حيث علاقتها بالدولة والحكم، ويوضح بعض المفاهيم الأساسية، مثل التعريف بالمحتسب عليهم أو ذوي السلطان والجاه, والمقارنة بين الحسبة في الإسلام والتشريع الوضعي، ومدى علاقة مبدأ الفصل بين السلطات بالحسبة على ذوي السلطان, أما الباب الثالث فناقش فيه الباحث الأنظمة السياسية المعاصرة، والمقصود الاحتسابي فيها.
ثلاثة عقود
وقال الباحث: إن إعداد الرسالة استغرق نحو ثلاثة عقود، وحالت ظروف الاعتقال السياسي والانشغال بالدعوة دون البدء فيها وإكمالها مبكراً, وأشار القيادي الإخواني إلى أن اختياره لموضوع الحسبة جاء بسبب أن نظامها في الإسلام يحقق عاملين أساسيين, يساعدان بقوة في إصلاح الأمة, فضلاً عن تهيئة الشعب للإصلاح، مضيفاً أن كل مواطن يتحول من خلال هذا النظام إلى محتسب، وفقاً للحديث النبوي الشريف الذي يقول: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه, وذلك أضعف الإيمان".
وتهدف الدراسة إلى إبراز الدور الرقابي الشعبي على السلطات المتمثل في نظام الحسبة لاسيما السلطة التنفيذية ورئيس الدولة، وتطرح نظاماً احتسابياً جماعياً ومؤسسياً لمقاومة جور وفساد السلطات التنفيذية ورئاسة الدولة، كما تهدف إلى إلقاء الضوء على الضوابط الشرعية للحسبة في الإسلام، وعلى شروط المحتسب والمحتسب فيه، وتبرز احترام الإسلام لمبدأ الفصل بين السلطات.
ويحاول الباحث في هذه الدراسة إبراز الدور السياسي الذي يمكن أن تمارسه الحسبة كنظام إسلامي, يحقق رقابة شعبية في تنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم, من منظور مقارن بالمؤسسات الدستورية في الأنظمة الديمقراطية النيابية الحديثة والتشريعات الوضعية، في مجال لم يستوفه البحث المعاصر في مجال السياسة الشرعية في الإسلام حقه.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف، فإن الدراسة تعنى بتحقيق عدد من الأهداف الفرعية, التي يمكن ومن خلال تضافرها معاً, أن تسهم في الوصول إلى الأهداف الكبرى التي يطمح إليها الباحث، ومنها: إبراز الدور الرقابي الشعبي على السلطات المتمثل في نظام الحسبة, لاسيما السلطة التنفيذية ورئيس الدولة, وطرح نظام احتسابي جماعي ومؤسسي لمقاومة جور وفساد السلطات التنفيذية ورئاسة الدولة, يجنبنا العنف في ممارسة الحسبة غير المنضبطة في مرتبة تغيير المنكر باليد بشكل عشوائي, وأيضاً إلقاء الضوء على الضوابط الشرعية للحسبة في الإسلام، وعلى شروط المحتسب والمحتسب فيه, وإبراز احترام الإسلام لمبدأ الفصل بين السلطات, وعدم التعامل مع الحسبة باعتبارها ولاية بوليسية، وإنما إدخالها في الفقه السياسي الإسلامي, كمبدأ يمارسه المواطنون كفرض كفاية، والمؤسسات الدستورية المعنية كفرض عين، وعلى رأسها المجالس التشريعية البرلمانية والأحزاب السياسية وسائر منظمات حقوق الإنسان والجمعيات الأهلية, المعنية بالحفاظ على حقوق الإنسان الأساسية وحرياته العامة من اتحادات ونقابات.
الصفة والمصلحة
ويشرح الباحث إمكانية رفع دعاوى الحسبة على الحاكم الجائر، وما يقع من الحكومات من بغي أو فساد أو مخالفة للدستور والقانون, دون التزام بشرطي الصفة والمصلحة, الملتزم بها في سائر الدعاوى القضائية، وهو ما ذهب إليه القانونيون تيسيراً لإمكانيتها وتحقيقاً لمقصدها، حيث إن شرطي الصفة والمصلحة متحققان في دعوى الحسبة في قوله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم) (الإسراء:70)، حيث جعل الآدمية هي الصفة وتحقيق كرامة الآدمي هي المصلحة، وكرامة الآدمي هنا مطلقة في عمومها في مختلف مجالات الحياة، سياسية واقتصادية واجتماعية.
وأكد الباحث أن المحتسب عليهم في موضوع البحث هم شريحة محدودة من شرائح المجتمعات، هي الطبقة الحاكمة بنفوذ السلطان، أو المؤثرة في مجريات الأمور بنفوذ الجاه أو المال، وهما مناط الصلاح والفساد بالدرجة الأولى في المجتمع, الإصلاح إن هم عدلوا وأصلحوا، والإفساد إن هم بغوا وأفسدوا, والأصل فيهم بحكم السلطان والجاه: حمل الناس على فعل المعروف وترك المنكر، كجزء من الأمة.
وانتهت الرسالة إلى النتائج والتوصيات التالية:
- إن مقاومة الظلم والاحتساب على الحاكم واجب ديني، ومن أجل ذلك شرع الإسلام مقاومة الظلم، وأوجب على الأمة الإنكار على حكام الجور ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً.
- إن جوهر الديمقراطية مقبول في الإسلام، مع الإقرار بأن ثمة فوارق, من أهمها أن سلطة الأغلبية التي هي إحدى ركائز نظام الحكم الديمقراطي النيابي ليست مطلقة في الإسلام، وإنما هي محكومة بما قدره الإسلام من مبادئ وأصول, جاءت بها نصوص القرآن والسُّنة على وجه القطع والإلزام التشريعي.
- إن الإسلام لم يفرض نظماً مفصلة تحكم نشاطات الحياة المختلفة, سواء بالنسبة لنظام الحكم على أهميته القصوى أو بالنسبة لغيره من الأنظمة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، ونظام الحسبة في الإسلام لم يشذ عن هذه القاعدة، فما هو إلا واحد من هذه الأنظمة التي عرف أساسها، وجرت ممارستها منذ العهد النبوي.
- إن إعمال الحسبة الرقابية على السلطة الحاكمة ما يقوم به في نظامنا الحاضر جهات متعددة على رأسها المجالس النيابية, وما خوله الدستور لها من حقوق ووسائل لأداء دورها الرقابي، وهو احتسابي، وكذلك المعارضة أحزاباً وصحافة ونقابات وجماعات وغيرها, كما أن للقضاء العادي والإداري دوره في الحسبة، حيث يمكن اعتبار دعاوى الإلغاء أمام المحاكم الجنائية صوراً لدعاوى الحسبة المعروفة في الفقه الإسلامي.
وظيفة سياسية
- إنه إلى جانب الوظائف التقليدية للحسبة، فإن لها وظيفة سياسية بالغة الأهمية والحيوية في المجتمع والدولة على السواء، بحيث يمكن أن نعتبرها جزءاً أساسياً من المشروع الحضاري الإسلامي المتكامل, الذي يستهدفه المسلمون عامة، وعلماء الأمة ومفكروها الإسلاميون خاصة، ويجدون في إحياء وظيفة الحسبة عامة، وعلى ذوي الجاه والسلطان خاصة، أداتنا الإسلامية للإصلاح السياسي بل والاقتصادي والاجتماعي كذلك، وهي في الوقت نفسه أداتنا للإصلاح الدستوري من منظور الديمقراطية الحقيقية.
- إن الحسبة على ذوي السلطان تشكل كبرى الضمانات الشرعية للحريات العامة والحقوق الأساسية للإنسان، أو المبادئ التي تحمي الأفراد من طغيان الدولة واستبداد الحكام, وهو المطلب العاجل والملح الذي تتطلع إليه الشعوب، لاسيما الواقعة منها في دائرة الدول النامية، ودولنا العربية والإسلامية داخلة فيها.
- إن الضرورة تجعل المحظور جائزاً؛ لذلك فإن حكومة الخلافة التي لا تتوافر فيها جميع الخصائص المميزة للحكومة الصحيحة تصبح رغم ذلك جائزة، أي شرعية مادامت أنها تمثل أخف الضررين؛ لأن احتمال قيام نظام مشوب بعيوب الحكومة الناقصة, أقل ضرراً وخطورة من غياب كامل لأي نظام للحكومة الإسلامية.
- إن مبدأ الفصل بين السلطات في الإسلام, إضافة إلى مبدأ الشرعية الإسلامية, بمعنى سيادة الشريعة, يكونان أكبر سند شرعي لوظيفة الحسبة على ذوي السلطان، لما يتضمنان من تقييد السلطة التنفيذية بمهمتها الدستورية, وهي التنفيذ لا التشريع، ومن غلق الباب أمام الحكام دون حق استصدار قوانين ظالمة.
- إن المقاصد التي تخدم الأمة العربية والإسلامية من خلال هذا الموضوع, ترتبط ارتباطاً وثيقاً بكيفية مشاركة الحاكم للمحكوم، وكيفية مشاركة المحكوم للحاكم؛ مما يجعل المسؤولية تقع على عاتق الاثنين, أما إذا ظلم الحاكم وجحد لقوله تعالى: (كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى) (العلق: 6, 7), نجده في هذه الحال مستغنياً عن الشعب، وأن عنده من الأجهزة المعاونة ما تجعله يبطش ويظلم، مما يترتب على ذلك عدم وجود دور ورأي عام قوي للمحكومين.
سيرة ذاتية
يذكر أن الأستاذ محمد فريد عبدالخالق تعرف على الشيخ حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، في عام 1941م، وأصبح أحد أعضاء الجماعة المقربين من المرشد العام، حيث أسند إليه رئاسة قسم الطلبة، ثم رئاسة قسم الخريجين بالجماعة، وانتخب عضواً بالهيئة التأسيسية (مجلس الشورى العام)، ثم عضواً بمكتب الإرشاد العام, وكان أحد القيادات التي اختارت المرشد الثاني للجماعة المستشار حسن الهضيبي عام 1951م، وأحد قيادات الإخوان التي تفاوضت مع "جمال عبدالناصر" قبل وبعد ثورة يوليو 1952م، واعتقل في يناير عام 1954م، ثم أفرج عنه في مارس، ثم اعتقل مرة أخرى في أكتوبر عام 1954م، وحكم عليه بالسجن 10 سنوات في القضية التي اتُهم فيها الإخوان المسلمون بمحاولة قلب نظام الحكم واغتيال "جمال عبدالناصر"، ثم أفرج عنه عام 1958م, ثم اعتقل مرة أخرى عام 1965م وبقي في السجن حتى نهاية عام 1971م.
وقد حصل الباحث على ليسانس الحقوق، ثم دبلوم القانون العام، ثم دبلوم الشريعة الإسلامية، وقد سجل رسالته للدكتوراه مجدداً عام 1994م, وكان قد سجلها أولاً عام 1968م، وكان مديراً عاماً لدار الكتب والوثائق القومية بمصر, ثم وكيلاً لوزارة الثقافة.
وتوفي د. محمد فريد عبدالخالق يوم 12 أبريل 2013م وهو في الثامنة والتسعين من العمر، رحمه الله رحمة واسعة وعوض الأمة عنه خيراً.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل