; ذكريات النصر في رمضان | مجلة المجتمع

العنوان ذكريات النصر في رمضان

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر السبت 27-سبتمبر-2008

مشاهدات 57

نشر في العدد 1821

نشر في الصفحة 56

السبت 27-سبتمبر-2008

  • لقد كان فتح مكة دون قتال وتجلى فيه تواضع الرسول صلى الله عليه وسلم ورحمته بأعدائه

مضى أكثر رمضان، ولم يتبق منه إلا بضعة أيام، فهيا أيها القارئ الكريم لا تضيع فرص المغفرة في تلك الأيام. من الأمور التي تلفت الانتباه أن همم الصائمين تبدأ في الفتور والضعف مع انتصاف شهر رمضان على عكس المطلوب.

فقد جاءت الأخبار والآثار بأن تلك عشر العتق من النيران، وأن بها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، بنص القرآن العظيم.

وأنت مدعو أيها القارئ إلى مقاومة الضعف والانتصار على النفس لكي تختم رمضان بأفضل ختام رمضان شهر الصبر والنصر، وإذا انتصر المسلمون على نفوسهم، فهم قادرون على الانتصار على أعدائهم.

إن الله تعالى يعلمنا أن فريضة الجهاد في سبيل الله قد تتقدم على فريضة الصوم التي هي من أركان الإسلام، ويؤخر الصيام إلى أيام آخر.

هو والله تعالى الذي فرض الصوم بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183)، وأيضًا الذي فرض الجهاد بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 216).

وقد شهد رمضان على مر العصور والدهور التطبيق العملي لهذه المسألة، ومنذ بداية الصوم فقد كانت غزوة بدر الكبرى التي سماها الله تعالى: يوم الفرقان في السابع عشر من رمضان.

وكان فتح مكة ذلك الفتح المبين في رمضان وكانت عين جالوت في رمضان.

 وكانت حرب العاشر من رمضان آخر للك الانتصارات.

ومن درس غزوة بدر الكبرى أن الله تعالى هو الذي أعد مرح العمليات العربية بتقديره، وهو الذي اخرج المسلمين الموعد قذره سبحانه، وأنه نصر المسلمين وهم أدلة لا عدة ولا عدد، وقد كان ميزان القوى يميل تمامًا إلى صالح قريش القوية المتكبرة ولذلك يقرر الله الحقيقة الناصعة: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (آل عمران: 126).

لقد خرج المسلمون يطلبون عير قريش ليستردوا بعض ما فقدوه من أموالهم في مكة، فأراد الله لهم ملاقاة العدو دون استعداد، وكان لهم النصر. لقد كانت بدر الكبرى علامة فارقة، ومحطة رئيسة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وبعدها استقرت الأمور للرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، وظهر النفاق بعد الانتصار، وبدأت مؤامرات اليهود ضد النبي صلى الله عليه وسلم ولم تتوقف قريش عن حربها للانتقام مما لحقها من هزيمة نكراء ونسجت تحالفات واسعة لمحاصرة الدولة الوليدة والقضاء عليها.

أما فتح مكة، فقد أنهى الصراع بين الدولة الإسلامية بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم وبين قريش، وبدأت بعده مرحلة جديدة للدعوة الإسلامية في أطراف الجزيرة العربية، وأعد الرسول صلى الله عليه وسلم جيشًا لغزوة مؤتة في الشام التي كانت بداية حلقة جديدة من المعارك الكبرى التي أكملها الخلفاء الراشدون وكانت غزوة تبوك» على أطراف الجزيرة، واستقبل الرسول الوفود وأرسل الوفود إلى زعماء تلك المرحلة التاريخية.

وقد كان فتح مكة دون قتال يُذكر، وظهر فيه تواضع الرسول صلى الله عليه وسلم العظيم ورحمته بأعدائه، حيث قال لهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». (أخرجه الطبري في ((تاريخه)) (12/93) من حديث محمد السدوسي).

ومع قرب رحيل الشهر الفضيل، بدت نذر أزمة مالية كبرى تعصف بأمريكا وأوروبا والاقتصاد العالمي كله، وكما سماها "آلن جرتسبان" الرئيس السابق للبنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، أزمة القرن، وبدأت بنوك كبرى تعلن إفلاسها. ومحاولات مستميتة من البنوك المركزية العالمية لإنقاذ بنوك أخرى وشركات تأمين كبرى من المصير المحتوم.

ويتساءل المراقبون: هل يستطيع النظام الربوي العالمي تجاوز تلك الأزمة كما تجاوز أزمتين كبيرتين في القرن الميلادي المنصرم؟

إن النظام الرأسمالي القائم على الربا والذي تلعب فيه البنوك وشركات التأمين دورًا رئيسًا، أسفر عالميا عن زيادة الغنى والرفاهية في جانب وتفاقم الفقر والمرض في الجانب الأكبر، وبدت الفجوة بين الشمال الفني المترف وبين الجنوب الجائع الفقير غير مسبوقة في تاريخ البشرية.

هذا النظام الذي كان أساسه هو الاستعمار ونزف ثروات الشعوب لتصب في صالح المواطن الأوروبي ورفاهيته لا بد أن يصل إلى نهاية وفق سنن الله في الكون.

هذه النظم التي تساند الديكتاتورية في بلادنا، وتستقطب فوائض أموال الدول العربية والإسلامية الغنية في بنوكها ومؤسساتها المالية بدأت تهتز وتعاني وستصل إلى نهاية الشوط. لم تظهر بعد آثار الكارثة المالية سواء على الحكومات الغربية أو المواطنين هناك وحتى لم تتضح بعد أبعاد التأثير على الحكومات العربية والأفراد في بلادنا، ولكن المتوقع أن تكون خطيرة.

يا رب إنك تعلم ضعفنا وعجزنا وقلة حيلتنا أمام هذا الجبروت العالمي والاستكبار الغربي والاستبداد المحلي فهل هذه بوادر الاستجابة لدعاء المستضعفين في الأرض، وهل أذنت بأفول الحقبة الأمريكية بأسرع مما تنتظر، فلنترقب بثقة نصر الله للصادقين المجاهدين العاملين تحقيقا لوعده القديم: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7).

الرابط المختصر :