; ذات رمضان | مجلة المجتمع

العنوان ذات رمضان

الكاتب سلمان بن فهد العودة

تاريخ النشر السبت 28-يوليو-2012

مشاهدات 48

نشر في العدد 2013

نشر في الصفحة 34

السبت 28-يوليو-2012

تتشابه الأيام كأنها التوائم، وتمر أمام ناظريه كطابور يحمل ذات الملامح والشيات واللباس!

كما تتشابه مواسم القرية البسيطة دون تغيير يذكر ما دامت تعيش عزلة عن العالم، ولم تتعرف بعد على منجزاته الجديدة. 

رمضان وحده يختلف..  بل حضوره تسبق الهيبة والجلال والوجل، فإذا أقبل تراءاه الناس بحرص واهتمام الكبار يصعدون إلى النفوذ الغربي بعد صلاة العصر، ويتحدثون  اهتمام، ويختلفون، ثم ينصتون لحديث الإمام الذي يؤكد لهم مكان بزوغه.. ويلقنهم ماذا يقولون:

«اللَّهُمَّ أَهْلَهُ عَلَيْنَا بِالْيُمْن وَالإِيمَان وَالسَّلَامَةِ وَالإِسْلَامِ، هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدَ ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ». 

لا مذياع لمعرفة الخبر.. المذياع نفسه غير مقبول الرواية، ولا يوجد إلا خفية وعند الفساق وحدهم. 

الصغار فرحون بطريقتهم الخاصة ولأسبابهم الخاصة أيضًا! 

صامه طفلا، وأقنعته أمه منذ اليوم الأول أن صياما كصيام الدجاجة والديك يكفيه.. فليمسك  ذا إلى نصف النهار، ثم يفطر على وجبة الغداء المبارك!.. يتسلل  وقت السحور وقد أيقظته الحركة  غير المعتادة في المنزل، وينضم إلى ركب المتسحرين.. أما القهوة فلا تصلح له لأنه لا يشربها إلا البالغون.. وبهذا تصبح أمنية عزيزة ينتظر متى تأهل لها ويُصنف ضمن قائمة الكبار!

يود أنه كان أكبر من عمره، ويتساءل في سرّه متى يأتي اليوم الذي يصبح فيه كهؤلاء؟ 

لعل عالم الطفولة لا  يحظى آنذاك بكثير من الخصوصية والاهتمام، ولا يجد ما يلائمه من المتعة واللهو واللعب فليس أمامه إلا أن يحلم بالرجولة! 

حتى الصوم نفسه أصبح  حاطاً بشروط إضافية، فحين يغلبك النوم عن السحور فلن يُسمح لك بالصيام. 

لا فوانيس رمضانية.. فالفوانيس هي هي مصدر النور الوحيد في  لقرية، وخاصة الصغير الذي يسمونه بـ «الفنر».

حلويات ولا أطعمة خاصة لرمضان. التوت وحده كان مشروباً رمضانيا يسهل عليهم تحصيله، فهو  ي دكانهم، وهم يشربونه بكثير من الماء وبعض السكر. 

التمر في القرية متوافر في الحقل وفي المنزل الذي تتوسط فناءه نخلة سامقة، بدت  كأنها حد أفراد الأسرة. 

اللبن مشروب شعبي يتهاداه الجيران كتحفة ثمينة، ويتصرفون في صياغاته ما بين مخيض وزبد، وحليب وبقل (أقط).. وربما  طبخوا التمر بالزبد، وحصلوا على طعم لذيذ يسمى القشدة. 

حين نستذكر الأشياء القديمة تبدو وكأنها كانت أكبر وأضخم وأجمل مما هي عليه في  لواقع.. هل لأننا صغار كنا نراها كبيرة؟ أم لأننا لم نر غيرها؟.. الغرفة الضيقة كانت كمجلس فسيح، والفناء كان كملعب كرة والجدار القصير كان  كسد شاهق. 

وحتى البشر.. لا يتخيل أباه رجلا في الخامسة والثلاثين، ولا أمه فتاة في الثامنة والعشرين.. رمضان كان يزيدهم قربا وإلتصاقًا، يمنح حركة متجددة لا تتوافر دائمًا.

لم يعرف الأب المرمضن الذي يغضب ويزمجر ويصرخ بحجة الصوم، لا يذكر إلا ذاك السمح السهل الطيب  لذي يتكلف الحزم ليربي صغاره على الصدق، والمحافظة على الصلاة، ومكارم الأخلاق.

صلاة التراويح في المسجد الجامع يحضرونها في اليوم لأول، ثم يكتفون ببعضها إذ لا طاقة لهم بمتابعة الإمام في تسليماته العشر التي يقرأ فيها جزءا من القرآن.

التنافس في ختم المصحف على أشده..  الرغبة في السبق تحمل بعضهم على اللجوء لطرق ملتوية مثل «النط»، وتعني قفز بعض السور أو بعض الصفحات أو الآيات وهي تهم تشبه تهم  تزوير الانتخابات.. إذ كيف يمكن لفلان أن يصل إلى سورة يونس في وقت وجيز؟ 

ويلجا آخر إلى الهَذّ «الهدر» وهو الإسراع في القراءة حتى لا يكاد  بين ليتفاخر أمام نظرائه بأنه سبقهم. وبعد أيام تبدأ أخبار الختمات  توالى ومعها الإتهامات والتشكيك والسخرية.. ودفاع الأب منقطع النظير عن ولده الذي قرأ القرآن حرفًا حرفًا.

فضائح الإفطار السري همس يتعالى ويطال بعض المتجرئين ممن هم في بداية المراهقة، ليصبح مادة للحديث والاستنكار ثم العقوبة التي تتراوح بين الضرب والهجر والتوبيخ  التحذير من كلام الناس الذي يؤذي الأسرة جميعا، وعادة ما يتحول إلى عرض لتاريخها وسوابقها وغمز لرقة دينها وضعف أخلاقها.. ولا غرابة يربط بأصلها ثم يعمم الحكم على نظرائها. 

أما حين يقع اللوم على ذاك المراهق المتمرد من تلك الأسرة العريقة، وذلك الأب الصالح الذي  وصف بهذه المناسبة بأنه يطهر الأرض التي يطأ عليها ، فهنا يسكت الجميع عن التعليق مكتفين بترديد الهداية بيد الله تعالى!.

أهل القرية صادقون،  لا يشكّون في نزاهة أحكامهم، ولا في ازدواجية معاييرهم من ينسى فيأكل أو يشرب فإنما أطعمه الله وسقاه، ولذا يرون أن عليك ألا تنبهه إلى أنه  ائم، فأنت بذلك تقطع رزق الله عنه. 

الصغير ينسى، وإذا لم ينس فهو يتناسى ليقدم عذرًا جاهزًا حينما يتم الظفر به متلبساً بما يقطع صومه روح  لبساطة والتواضع والعفوية كانت تطيع الحياة بميسمها الجميل.. وكثير من الجمال لا نراه إلا حين يدركه المغيب ويصبح شيئا من الذكرى. 

رحمة  لله على تلك الأيام.. وسقى عظام أناسها صوب الغمام.

الرابط المختصر :