; ذكريات مع المودودي.. وحوله | مجلة المجتمع

العنوان ذكريات مع المودودي.. وحوله

الكاتب الدكتور علاء الدين خروفة

تاريخ النشر السبت 31-يناير-2004

مشاهدات 63

نشر في العدد 1587

نشر في الصفحة 42

السبت 31-يناير-2004

أحسنت مجلة المجتمع صنعًا بتخصيص بعض صفحاتها للكتابة عن المودودي رحمه الله تعالى لأنه في طليعة القادة المسلمين من أمثال الأفغاني ومحمد عبده والسيد رشيد رضا والإمام حسن البنا - رحمهم الله تعالى جميعًا- وجزاهم جزاء الخير وخير الجزاء...

وعادت بي الذكرى إلى العام الذي توفي فيه المودودي «عام ۱۹۷۹»  وكنت قد عينت فيه مديرًا لمكتب رابطة العالم الإسلامي في نيويورك وممثلًا لها لدى هيئة الأمم المتحدة.. وكان من أبسط واجباتنا في ذلك المكتب: خدمة الإسلام.. وقد علمت أن المودودي يسكن ولاية نيويورك، وبالتحديد في مدينة «بافلو»- مع ولده الدكتور علاء الدين - التي تبعد ساعة بالطائرة عن المدينة.. وكان عنوانه غير معلن؛ لأن المسلمين كافة يودون زيارته، فكلفت أحد موظفي المكتب أن يبحث عن العنوان، وأن يتصل بجمعية الطلاب المسلمين سميت بعد ذلك «راسنا» فقد كانوا على صلة به، ففعل وحجز لي مكانًا بالطائرة، وقد وصلت في الموعد المعين، واستقبلني ولده، وبعد لحظات حضر الفقيد من غرفته، وكان يسير بمساعدة كرسي حديدي يتوكأ عليه، وقد سررت كثيرًا برؤيته، فقد كان شخصية علمية نادرة جمع بين العلم والعمل، والقيادة والهيبة، والتواضع، وهذا شأن العلماء القادة.

وسألته: أي لغة يفضل أن نستعمل في حديثنا: العربية أم الإنجليزية لأني لا أحسن الأردو؟

فأجاب: إن لي الخيار! فرجوت أن نستعمل لغة القرآن الكريم، ثم بدأ الحديث وكان يتكلم العربية بطلاقة فذكرت له أن صحته تهم المسلمين جميعًا وخاصة رابطة العالم الإسلامي.. وقد كان الفقيد عضوًا في الهيئة التأسيسية لها، وكنت تواقًا إلى الاستماع إلى حديثه وتوجيهاته، وبدأ يتحدث حديث القادة المفكرين، وكان من جملة ما ذكره أن باكستان قد أسست على أساس إسلامي وبدستور إسلامي، ثم ذكر ملاحظة مهمة وهي أن المسلمين اليوم يتحدثون عن مبادئ الإسلام العامة، ويودون أن المجتمع كله يتحرك وفق الإسلام، ثم أفاض فيما يجب على المسلمين عمله من جمع الشمل والتمسك بالإسلام وتطبيقه لاسيما قادة المسلمين.

لقد عرفت الفقيد وكانت شهرته تملأ الآفاق وعرفته كذلك من خلال بعض كتبه لاسيما «الربا» فهو على صغر حجمه يحوي معلومات قيمة، وروحًا إسلامية خالصة.. ومما ذكره في ذلك الكتاب أن نسبة الربا التي يتقاضاها بعض المرابين في الهند كانت ٥٠٠% «خمسمائة بالمائة» وهي نسبة عالية جدًا.. وكان يرى أن الربا لا يمكن أن يوجد بين المسلمين مطلقًا، وأن الاقتصاد يجب أن يقوم على أساس إسلامي محض، والحق أنني شعرت أنني أمام رجل نادر المثال آتاه الله العلم وفصل الخطاب، وآتاه القدرة على القيادة وهي ليست يسيرة.

لقد كنت أتمنى أن أطيل الجلوس لولا أني أشفقت على ذلك العالم الجليل، لذلك لبثت ساعة ثم استأذنته بالانصراف، وسألته هل أستطيع أن أؤدي أية خدمة؟ فأجاب فورًا: الدعاء.. وهكذا يكون العظماء الرجال، وعلماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم. 

بعد أقل من شهر انتقل المودودي إلى رحمة ربه، فتوجهت إلى القنصلية السعودية في نيويورك لتدبير نقل الجثمان إلى باكستان - زادها الله قوة ومكانًا- ولكنها كانت أسرع مني بكثير فقد استأجرت طائرة خاصة لنقل الجثمان.. ولم يطلبوا مساعدة.

 وجيء بالجثمان إلى مطار نيويورك وحضر عدد كبير من ممثلي الجاليات الإسلامية، منهم من قضى بالطائرة ساعتين، ومنهم من قضى أربع ساعات أو أكثر.. ثم صلينا صلاة الجنازة على الفقيد في المطار- رحمه الله رحمة واسعة. وبعد أيام أقيم اجتماع تأبيني بهذه المناسبة في جامعة كولومبيا في نيويورك، أقامه ممثلو الجاليات الإسلامية في أمريكا، وحضره وزير خارجية باكستان آنذاك آنما شاهي، وألقى كلمة بالمناسبة نيابة عن حكومة باكستان.. ولما جاء دور كاتب هذه السطور ألقيت كلمة ذكرت فيها بعض مآثر الفقيد، وكيف أن حكومة باكستان سنة ١٩٥٤م حكمت على المودودي بالإعدام، وكيف أن الحكومة الآن - في ذلك الوقت ۱۹۷۹ - ترسل وزير خارجيتها لحضور هذا الاجتماع. 

ورجعت بالذاكرة إلى عام ١٩٥٤م حين كنت طالبًا بالقاهرة، وجاء الخبر أن المودودي حكم عليه بالإعدام، فأقامت جمعية الشبان المسلمين برئاسة صالح حرب باشا - رحمه الله تعالى- اجتماعًا عامًا دعت إليه ممثلي الجمعيات الإسلامية الأخرى وأرسلوا برقيات احتجاج، وكان لها أثر في تبديل الحكم.

لقد كانت للفقيد مواقف جليلة يجب أن تذكر حتى يتعلم منها شباب اليوم الذين سوف يتولون قيادة المجتمعات الإسلامية في المستقبل.

من ذلك أن أيوب خان رئيس باكستان أرسل إلى الفقيد يرجوه الحضور والاجتماع به فذهب المودودي، وبعد أن جلس مدة من الزمن لم يتكلم فقال له أيوب خان بأدب وهدوء: ماذا تريد؟  فأجابه الفقيد: «أنت الذي أرسلت إليّ»... وقد أخبرني بهذه

القصة أخ مسلم أثق بروايته، وقد كان رحمه الله تعالى يخدم الجماعة الإسلامية ولم يتقاض أي راتب.. كما أنه كان يرفض أن يرد على الذين يكتبون ضده، وهكذا يكون الإخلاص.. إن كتبه كثيره ومقالاته عديدة، وأذكر أنني قمت بتدريس كتابه عن «القانون الدستوري» في الجامعة بشيكاغو بالإنجليزية، وقد لمست عظمة الرجل وفكره الثاقب، رحمه الله رحمة واسعة وعوض الأمة الإسلامية فيه خيرًا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

981

الثلاثاء 17-مارس-1970

مجتمعنا

نشر في العدد 6

224

الثلاثاء 21-أبريل-1970

صحافة - العدد 6